البيان الذي أصدرته ما تسمى بالحركة المدنية (الديمقراطية!) الأحد 18 ديسمبر 2022م يستحق التوقف وشيئا من القراءة حول مفرداته ومضامينه. وقبل الحديث عن أهم ملاحظتين حول الحركة والبيان، يتعين التأكيد على أن ما ورد بالبيان من مطالب تتعلق بضرورة تغيير السياسات الاقتصادية للدولة هي محل اتفاق ولا غبار عليها، لكننا نزيد على ذلك بأن الدكتاتور عبدالفتاح السيسي هو وأجهزته السبب في هذه السياسات العشوائية التي أفضت إلى تدهور الأوضاع على النحو المخيف الذي يجري حاليا. من جانب آخر، فإن الحركة طالبت بإطلاق سراح من وصفتهم بالمعارضين السلميين، والحق أن كل المعتقلين يتعين الإفراج عنهم فورا ودون شروط، لأن المجرم الحقيقي هو السيسي وأجهزته الأمنية التي تآمرت على الدولة والمسار الديمقراطي وثورة يناير.
الملاحظة الأولى والمهمة على البيان هي المقارنة بين مفردات ومضامين النقد مع بيانات مماثلة إبان عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر.. فبيانات الحركة في عهد السيسي رغم التدهور الحاد في الأوضاع والتي يمكن وصفها بالانهيار السياسي والاقتصادي إلا ان لغة النقد هادئة ورصينة ومتصالحة وتكاد تكون متفاهمة مع السياق العام والظروف التي تمر بها البلاد والعقبات التي تواجه منظومة الحكم. وبالتالي فقد التزمت مفردات ولغة النقد بنقد السياسات وابتعدت بشكل كامل عن انتقاد السلطة وأهل الحكم. العكس تماما ما كان يحدث مع الريس مرسي، فقد كانت مفردات ولغة الخطاب حادة ومتطاولة تتجه إلى شخص الرئيس بشكل مباشر والذي كان يحظى بنحو 90% من الهجوم بينما ما تبقى (10% من أي بيان) كان يتجه إلى نقد السياسات. وتتعين الإشارة إلى أن بيانات هذه القوى في عهد الرئيس مرسي والتي كانت تنطوي تحت لافتة «جبهة الإنقاذ الوطني» كانت عادة ما تستخدم الدعاية السوداء بحق الرئيس وتضخيم الانتقادات بهدف النيل من الرئيس والنظام المنتخب بإرادة الشعب الحرة. والبرهان على ذلك أمران:
الأول، أن هذه القوى لم تجرؤ على مطالبة السيسي بالتنحي رغم انهيار الأوضاع. ولا تجرؤ على التحريض عليه كما كانت تفعل مع الرئيس مرسي عليه رحمة الله. فقد كانوا يخرجون على الفضائيات صباح مساء يهاجمون الرئيس بالباطل ويفترون عليه الكذب. بعضهم حرض الناس على الثورة وآخرون حرضوا الجيش على الانقلاب، ومعظم هذه القوى (المدنية العلمانية الديمقراطية) باركوا الانقلاب على الديمقراطية وباركوا المذابح الوحشية التي نفذها الانقلابيون ضد الرئيس المنتخب وأنصاره الذين كان الفئة الوحيدة التي تدافع عن الديمقراطية وإرادة الشعب الحرة في هذا الوقت.
الثاني، أن هذه القوى رفضت الحوار مع الرئيس المنتخب رغم ما كانوا يتمتعون به من حريات شبه مطلقة لم يحصلوا عليها طول حياتهم قط، لكنهم يهرولون للحوار مع زعيم انقلاب عسكري اغتصب الحكم بقوة الدبابة وصناديق الذخيرة! بينما استخفوا بالرئيس المنتخب وحرضوا عليه تحريضا واسعا وغير مسبوق رغم أنهم كانوا في نعمة كبرى لم يعرفوا قدرها إلا بعد الانقلاب؛ فلم يكن في سجون مرسي معتقلون، وكانت حرية الرأي والتعبير مكفولة للجميع، والانتخابات نزيهة وتحت إشراف قضائي كامل، والمجتمع المدني في أقوى حالاته والأحزاب تمارس نشاطها بكل حرية ودون أي تدخل من أجهزة الدولة التي جرى تقيدها بالدستور والقانون لأول مرة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، فلماذا كانوا يعارضون الرئيس وهذه القيم هي التي يحاربون من أجلها اليوم؟! كان بإمكانهم الدفاع عن الديمقراطية وإرادة الشعب الحرة لكنهم للأسف اظهروا عداء سافرا للمؤسسات المنتخبة وباركوا حلها والانقلاب عليها إما بأحكام قضائية مسيسة كما جرى مع البرلمان الشرعي، أو بالتدخل العسكري العنيف والمباشر كما جرى مع الرئاسة في يوليو 2013م. فسقطوا في الاختبار وانكشفت حقيقتهم، فهم مدنيون حقا لكنهم لم يكونوا (ديمقراطيين) أبدا في أي يوم من الأيام.
