طوابير حجز فيلات "سول" الإماراتية بالساحل الشمالي … من غسيل الأموال لهروب المستثمرين من جحيم اقتصاد العسكر
قبل أيام تداولت وسائل الإعلام المصرية والعربية والعالمية، مشاهد لطوابير طويلة من المصريين أمام شركة إعمار الإماراتية بالساحل الشمالي، لحجز المرحلة الأولى من الفيلات التي تقيمها شركة إعمار الإماراتية بالقرب من العلمين وعلى بعد نحو7 كلم من موقع محطة الضبعة النووية ، وسط أنباء عن بلوغ أسعار الفيلات نحو 115 مليون جنيه، وهي أسعار كبيرة وصادمة لملايين المصريين الذين يعانون الفقر.
وجاء استغلال الحكومة للمشهد بالترويج الكاذب لفكرة أن المصريين أغنياء ولديهم أموال كثيرة، وأن نغمة الفقر والفقراء تبدو كاذبة ومشكوك فيها، وهو ما يتماشى مع سياسة النظام للترويج لنفسه رغم الأزمات الاقتصادية الطاحنة.
ووسط الاندهاش الكبير من حجم الإقبال على المشروع الذي تم حجز مرحلته الأولى بالكامل والبالغ عددها 300 فيلا، خلال ساعات.
يوضح شهود عيان ومندوبي شركات تسويق عقاري حضروا عملية الحجز، أن معظم من في الطوابير التي ظهرت عبر وسائل الإعلام، هم من مندوبي شركات التسويق والسماسرة الذين حضروا للحجز بأسماء الشركات أو بعض السماسرة الذين سيبيعون استمارة الحجز بفارق سعر لاحقا، محققين مكاسب مالية.
كما أن بعض الحاضرين كانوا من رجال الأعمال الذين حققت شركاتهم خسائر وواجهوا صعوبات في السوق المصري، فاتجهوا نحو الاستثمار العقاري في المشاريع الإماراتية الأكثر ثقة والأقل مخاطرة من المشاريع المصرية التي غالبا ما تتعثر لاحقا.
ومن بينهم أيضا رجال أعمال فاسدين وتجار مخدرات يريدون غسل أموالهم في شراء فيلات باهظة الثمن ، وفي شركات غير مصرية.
والسبت الماضي ، وبعد ساعات من افتتاح الحجز ، جرى الإقبال الكثيف المثير للتساؤلات حول الاقتصاد المصري.
ويتبع المشروع الذي يحمل اسم "سول – soul" لشركة "إعمار مصر" بالشراكة مع شركة "إيجل هيلز مصر" لإدارة المشروعات، ويملكهما رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، ويعد أحد المستثمرين البارزين في الساحل الشمالي.
وتسببت مشروعات رجل الأعمال الإماراتي في قفزة هائلة بأسعار العقارات والغرف الفندقية في تلك المنطقة، وحولتها إلى بقعة يتحصن فيها الأثرياء خلال إجازة الصيف. لعل هذا أحد الأسباب التي تدفع أصحاب الثراء الفاحش نحو الانجذاب إلى مشروع فيلات الساحل الجديد والذي يضع مزيدا من السياج الخرساني والمجتمعي أيضا حولهم.
كما أن كثيرا من الأشخاص الذين يبحثون عن غطاء لمدخراتهم بعيدا عن أعين الحكومة يتجهون إلى الاستثمار العقاري عبر شراء وحدات عديدة بمشروعات مختلفة وبأسماء مختلفة أيضا لأشخاص يثقون بهم، في مقابل نسبة يحصلون عليها، وبعد ذلك يقومون بنقل ملكيتها إلى صاحب رأس المال ، ولعل ضعف قدرة الحكومة على التعرف على كشوف بيان عملاء شركات العقارات تحديدا الخليجية أو الأجنبية بوجه عام يدفع كثيرا من رجال الأعمال الذين تحوم حولهم شكوك عديدة للاختباء بها تحت مسمى الاستثمار العقاري.
ويستحوذ المصريون العاملون في الخارج على جزء بسيط ممن يقفون في طوابير حجز الفيلات، بالإضافة إلى المستثمرين العرب تحديدا من الدول الخليجية التي تتوسع في استثماراتها بمنطقة العلمين، والذين ينجذبون إلى مشروع "سول" وغيره من المشروعات الحديثة هناك اعتمادا على سمعة الشركات العقارية الخليجية التي تقوم عليها، أو لأن أسعارها تبقى زهيدة مقارنة بأسعار العقارات في دول عربية وأوروبية أخرى، مع الانخفاض المستمر في قيمة الجنيه.
وبإلقاء نظرة عامة على طبيعة من حضروا إلى مشروع الفيلات الجديد تبقى هناك جملة من المؤشرات التي توافق عليها العاملون في مجال التسويق العقاري، إذ أن هناك تصاعدا قويا في معدلات أصحاب الثراء الفاحش في مصر، والذين لديهم القدرة الشرائية وينجذبون إلى مثل هذه المشروعات التي تتماشى مع رغبات الترقي الاجتماعي لفاحشي الثراء.
