من دروس الانقلاب .. أسباب عداء العلمانيين للديمقراطية وعدم احترام إرادة الشعب

- ‎فيتقارير

حتى اليوم لا نعرف على وجه التحديد أسباب العداء السافر من جانب العلمانيين للرئيس الشهيد محمد مرسي ونظامه المنتخب بإرادة الشعب الحرة؛ فقد كان القوم ينعمون بكل ما كانوا يحلمون به على مدار العقود الماضية؛  حرية كاملة، مجتمع مدني قوي، إعلام متنوع يعبر عن كافة أطياف  المجتمع بل معظمه كان في حالة عداء مع السلطة المنتخبة،  انتخابات نزيهة، الكل يحتكم إلى الشعب عبر صناديق الاقتراع بعدما تم غل يد الأجهزة الأمنية عن التدخل في الشأن السياسي، كانت لهم كتل نيابية معتبرة في البرلمان المنتخب بإرادة الشعب لأول مرة في تاريخ البلاد، ورغم ذلك باركوا حل هذا المجلس بعد شهور من انتخابه لأن أغلبيته من الإسلاميين، لم يكن هناك معتقل سياسي واحد في السجون بعدما تم تبييضها من السياسيين بعد الثورة بشهور في عهد المجلس العسكري.  فماذا كانوا يريدون بالضبط؟  كانوا يريدون السلطة؟

لا ضير، هذا حقهم  كما هو حق كل حزب سياسي في البلاد؛ لكن ذلك لا يتم إلا بالأدوات الديمقراطية وفق آليات الدستور  مثل كل البلاد الديمقراطية المحترمة؟ فقد شاركوا في انتخابات الرئاسة ولم يوفقوا، والانتخابات البرلمانية كانت على الأبواب ؛ وهذا باب عظيم للتغيير بأدوات شرعية لو كانوا صادقين؛  لا سيما وأن صلاحيات رئيس الحكومة وفق دستور 2012 ــ الذي شاركوا في إعداده والتصويت عليه قبل انسحابهم المفتعل بعد التوافق على أكثر من 90% من مواده ــ  كانت تكافئ تماما صلاحيات رئيس الجمهورية.

فلماذا فضلوا نسف المسار الديمقراطي الوليد بعد الثورة؟ ولماذا تحالفوا مع أركان الدولة العميقة ضد النظام المنتخب بإرادة الشعب الحرة؟ ولماذا طالبوا بانتخابات رئاسة مبكرة رغم أن الرئيس لم يمض على انتخابه سوى شهور والرجل لم يفعل شيئا يستوجب إعادة الاستفتاء عليه؛ لأن ذلك لو حدث لكان سابقة تنسف أسس النظام الديمقراطي؛ لأنه سيمنح كل فصيل هذا الحق لاحقا بما يعني عدم إكمال أي رئيس للبلاد مدته الدستورية؟ ولماذا حرضوا وباركوا ذبح الإسلاميين وهم الذين كانوا قبل أسابيع يطالبون الرئيس المنتخب بالتوافق وعدم إقصاء أحد رغم أنه لم يقص أحدا بل الشعب هو من يفوض ويمنح الثقة لمن يشاء وهو من يحدد الوزن النسبي لكل حزب   أو تيار سياسي عبر الانتخابات الحرة النزيهة؟ فلماذا فضلوا القفز على السلطة على ظهور الدبابات بدلا من التنافس السياسي الشريف والاحتكام إلى الشعب في الانتخابات البرلمانية؟ واخيرا كيف كان أداؤهم عندما قفزوا إلى السلطة بعد الانقلاب العسكري؟ هل كانوا ديمقراطيين حقا أم كانوا غلاة في تطرفهم وعنصريتهم وطغيانهم؟ وكيف قوضوا كل معنى للديمقراطية والإنسانية والتداول السلمي للسلطة؟ وكيف فشلت حكومتهم (حكومة الدكتور حازم الببلاوي)  في كافة قطاعات الدولية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية رغم الدعم المالي الخليجي المفتوح والصلاحيات الواسعة التي منحت لها بتفويض من المؤقت عدلي منصور؟

