المجرمون غاصوا في الدماء .. مجزرة الترحيلات ذكرى حرق 37 شهيدا مع سبق الإصرار

- ‎فيتقارير

اعتبر مراقبون أن مذبحة سيارة ترحيلات أبوزعبل، 18 أغسطس 2013 والتي أعقبت مذبحة فض ميدان رابعة العدوية،  بعدما أطلق ضباط قسم مصر الجديدة قنابل الغاز داخل سيارة ترحيلات -السيارة الزرقاء- على نحو 40 معتقلا تم جمعهم أولا بإستاد القاهرة والذي ضم المئات ممن اعتقلوا أثناء فض رابعة العدوية ولم يقتلوا.
اعتقل ال37 نفسا عقب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة بالقوة من قبل داخلية الانقلاب وعسكر الجيش الذين قتلوا ألفا بالرصاص الحي والحرق المباشر على الأقل الأربعاء 14 أغسطس 2013.
عملية الاعتقالات العشوائية الواسعة التي تزامنت وأعقبت الفض من شوارع القاهرة، كان الـ37 شخصا من بينهم، إلا أن روح الانتقام وسبق الإصرار على القتل، حولتهم إلى جثث هامدة في دقائق وفي غضون ساعات انتفخ معظمها، بوجوه حمراء وأخرى محترقة سوداء.

وفي رواية مؤكدة أن قيادات من الجيش دخلت في مفاوضات لتوفير خروج آمن للمحاصرين داخل المسجد، وما إن فُتحت أبواب المسجد أمام خروج من كانوا بداخله، لم يسمح للجميع بالعودة إلى منازلهم، حيث تم وضع عدد منهم في سيارات الترحيلات ومدرعات الجيش، وتم نقلهم للتحقيق معهم، وتحويل نحو 500 منهم للمحاكمة بتهم ارتكاب عنف وقتل.

ورآى مراقبون أنها وصمة عار جديدة تضاف لتاريخ العسكر وما أقذر جرائمهم، لاسيما وأن الفاعل من عساكر الداخلية الذين تعودوا القتل خارج إطار القانون بالتعذيب والحرق.

شاهد إثبات
مهدت سلطات الانقلاب أن تحشرهم إلى سجن أبو زعبل، وفي المسافة بين حجز قسم شرطة السلام (شرق القاهرة) وأبو زعبل اختنق 37 مصريا بعد وصلة من التعذيب النفسي والجسدي، أقله كان الحرمان من الماء، في سيارة ترحيلات شرطية، لا تتجاوز 8 أمتار دون منفذ هواء، عشرات المعتقلين الذين قبض عليهم عشوائيا، في طريقهم إلى أبو زعبل، إلى أن أطلق عليهم ضباط الشرطة وابلا من القنابل المسيلة للدموع والغازات السامة التي أودت بحياتهم حرقا أو اختناقا.

وفي 25 فبراير 2014 نقلت مواقع محلية شهادة أحد الناجين في قضية سيارة ترحيلات أبو زعبل، وأكد شاهد إثبات وأحد المتهمين الذي كان موجودا داخل سيارة الترحيلات في قضية محاكمة 4 ضباط بتهمة قتل 37 شخصا داخل سيارة الترحيلات بأبو زعبل، أنه عقب وصولهم إلى سجن أبو زعبل طلب أحد الضباط منهم سب مرسي حتى يمكنهم من النزول من السيارة.

كانت النيابة العامة قد أسندت إلى كل من المقدم عمرو فاروق، نائب مأمور قسم مصر الجديدة، والنقيب إبراهيم محمد المرسي والملازم إسلام عبد الفتاح حلمي، والملازم محمد يحيى عبدالعزيز، اتهامات التسبب في وفاة 37 من عناصر الإخوان المتهمين بداخل سيارة الترحيلات أثناء ترحيلهم لسجن أبوزعبل وإصابة آخرين والإهمال والرعونة وعدم الاحتراز والإخلال الجسيم بما تفرضه عليهم أصول وظيفتهم من الحفاظ على سلامة، وأرواح المواطنين ولو كانوا متهمين.
الضباط المتهمون أنكروا خلال التحقيقات جميع الاتهامات الموجهة إليهم، وأصروا على أنهم كانوا في "حالة دفاع عن النفس"  ولمنع السجناء من محاولة الهرب من سيارة الترحيلات؛ حيث تمت مواجهتهم بتقارير المعمل الجنائي والطب الشرعي، التي أثبتت تعمدهم إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع والتي تسببت في مقتل السجناء أثناء تواجدهم في سيارة للترحيلات.
 

