كيف برهن السيسي باعتقال والد عبدالله الشريف أنه يحكم بمنطق العصابة؟

- ‎فيتقارير

في الدول التي تحكم بالدستور والقانون لا تجرؤ الحكومات على التنكيل بشخص انتقاما من شخص آخر، أو لإجباره على التخلي عن سلوك معين تراه الحكومة مؤذيا لها؛ ذلك أن  هذا الإجراء يتنافى أساسا مع الدستور والقانون الذي يلزم الحكومة  باحترام حقوق الإنسان وعدم تجاوز الصلاحيات التي نص عليها الدستور والقانون؛ كما يتجاوز الأعراف الدستورية والقانونية التي تنص على أنه لا عقوبة إلا بنص؛ وهو ذاته المنطق القرآني {ولا تزر وازرة وزر أخرى}؛ وهو نهي صريح عن توقيع عقوبة على شخص لجريمة فعلها شخص آخر، حتى لو كان من أقرب المقربين له. وتلك أعظم قاعدة  شرعية وقانونية في العالم تستهدف صيانة العدالة من تغول السلطات والحكومات الظالمة.

  وإذا تجاوزت حكومة الانقلاب ونكلت بشخص بريء انتقاما من شخص آخر في دولة تحكم بالدستور والقانون، فإن الإعلام يفضح هذا السلوك الشاذ، والبرلمان يستجوب الحكومة وقد يطيح بها، وقد تتحول الحالة إلى دعوى جنائية يقدم فيها المسئولون إلى المحاكمة، وقد يدانون على تجاوز سلطاتهم واستغلال مناضبهم  في انتهاك حقوق الإنسان المصونة بنص الدستور والقانون.

هذا في الدول المحترمة التي تحكم بمنطق الدستور والقانون؛ أما في مصر فالأمر على نحو مغاير؛ فحكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي تمنح نفسها صلاحيات مطلقة في التنكيل بأي شخص حتى لو كانت على يقين كامل بأنه غير متهم؛ وقد تفعل ذلك انتقاما من شخص آخر؛ والبراهين على ذلك أكثر من أن تحصى؛ وآخرها اعتقال والد اليوتيوبر الشهير عبدالله الشريف. ودأب نظام السيسي العسكري على التنكيل واعتقال أسر المعارضين السياسيين المقيمين بالخارج، من أجل تهديدهم وإجبارهم على السكوت. والأمثلة عديدة على ذلك، وأبرزها معاذ ومعتصم ومهند مطر، والثلاثة أشقاء الإعلامي المعارض من الخارج معتز مطر، وإسلام ويوسف محمد نجيب، وهما شقيقا المعارضة المقيمة في تركيا غادة نجيب، فضلاً عن خمسة من أقرباء الحقوقي المقيم في الولايات المتحدة محمد سلطان، الذين اعتقلوا عقب قضية رفعها ضد رئيس الوزراء السابق حازم الببلاوي، بتهمة المسؤولية والإشراف على وقائع تعذيبه خلال فترة احتجازه عام 2013.

وقد اعادت أجهزة السيسي الأمنية، الإثنين 07 نوفمبر 2022، اعتقال والد الشريف، بعد يوم واحد من نشره مقطعاً يكشف فبركة موقع اليوم السابع، الإخباري المملوك للمخابرات، لأحد الفيديوهات. وتظهر في الفيديو فتاة تدعى نوران السيد، للحديث عن "الإنجازات المزعومة" للسيسي، مثل الطرق والكباري (الجسور) والمدن الجديدة، بعد تلقين أحد الأشخاص لكل كلمة تقولها، على غير إرادتها.

ونشر الشريف تغريدة عبر "تويتر" قال فيها: "أبويا محمد الشريف البالغ من العمر 74 عاماً قُبض عليه دلوقت. كده لي عندكم ثلاثة هم والدي وأخواي، وليس عندي ما أخسره". وكانت سلطات الانقلاب قد اعتقلت والد الشريف في ديسمبر 2021، إثر اقتحام منزله في محافظة الإسكندرية، بسبب ما ورد في حلقة لابنه عبر قناته في موقع "يوتيوب". وتضمنت الحلقة تسجيلاً صوتياً منسوباً لبعض الأشخاص الذين ادعوا عملهم مستشارين في مؤسسة الرئاسة، واتفاقهم فيما بينهم على عقود تخص تنفيذ بعض مشروعات الدولة، مقابل رشى مالية تصل إلى ملايين الجنيهات. إلا أن والد الشريف أطلق سراحه بعدها بساعات. وأصدرت وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب بياناً، زعمت فيه أن القبض عليه "بسبب فحص بعض التحويلات المالية الواردة إليه من الخارج، والتنبيه عليه بضرورة إحضار المستندات اللازمة لذلك". وفي مارس 2020، ألقت قوات الأمن القبض على شقيقَي الشريف، وهما عمرو وأحمد الشريف، بعد اقتحام منزلهما من دون سند قانوني بمحافظة الإسكندرية، وتحطيم محتوياته، واقتياد الشقيقين إلى جهة غير معلومة. وجاء اعتقال الشقيقين رداً على مقطع فيديو نشره الشريف، يظهر أحد ضباط الجيش، وهو يمثل بجثمان شاب عشريني من أهالي محافظة شمال سيناء، قبل أن يُشعل فيه النيران داخل حفرة في الصحراء.