قد يكون السبب إحباطهم من الفوز بثقة الشعب في ظل الشعبية الكاسحة للإسلاميين من جهة وتبني العلمانيين خطابا سياسيا متصادما مع المجتمع والأفكار والمعتقدات الإسلامية الثابتة والمستقرة والمتجذرة في ضمير ووجدان الشعب المصري، وقد يكون السبب غلوا في العلمانية ورفضا منهم للإسلام ذاته كمرجعية ومسعاهم نحو إزاحته من التأثير في المجتمع وتوجيه الحياة وفق تعاليمه ومبادئه وأحكامه. وقد يكون كبرا من جانبهم فهم ينظرون إلى أنفسهم نظرة تقديس واستعلاء على الآخرين؛ ويرون أنهم أحق بقيادة البلاد دون انتظار تفويض من الجماهير اللاعقلانية على حد وصفهم. فهم يريدون فرض وصايتهم على المجتمع لكن ذلك يستحيل في ظل النظام الديمقراطي لعدم اقتناع الرأي العام بالخطاب العلماني؛ لذلك يتحالفون مع العسكر من أجل إقامة نظام استبدادي يكون لهم فيه فرصة التأثير والهيمنة وفرض العلمانية كأسلوب حياة وتوجيه في المجتمع حتى لو تصادمت العلمانية مع معتقدات الغالبية الساحقة من الشعب. فالمهم عندهم هو الفوز بالفتات على مائدة العسكر ، وتولي المناصب الحساسة في مفاصل الدولة ليكون لهم دور وتأثير في توجيه المجتمع لفرض العلمانية بأدوات البطش والإكراه.

الحقيقة المؤلمة التي انتهت إليها تجربة الثورة والانقلاب أن القوى العلمانية ــ في غالبيتها ـ والتي تتشدق كثيرا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان خلال سنوات ما قبل الثورة  كشفت عن عدائها السافر للديمقراطية  والتداول السلمي للسلطة عمليا، وعندما جاءت نتائج الديمقراطية لصالح خصومها من الإسلاميين كفرت بها ولم تسلم مطلقا بنتائجها، ولم يروا الشعب أهلا لهذه الديمقراطية لأنه لم ينتخبهم. والعجيب أنهم كشفوا عن عنصرية متجذرة في نفوسهم  وبغضا عظيما للمخالفين لهم على نحو صادم؛ وهو ما ينسف أي دعاوى عن قبولهم بالتعايش المشترك والقبول بالآخر؛ فهي مجرد لافتات وشعارات يسترزقون بها ويتجملون بها أمام العالم الخارجي. يبرهن على ذلك تحريضهم على المؤسسات المنتخبة بإرادة الشعب الحرة، والتحالف مع الدولة العميقة لتقويض التجربة الديمقراطية، ثم التحريض على ذبح الإسلاميين بعد الانقلاب ومباركة هذه المذابح والبحث عن تبرير لها ، واعتبار المتورطين في هذه الدماء من ضباط الجيش والشرطة أبطالا يستحقون أنواط الشجاعة والوطنية. وهذا سلوك موغل في الكراهية على النحو الذي عاينه العالم مع النازيين والفاشيين والصهاينة. بينما كان الإسلاميون يبذلون دماءهم وحريتهم وأموالهم في سبيل الدفاع عن ثورة يناير وتجربتهم الديمقراطية الوليدة ورئيس الدولة المنتخب بإرادة الشعب  الحرة.

خلاصة التجربة، عسكر مستبدون ، علمانيون يباركون الاستبداد ويعملون على بقائه، وإسلاميون يدافعون عن إرادة الشعب الحرة بكل غال ونفيس. ولا يقبلون الضيم والمذلة رغم بشاعة الثمن المدفوع ومواجهة البطش وحملات الدعاية السوداء التي لا تتوقف يوما.و