قرار محكمة جنايات القاهرة، الإثنين 17 أكتوبر 2022، بإدراج جماعة الإخوان المسلمين على قائمة الكيانات الإرهابية لمدة خمس سنوات، و277 من رموز وقادة الحركة في القضية رقم 316 لسنة 2017 (حصر أمن الدولة) على قائمة الإرهابيين لمدة 3 سنوات، تحت مزاعم اتهامهم بـ"تشكيل جناح عسكري للجماعة، وتمويل أعمال العنف، واستهداف الشرطة والجيش والقضاة"، يثير كثيرا من الأسى على ما آلت إليه الأوضاع في مصر تحت حكم نظام عسكري دكتاتوري يدمر حاضر البلاد ومستقبلها.
القرار يتصادم مع الحقيقة المعلومة للجميع، وهي أن نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي العسكري هو أساس الإرهاب ومبدأه؛ فهو من شرع العنف باختطاف الدولة كلها بأداة غير دستورية وغير ديمقراطية وهي الانقلاب العسكري في 03 يوليو 2013م؛ فكيف لنظام اغتصب الحكم والسلطة بالعنف أن يتهم الآخرين بالإرهاب؟! وكيف لنظام قتل آلاف المصريين ظلما وعدوانا أن يتهم غيره بالعنف والإرهاب؟! وتزداد الدهشة إذا كان هؤلاء الآخرون هم الفصيل السياسي الوحيد الذي فاز بثقة الشعب عبر أدوات الديمقراطية وهو الفصيل الوحيد الذي وصل إلى رئاسة الجمهورية بإرادة الشعب الحرة، والفصيل الوحيد الذي فاز بأكثرية البرلمان بإرادة الجماهير الحرة في أنزه انتخابات شهدتها مصر طوال تاريخها كله باعترافهم واعتراف العالم كله. فكيف بعد كل هذه الحقائق يتهم الانقلابيون أنصار الديمقراطية بالإرهاب؟!
الجانب الآخر المثير للسخرية والشفقة في هذه الخطوة الانقلابية المتدثرة بغطاء قضائي مزيف؛ أن القرار ضم رموزا إسلامية وثورية لها باع طويل في العلم والجهاد والدفاع عن قضايا الأمة ضد الحملة الصليبية الجديدة المدعومة من حكامنا الملكيين والعسكريين على حد سواء، من أبرز هذه الرموز القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان سابقاً محمود عزت، وقيادات ورموز الجماعة محمود حسين وإبراهيم منير، ومحمد عبد الرحمن المرسي، ، وناصر الفراش، وعمر عبد الغني، ومحمد سويدان، وحسام شندي، والسيد طمان، وجمال حشمت، وعلي بطيخ، وأمير بسام، وحلمي الجزار، ورجب البنا، وصبري خلف. كما ضمت القائمة: حمدي حسن، والسيد نزيلي، وصبري الكومي، وفؤاد الهجرسي، ومحمد أسعد زهران، والسيد عسكر، وعبده البردويل، وجلال جبريل، وحلمي فياض، وأحمد النحاس، ومحمد الدسوقي، وسعد الحسانين وغيرهم وكلهم رموز إسلامية ووطنية تتمتع بالخلق العظيم والسيرة الطيبة ومحبة الناس. هذا بالإضافة إلى إدراج العلامة القرضاوي عليه رحمة الله وابنته علا التي تقيم حاليا في الدوحة، بينما لا يزال زوجها حسام خلف في سجون الظالمين. رغم أن القرضاوي رحل عن عالمنا قبل أيام وتحديدا في 26 سبتمبر 2022م!