ادعاءات الداخلية
ادعت داخلية الانقلاب أن من بداخل السيارة حاولوا خطف شرطي، وهو ما اضطروا على إثره لإطلاق الغاز المسيل للدموع داخل السيارة، لكن الرواية التي خرجت على لسان أهالي الضحايا أكدت أن أجهزة الأمن تعمدت ترك المعتقلين مكدسين داخل السيارة دون ماء ولا هواء في جو قاس ، وهو ما أدى إلى اختناقهم وعندما طالبوا بالخروج، أطلق عناصر الأمن عليهم الغاز المسيل للدموع، الذي أدى إلى قتلهم جميعا اختناقا في سيارة الترحيلات.

ورغم أن الجهات القضائية فتحت تحقيقا في الجريمة التي وصفتها النيابة "جنحة" وليست "جناية" وأصدر قضاء الانقلاب حكما ضد المقدم عمرو فاروق نائب مأمور قسم شرطة مصر الجديدة بالحبس مع الشغل لمدة 5 سنوات فقط، ومعاقبة 3 ضباط شرطة آخرين بالحبس لمدة سنة واحدة مع إيقاف التنفيذ.

وأثبتت تسريبات صوتية أذيعت عام 2014 أن عباس كامل مدير مكتب السيسي آنذاك، ومدير المخابرات العامة الحالي، تدخل شخصيا لإقناع ممدوح شاهين، المستشار القانوني لوزارة الدفاع، بالحديث مع قاضي المحكمة لتخفيف الحكم، وبالفعل حصلوا على الأحكام السالفة وذهب الضحايا إلى طي النسيان سريعا.

 

فيلم اشتباك
ورغم أنه لم يوجد أي اشتباك أدى إلى المجزرة سوى الاشتباك السياسي لرافضي الانقلاب بسلميتهم وأنصار السيسي وجنوده وأشياعه وأتباعه، إلا أن فيلم "اشتباك" تناول بممثلين مصريين، عرضا للواقعة بمنظور منتجيه، حيث دارت أحداث الفيلم داخل سيارة ترحيلات تابعة للشرطة مكتظة بالمتظاهرين المعتقلين عشوائيا من المؤيدين والمعارضين، متناولا جزءا كبيرا مما حدث في مصر بعد ثورة يناير 2011.
واستلهم مخرج الفيلم الشاب المصري محمد دياب من الواقعة فكرة الفيلم، وقد حرص الفيلم أن تكون هذه الحادثة نواة للحالة التي تمر بها الأوضاع في مصر، التي أظهرها وكأنها تعيش حالة مؤقتة صعبة باختلاف تنوعاتها في سيارة ترحيلات.
واختير فيلم "اشتباك"  للمشاركة في مهرجان "كان" في فرنسا، أحد أكبر مهرجانات السينما العالمية في دورة 2016 وذلك ضمن مسابقة "نظرة ما"  إلا أن مراقبين  ذكروا أن المعتقلين لم يكونوا من أطياف سياسية مختلفة، وإن كانوا ينتمون لدرجات من التيار الإسلامي.

وفي حديث للمخرج محمد دياب  مع صحيفة "نيو يورك تايمز" أشار إلى أنه وفي العام 2013 عقب أحداث الانقلاب العسكري وما تلاه من أحداث فض الاعتصامات، جاءت فكرة هذا الفيلم لشقيقه خالد، حيث عني الفيلم بالتركيز على وضع مجموعة من الثوار والمواطنين متبايني الاتجاهات السياسية في مكان واحد، فكتبا الفيلم معا.
وأضاف "المعتقلون جميعهم في السيارة يجدون أنفسهم، كما يقول مخرج الفيلم مضطرين لاكتشاف إنسانية بعضهم البعض، بدلا من القوالب التي اعتادوا أن يروها في بعضهم، بعد أن اضطروا لهذه الصورة القسرية من "التعايش" داخل سيارة الترحيلات".
وأضاف أن "الجميع نصحوه بألا يصنع هذا الفيلم الذي سيغضب الجميع، لتناوله فترة حساسة تشهد انقساما مجتمعيا حادا في طريقة النظر إليها".
وشارك في الفيلم نيللي كريم وطارق عبد العزيز وأحمد مالك وهاني عادل والمخرج محمد دياب وخالد دياب والمنتج محمد حفظي ومعزمسعود الذي تدور حوله الكثير من علامات الاستفهام.