أجهزة السيسي تستهدف بذلك إرسال رسالة تهديد لكل الإعلاميين بالخارج الذين يتبنون الدعوة لمظاهرات 11/11 الجمعة المقبلة بالتزامن مع انطلاق فعاليات مؤتمر المناخ (كوب 27) بمدينة شرم الشيخ في القترة من 6  حتى 18 نوفمبر 2022م. كما أن السيسي وأجهزته الأمنية باعتقال والد الشريف إنما يستهدفان ابتزازه وإجباره على التوقف عن كشف فضائح النظام وانتهاكاته.

السيسي وأجهزته بهذه السلوك الشاذ مع أقارب الإعلاميين بالخارج إنما يبرهنون على أن مصر تحكم بمنطق المافيا والعصابات، لا بمنطق الحكومات ودولة القانون؛ فأين  الإعلام من كل هذا الظلم المبين؟ وأين البرلمان من هذه الانتهاكات المستمرة؟ وأين القضاء من هذه الظلم العظيم؟! بل أين رؤساء وزعماء العالم الذين يتنزهون في شرم الشيخ حاليا من كل هذه الانتهاكات؟ أليس في عقولهم سوى المطالبة بالإفراج عن الناشط السياسي علاء عبدالفتاح؟ أليس هناك نحو 60 ألف معتقل سياسي يقبعون في سجون السيسي ظلما وعدوانا؟ لماذا الدفاع فقط عن ناشط واحد اونشطاء بعينهم دون الدفاع عن كل المظلومين وهذا عين الحق والجمال والإنسانية؟!

الحق أن ما يفعله السيسي وأجهزته الأمنية من انتهاكات وتجاوزات تناقض الدستور والقانون والشرائع والأديان، إنما هو منهج ثابت تأسس عليه النظام؛ فشرعية نظام 03 يوليو ما قامت أساسا إلا على اغتصاب الحكم بالعنف والإرهاب؛ وهو الأمر الذي وصفه الاتحاد الإفريقي في حيثيات قراره بتجميد عضوية مصر من الاتحاد الإفريقي بعد الانقلاب مباشرة منتصف 2013،  أن الجيش سيطر على الحكم بأداة غير دستورية. فقد برهنت السنوات الماضية بعد الانقلاب أن كل المسوغات التي طرحوها لتبرير جريمة الانقلاب ما هي إلا أكاذيب روجوها بفعل الآلة الإعلامية الجبارة لإقناع القطاعات الغافلة من المواطنين، والحق أن السيسي وجنرالات الجيش ما دبروا انقلابهم إلا لحماية مصالحهم الخاصة وإمبراطوريتهم الاقتصادية المترامية الأطراف، والخوف من الحساب بعد تقارير تقصي الحقائق التي أثبتت تورط المخابرات الحربية في المذابح والجرائم أثناء فعاليات ثورة 25 يناير وقتل المتظاهرين، والأهم أنهم ما دبروا انقلابهم إلا بناء على تخطيط إقليمي تحت رعاية أمريكية مباشرة لتحقيق عدة أهداف: أولها حماية إسرائيل كنقطة ارتكاز للإمبريالية الأمريكية في المنطقة لاستنزافها والتحكم فيها. حماية حكم القبائل في ممالك الخليج الثرية التي رأت في نجاح ثورة يناير وازدهار الديمقراطية المصرية خطرا على وجودها؛ فمولوا انقلاب العسكر بعشرات المليارات من الدولارات. ثم تكريس نسخ الحكم العسكرية العلمانية من أجل تهميش الإسلام وإضعاف الهوية الحضارية والإسلامية لمصر والأمة والمنطقة كلها.