للمرة الثانية في أقل من أسبوع، يعترف الدكتاتور عبدالفتاح السيسي بالفشل، عدم القدرة على إصلاح أوضاع البلاد الاقتصادية؛ جاء ذلك في خطابه الأخير في الجلسة الختامية للمؤتمر الاقتصادي مصر 22 الذي أقيم في فندق الماسة المملوك للجيش في العاصمة الإدارية خلال الفترة من الأحد 22 إلى الثلاثاء 24 أكتوبر 2022م.
وفي كلمته يقول السيسي: «أقول للمسؤولين الحاضرين اكرهوا الفقر، ولا تكرهوا الفقير، وأقول إن أي شخص يتقاضى أقل من 10 آلاف جنيه في الشهر لا يستطيع العيش. لكن لا أستطيع أن أوفر لكل الناس هذا المرتب، لأن هناك مشروعات في الدولة نعمل على إنجازها. غيري أكل وشرب وتركها على الحديدة (في إشارة خفية إلى الرئيس المخلوع الراحل محمد حسني مبارك)، والإصلاح الاقتصادي الحقيقي بات أكبر من أي رئيس»!
هذا الكلام اعتراف صريح بالفشل وعدم القدرة على حل مشكلات البلد الاقتصادية؛ فلماذا يبقى السيسي في الحكم؟ لما لا يقتدي برئيسة الوزراء البريطانية ليز تريس التي استقالت من منصبها رغم أنه تولت المنصب قبل أقل من شهرين فقط عندما اطلعت على الأوضاع وأدركت أنها لن تقدر على مواجهة المشكلات والأزمات التي تواجه بريطانيا؛ فكاشفت الشعب بالحقيقة وقدمت استقالتها قالت إنها لا يجب عليها أن تضيع وقت بلادها.
رغم أني لا أحب اليمين المسيحي الذي تنتمي له تريس، والذي يتجمع في حزب المحافظين إلا أن هذه المرأة قدمت درسا سياسا وأخلاقيا لكل حكام وشعوب الأرض؛ فالمسئول الذي يجد نفسه غير قادر على حل المشكلات التي تواجه بلاده رقم توافر كل الإمكانات عليه ألا يهدر وقت وطنه الثمين ويقدم استقالته على الفور حتى ينتخب الشعب غيره يستطيع أن يواجه المشكلات والأزمات. لكن السيسي يكابر ورغم أنه على الدوام يختار القرارات التي تسبب المزيد من المشاكل والأزمات إلا أنه لا يعترف بذلك مطلقا؛ فهو على العكس يعيش دور المنقذ الذي حمى البلاد والعباد في 3يوليو 2013م من غول الإرهاب الإسلامي، وحمى مصر من أنصار الخلافة الإسلامية الذين يريدون تحكيم الشريعة الإسلامية؛ كما صرح هو بذلك في أول حوار صحفي بعد الانقلاب مع صحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية.
وكان السيسي قد اعترف بالفشل في خطابه في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر عندما كشف أن «الأشقاء العرب أصبحوا على قناعة بأن الدولة المصرية لن تقف مجدداً، وأن الدعم والمساندة شكّلا ثقافة الاعتماد عليهم لحل الأزمات».. وقوله «الناس بقي لها سنين بتساعد وأنت لا تساعد نفسك»!. فالسيسي بدا مهزوما، وهذه التصريحات هي اعتراف مبطن بالفشل؛ فرغم المساعدات الهائلة التي تلقاها النظام منذ انقلاب 03 يوليو 2013م إلا أن النظام ظل يعتمد على التسول والمساعدات والقروض. كما أن هذه التصريحات إقرار بأن الأصدقاء والأشقاء في الخليج ملوا من هذا السلوك المصري الذي لا يجيد سوى التسول وتلقي القروض والمساعدات. من جهة ثالثة فإن قناعة العواصم الخليجية بأن الدولة المصرية غير قادرة على القيام مرة أخرى، هو انعكاس لفقدان الثقة في السيسي ونظامه، وأن مصر لن تنهض مطلقا تحت حكمه؛ فالسيسي في نظر الخليجيين أدمن التسول والمساعدات وهذا سلوك لا تقوم عليه الدول ولا تنهض به الأوطان.
هذه التصريحات هي الأكثر خطورة على الإطلاق في خطاب السيسي؛ لأنها تعني بشكل مباشر أن الخليج قرر التخلي عن السيسي، وأن العواصم الخليجية التي دعمت وساندت نظامه، ومولته بعشرات المليارات يمكن أن تقبل ببديل للسيسي؛ لأنه على هذا النحو أصبح عبئا عليها. يترتب على هذا الأمر أن السيسي سوف يتجه في أعقاب المؤتمر مباشرة إلى اتخاذ قرارات عاجلة منها تسريع وتيرة بيع أصول الدولة للدول الخليجية، والتحرير الكامل للجنيه بدلا من التعويم بالتنقيط الذي يتم منذ عدة شهور حتى ارتفع سعر الدولار من 15.7 في إبريل الماضي إلى 19.7 قرشا في أكتوبر 2022م، إضافة إلى خصخصة بعض شركات الجيش كشركة الوطنية وصافي؛ باعتبار ذلك أهم شروط صندوق النقد الدولي للحصول على القرض الجديد. لكن الجديد أن السيسي أعلن في الجلسة الختامية أن جميع شركات الحكومة بما فيها شركات الجيش معروضة أمام القطاع الخاص بما يعني أن السيسي لم يعد يملك سوى بيع أصول الدولة وشركاتها من أجل البقاء فترة من الوقت حتى يصل إلى مرحلة العجز الكامل وعدم القدرة على دارة دواليب الدولة بعد بيع كل أصول الدولة.
الأمر الأهم هو هل يقبل الجيش بيع شركاته التي يعتبرها الجنرالات "عرق الجيش"؟ أم أن للجيش رأيا آخر وأن توجهات السيسي وسياساته على هذا النحو قد تتسبب في صدام مباشر مع المؤسسة العسكرية التي يتمسح بها على الدوام؟ فبقاء السيسي بات عبئا ليس فقط على الخليج الذي ساند انقلابه المشئوم بل حتى المؤسسة العسكرية المهددة بفقدان كل عرقها كما يدعون من اجل سداد قروض وديون الجنرال السفيه.
العجيب في خطابات السيسي الأخيرة أنه رغم الفشل المنتشر في كل ركن بمصر فإن يدافع عن المسار والفكرة وفلسفة الحكم التي أغرقت مصر في بحار الديون والاستبداد والفشل المتراكم والمركب؛ يقول السيسي: ««أنا مش بدافع عن نفسي..أنا بدافع عن المسار والفكرة وفلسفة الحكم»، وذلك خلال تطرقه على تبنيه سياسات صندوق النقد الدولي منذ 2016م، التي يطلق عليها «الإصلاح الاقتصادي» والذي أفقر الناس وزاد من حجم الديون وقلص به الدعم. ودافع السيسي عن تبني سياسات صندوق النقد الدولي واعتبر ذلك توفيقا من الله جنب البلاد الآثار السلبية. ودافع السيسي عن التفريط في سيادة مصر على جزيرتي "تيران وصنافير"؛ مؤكدا أهمية اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وكل من قبرص واليونان فى البحر المتوسط والمملكة العربية السعودية فى البحر الأحمر، مدعيا أن الاتفاقية وفرت 120 مليار دولار سنويا لتشغيل محطات الكهرباء. لا له من كذب بواح! فهل ينهض وطن يدار بالأكاذيب والأرقام المفبركة والظلم والطغيان؟! هيهات هيهات!