الملاحظة الثانية، هي إصرار هذه القوى على التمسح بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، حيث تطالب الحركة في بيانها بـ «تعزيز فرص التداول السلمي للسلطة هو الطريق الآمن لتجاوز الأزمات»؛ وهل ساهمت الحركة في التداول السلمي للسلطة أم باركت اغتصاب السلطة بانقلاب عسكري؟! تجربة السنوات الماضية تفضح هذه القوى العلمانية وتكشف إلى أى مدى تتعامل مع هذه القيم الإنسانية النبيلة بكل انتهازية وصفاقة. فهذه القوى تآمرت على الديمقراطية ولم تظهر مطلقا أي تسليم باحترام نتائجها والدفاع عن مؤسساتها المنتخبة بإرادة الشعب الحرة؛ وتجربة السنوات العشر الماضية من الثورة إلى الانقلاب خير برهان على ذلك، فقد كان أمام هذه القوى صناديق الاقتراع والاستعداد للانتخابات البرلمانية في عهد الرئيس مرسي بعدما جرى حل البرلمان الشرعي بحكم مسيس من المحكمة الدستورية (العليا!)، لكنها فضلوا التغيير بالعنف والانقلاب العسكري على احترام القيم الديمقراطية؛ فكيف يتبجحون بعد ذلك ويتمسحون بالديمقراطية ويتحدثون عن التداول السلمي للسلطة وهم أول من انقلب على هذه القيم؟!
الملاحظة الثالثة، طالبت الحركة في بيانها مؤسسات الحكم بـ"الإنصات لصوت الشعب والتفاعل الإيجابي مع حركات الاحتجاج". لكن هذه القوى نفسها هي من كانت تحرض الجيش والشرطة والبلطجية على ملاحقة المحتجين ضد الانقلاب العسكري في منتصف 2013م؛ والحكومة التي شكلتها هذه القوى بعد الانقلاب على ظهور الدبابات هي التي سنت قانون "منع التظاهر"؛ فيكف لهذه القوى أن تدافع اليوم عن حرية التظاهر وهي التي قيدته عندما كانت في السلطة؟! وكان الموقت عدلي منصور وافق في 24 نوفمبر 2013 علي قانون قدمته له حكومة الببلاوي تحت مسمى "تنظيم حق التظاهر"، حيث يحتم القانون على من يريد التظاهر الحصول على ترخيص من وزارة الداخلية وإلا يتعرض لعقوبات من بينها الحبس، وهو القانون الذي أثار غضب مؤيدين ومعارضين للسلطة العسكرية والحكومة العلمانية والذين تظاهروا ضد القانون ما أدى إلى اعتقال عدد منهم. ويرى الفقيه الدستوري الراحل المستشار طارق البشري أن توقيت إصدار هذا القانون وما قد يليه مما يسمى بقانون مكافحة الإرهاب، أن ذلك لم يرد مصادفة ولا كان مجرد رد فعل للمظاهرات التى تجرى فى مصر منذ وقوع الانقلاب العسكرى». ويؤكد أن «فى هذا السياق (سياق الانقلاب) من الطبيعى جدا أن يصدر قانون منع التظاهر ليجرم الفعل الوحيد الذى يمكن به أن يعبر الشعب عن رأيه بحرية فى ظل هذه الظروف الانقلابية». وينتهي إلى أن قانون منع المظاهرات ليس مجرد قانون يصدر ليواجه مظاهرات، إنه صلب العمل الدستورى الذى يراد وضعه وتقريره ليجرد الشعب من صميم قدرته على الحركة ليمسك زمام أمور بلده بنفسه. إنه جزء من صميم العدوان على ثورة 25 يناير».
الإخوان هم الديمقراطيون
بنهاية 2013م وبعد شهور دموية بعد الانقلاب العسكري، اعترفت صحيفة "التليجراف" البريطانية في مقال للكاتب برندان أونيل، في ديسمبر 2013م، أن الإخوان هم من يستحقون كل جوائز الدفاع عن الديمقراطية؛ حيث طرح حينها الكاتب عدة تساؤلات حول من هو الشخص أو المنظمة التي تستحق قيم الديمقراطية و الحرية بما أنجزته خلال عام 2013 ، ومن يستحق جائزة مناصرة القيم الديمقراطية في مواجهة قوى السلطة المستبدة القامعة للحريات الشخصية. لينتهي إلى نتيجة مفاجئة لقرائه قائلًا " لا أصدق أنني أقول ذلك و لكنني أظن أنهم الإخوان المسلمون أو على الأقل أنصارهم في مصر".
وعلى الرغم من أن الكاتب يصرح برفضه للإخوان ويقر بالمزاعم التي تروج عنهم زورها إلا أنه يعترف في ذات الوقت بأن الجماعة وأنصارها في مصر هم من يستحقون دون غيرهم جائزة مناصرة القيم الديمقراطية. ويسوق الأدلة والبراهين على ذلك مضيفا: «لقد جازفت الجموع المصرية المؤيدة للإخوان المسلمين بحياتها أكثر من أي مجموعة أخرى على الأرض لتحافظ على فكرة حق الشعوب في اختيار قياداتهم السياسية و التعبير بحرية عن ارائهم السياسية و غضبهم في الشوارع. بينما كان مجرد ما نفعله نحن الليبراليون في الغرب, أن نكتب عن الحقوق الديمقراطية و حرية التعبير, كان مؤيدو الإخوان في مصر يحاربون بين المطرقة و السندان من أجل هذه القيم, حتى أنهم ماتوا من أجلها, بالألاف». ويعزو الكاتب أسباب ذلك إلى تواطؤ الغرب وفشله في إدانة الانقلاب العسكري في مصر على نحو جاد وحقيقي متابعا: « نحن السبب. لقد كان فشل الغرب المذهل الذي يدعي حب الديمقراطية في إدانة الانقلاب على الأخوان المسلمين في مصر, و تحدي عزل الرئيس المصري محمد مرسي و القمع الوحشي للنظام الجديد بحق أنصاره – محمد مرسي – الذي منح الإخوان الأحقية الأخلاقية في كل ما يخص الحرية و الديمقراطية».