القرار على هذا النحو تكريس لحالة الظلم والاضطهاد المستمرة منذ انقلاب 3 يوليو بحق الإسلاميين على نحو خاص؛ لأنهم الفصيل الأكثر شعبية والأكثر حضورا بين الناس؛ وهم الفصيل الوحيد الذي يعارض بمصداقية وثبات حكم العسكر الاستبدادي منذ عقود. تفسير هذا الاضطهاد والعنصرية والتمييز ضد الإسلاميين أن كبار قادة المؤسسة العسكرية اختطفوا الجيش ويديرونه لحسابهم وحساب مصالحهم الخاصة ومصالح رعاتهم في الخارج (الولايات المتحدة الأمريكية ــ إسرائيل ــ بعض دول الغرب ــ الخليج)، الأمر الذي أوصل مصر إلى نقطة حرجة للغاية؛ لأن السياسات القائمة ونمط الحكم الذي يفرضه العسكر على مصر يدمر حاضرها ومستقبلها؛ ويجعلها على الدوام رهينة المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المقام الأول.
وعلى هذا الأساس، تفرض المؤسسة العسكرية نمطا معيبا من الحكم (نظام جمهوري دكتاتوري)، وتفرض على المجتمع والدولة وصايتها بالعنف والإكراه من أجل حماية مصالحها ومصالح رعاتها؛ ولذلك تتبنى المؤسسة العسكرية في حكمها لمصر «المعادلة الصفرية» في صراعها مع المجتمع، والتي تقوم على مبدأ "إما نحن وإما هم"، وهي معادلة وإن ظهرت تمثلاتها العارية المتوحشة منذ انقلاب 3 يوليو ٢٠١٣ إلا أنها تعود بجذورها إلى بدايات الحكم العسكري لمصر منذ أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، بل ولربما أكثر قبل ذلك بحوالي 150 عاما، وتحديدا منذ تولي محمد علي السلطة في مصر، ذلك أن منطق الدولة المصرية "الحديثة" بالطريقة التي أنشأها بها محمد علي هو في تضاد بنيوي مع المجتمع وقواه وممثليه، بحسب الكاتب والمحلل السياسي الدكتور خليل العناني، وهو منطق يقوم على رفض أي شكل من أشكال التمثيل الشعبي، سواء أكان سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا انطلاقا من كونه يمثل خطرا على الدولة ذاتها، أو بالأحرى على مصالح من يحكمونها ويسيطرون عليها.
معنى هذا وفقا لهذا التفسير، فإن إحدى المهام الأساسية لهذه الدولة "العسكرية" هي تفكيك أي تكوينات أو تنظيمات أو حركات قد تمثل قطاعات شعبية معينة، ويتحول الأمر إلى حرب شاملة أمنية واقتصادية واجتماعية إذا تجرأت أي من هذه القوى ودخلت المجال السياسي منافسا للجيش الذي تحول إلى حزب سياسي يحتكر كل شيء في البلاد. فالدولة المصرية على النحو الذي كرسه محمد علي في بدايات القرن التاسع عشر، تكره التمثيل الشعبي، وتعتبره خطرا وجوديا عليها وعلى مصالح حكامها ومن يدور في فلكهم من الحاشية وحواشيهم، وأنها إذا سمحت به يجب أن يكون ذلك ضمن شروط معينة وتحت سقف محدد بحيث يصبح تجاوزه ولو دون قصد، كأنه إعلان حرب على الدولة يحتم عليها خوضها وكسبها وكسر عظام من تجرأ على كسر هذه المعادلة، ليس انتقاما منه فحسب، وإنما ردع لكل من يفكر في تقليده.
لهذه الأسباب لا يتوقف إعلام السيسي ونظامه عن تشويه الثورة وشيطنة من قاموا بها وعلى رأسهم الإسلاميون، والتخويف من تكرارها، فثورة يناير كانت محاولة جريئة لكسر المعادلة الصفرية بين الدولة والمجتمع الذي حاول من خلال قواه الحية وشرائحه الفاعلة انتزاع حق الوجود والتمثيل من الدولة المصرية. كذلك، لا يمكن فهم منطق التنكيل والإذلال المتعمد الذي تمارسه الدولة بكافة أجهزتها ومؤسساتها وشخوصها ضد آلاف المعتقلين السياسيين -خاصة الشباب- إلا ضمن هذا السياق، فالدولة تحاول قتل ووأد أي تفكير جريء في تكرار الخروج عليها مرة أخرى، خاصة من جيل الشباب.