وهناك مصلحة مشتركة بين الحكومة المصرية التي تدعم تحويل الساحل الشمالي إلى بقعة سياحية جديدة على ساحل البحر المتوسط، أسوة بالقرى والمنتجعات الشهيرة على البحر الأحمر، وبين رجال الأعمال من دول الخليج، تدفع باتجاه الزيادة المضطربة في أسعار الفيلات والوحدات الترفيهية، بما يدعم تحويلها إلى مناطق يظهر عليها الطابع الفخم الذي يجذب السياح، لتعويض المناظر الطبيعية ومناطق الغوص الشهيرة في البحر الأحمر.
ويشير تقرير دولي صادر في شهر مايو الماضي، عن شركة "هينلي آند بارتنرز" حول الثروات في إفريقيا، إلى وجود 17 ألف مصري يمتلكون أكثر من مليون دولار، واحتلت مصر كأغنى دولة في القارة السمراء من حيث ثروة الأفراد بمبلغ 307 مليارات دولار، بعد جنوب إفريقيا التي يبلغ حجم الثروات بها 651 مليار دولار.
وبحسب التقرير فإن عدد المصريين الذين يمتلكون أكثر من 10 ملايين دولار يبلغ 880 شخصا، في حين لا يزيد عدد من يملكون أكثر من 100 مليون دولار على 57 شخصا، أما من تقدر ثرواتهم بأكثر من مليار دولار فعددهم 7 أشخاص من إجمالي 21 مليارديرا في القارة.
لكن في المقابل فإن معدلات الفقر في مصر 29.7%، وفق آخر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء الحكومي، ما يعبر عن فجوة طبقية قد يكون لديها تأثيرات سلبية على تماسك المجتمع.
ووظفت كثير من وسائل الإعلام المحلية التزاحم على مشروع بيع الفيلات الجديدة باعتباره مؤشرا على امتلاك المواطنين العاديين مدخرات بملايين الجنيهات وباعتباره مؤشرا على تحسن أوضاعهم الاقتصادية، وهو ما انعكس على نشر العديد من الأرقام المتضاربة بشأن أسعار الفيلات والوحدات السكنية، والتي لم تتجاوز قيمة مرحلتها الأولى 42 مليون جنيه في حين جرى تسليط الضوء على أن سعر الفيلا وصل إلى 118 مليون جنيه.
ووفق تقديرات استراتيجية، فان تعداد المصريين الذي يتخطى 100 مليون مواطن تتفاوت فيه طبيعة الدخل، إلى جانب الفجوة الكبيرة في توزيع الثروات والتي تتيح لنسبة لا تتجاوز 10% من المجتمع المصري الاستحواذ على ثلث الثروات تقريبا، ومن الطبيعي أن يبقى هناك تهافت على تخزين المدخرات في الاستثمار العقاري الذي يعد وسيلة آمنة للحفاظ على الأموال وزيادة قيمتها، بل مضاعفتها خلال فترة وجيزة.
كما أن الحكومة تسير باتجاه بث الحياة في قرى ومنتجعات الساحل الشمالي طوال العام وتؤسس لمدينة العلمين الجديدة لتكون بمثابة عاصمة ثانية، إلى جانب العاصمة الإدارية الجديدة ، ويثير ذلك اهتمامات المطورين العقاريين، إلى جانب أن فترات التقسيط الطويلة التي تصل إلى عشر سنوات في بعض الأحيان تتماشى مع فئات عديدة لديها القدرة على دفع ملايين الجنيهات على فترات متباعدة.
وأيضا الحكومة تبقى مستفيدة من هذه المشروعات لأنها لا تجد صعوبة في تحصيل الضرائب منها، كما أنها تستفيد من الحفلات والفعاليات الدعائية التي تنظمها، وفي تلك الحالة يصعب التلاعب لأن الأرقام تكون معلنة، غير أنها مطالبة في الوقت ذاته بأن تدرس أسباب اتجاه رجال الأعمال للاستثمار في العقارات الترفيهية دون الاتجاه إلى مشروعات أخرى تكون أكثر فائدة للمجتمع.
وكانت الشركة الإماراتية أثارت قبل أيام أزمة بيئية بقرى الساحل الشمالي التي تمتلكها، إذ تعرضت قرية "مراسي" على البحر المتوسط للنحر بسبب إنشاء الشركة مرسى عملاقا ليخوت الأثرياء، ما تسبب في منع حركة الأمواج والرمال المتجهة من الغرب للشرق.
وقررت وزارة البيئة تحت ضغوط شعبية وإعلامية عديدة وقف كافة أعمال التكريك وأخذ التعهدات اللازمة بعدم استئناف أي أعمال جديدة، ومغادرة الكراكة للموقع، وفك المعدات المتصلة بها، حسب بيان الوزارة الصادر في 23 يوليو الماضي، لا سيما مع وجود عكارة في مياه البحر بالمنطقة الشاطئية المجاورة للقرية.
ولا يستبعد الكثير من المتابعين أن يكون توقيت الإعلان عن المشروع الجديد للشركة هدفه التغطية على الأزمة التي أثارتها وحظيت بردود أفعال غاضبة واصطدمت فيها برد فعل قوي من الحكومة المصرية التي سبق أن دخلت معها في أزمة سابقة تعلقت بتنفيذ مشروع العاصمة الإدارية وانتهت باستبعادها من إدارته.
ويبقى الكثير من التساؤلات حول الفقر والفقراء في مصر ودور حكومة السيسي وسياساتها المبنية على الأغنياء فقط ، لتجلد ظهر الفقراء والضعفاء الذين لا يجدون قوت يومهم.