كان موقف فضيلة الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، من الانقلاب مخزيا وصادما؛ ذلك لأن شيخ الأزهر لم يلتزم صحيح الإسلام الذي تفرص نصوصه القطعية طاعة ولي الأمر الشرعي، { یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَـٰزَعۡتُمۡ فِی شَیۡءࣲ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِۚ ذَ ٰلِكَ خَیۡرࣱ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِیلًا}.
فضيلة الدكتور أحمد الطيب، في مشاركته في انقلاب 03 يوليو اتبع هواه؛ لأنه بذريعة «أخف الضررين» ضرب بنصوص القرآن والسنة عرض الحائط؛ فالأصل أن يلتزم المرء بالنص ولا يلجأ لسواه إلا إذا كان النص ظنيا إما في ثبوته وإما في دلالاته وإما في كليهما، لكن النصوص التي تأمر بطاعة ولي الآمر قطعية في ثبوتها قطعية في دلالتها؛ فلماذا تجاهلها الدكتور الطيب؟!
خلاصة موقف الطيب من خلال كلمته في مشهد الانقلاب أو تصريحاته اللاحقة أنه اختار «أخف الضررين» حقنا لدماء المسلمين، لينتهي إلى أن مشاركته في مشهد 03 يوليو تعتبر من هذا الجانب «واجبا شرعيا تفرضه علينا الشريعة الإسلامية الغراء»! لكن اللافت في موقف الطيب هو ادعاؤه أن من يطالبون بعزل مرسي هم المصريون كافة دون النظر مطلقا إلى حالة الانقسام الكبرى في الشارع ودون حتى اعتبار للملايين المؤيدين للرئيس. الأمر الذي يمكن تفسيره بأن الطيب كان قد حسم موقفه من الانقلاب على مرسي مبكرا وأنه فقط كان يحتاج إلى إلباس هذا الموقف لباسا شرعيا حتى لو استند إلى تكييف فقهي غير دقيق للمسألة واستدل بقاعدة أخف الضررين دون النظر مطلقا إلى النصوص القطعية في القرآن والسسنة التي تنهى عن الخروج على الحاكم الشرعي.
بهذه المشاركة من جانب الطيب في مشهد الانقلاب يكون شيخ الأزهر قد ناقض كليا أهم الوثائق التي أصدرها الأزهر على الإطلاق خلال العقود الأخيرة، وهي «وثيقة مستقبل مصر» التي أطلقتها المشيخة يوم الإثنين 20 يونيو 2011 م، و «وثيقة الحريات»، التي أطلقتها المشيخة بمشاركة مجموعة من المثقفين المصريين من كافة الأطياف السياسية يوم الأربعاء 11 يناير 2012م. ولم يعد هناك مجال أمام مشيخة الأزهر للتفاخر والتباهي بها بوصفها أهم الوثائق التي أصدرها الأزهر على الإطلاق في ملف السياسة الشرعية وعلاقة الحاكم بالرعية، وهو أحد فروع الفقه التي لم تحظ للأسف بالاهتمام الكافي بسبب خشية الكثير من الفقهاء من بطش الحكام والسلاطين.
فقد أكدت الوثيقتان في بندهما الأول على «دعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة، ويحدد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب؛ بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح». وتؤكد في بندها الثاني «اعتماد النظام الديمقراطي، القائم على الانتخاب الحر المباشر، الذي هو الصيغةَ العصرية لتحقيق مبادئ الشورى الإسلامية، بما يضمنه من تعددية ومن تداول سلمي للسلطة، ومن تحديد للاختصاصات ومراقبة للأداء ومحاسبة للمسئولين أمام ممثلي الشعب، وتوخي منافع الناس ومصالحهم العامة في جميع التشريعات والقرارات، وإدارة شئون الدولة بالقانون والقانون وحده، وملاحقة الفساد وتحقيق الشفافية التامة وحرية الحصول على المعلومات وتداولها».
الانقلاب العسكري بحد ذاته هو عصف بالدستور الذي يمثل العقد الاجتماعي للأمة والذي أقرته قبل ستة شهور فقط في ديسمبر 2012م، بنسبة موافقة بلغت (63,8%)، ونسف للديمقراطية الوليدة من جذورها والتي تأتي بعد قرون من الاستبداد، وعصف لأي معنى للتداول السلمي للسلطة؛ لأن الإطاحة بالرئيس المنتخب بإرادة الشعب الحرة جاءت بأداة غير دستورية وغير ديمقراطية وغير سلمية تقوم على استخدام القوة والعنف المفرط في اغتصاب السلطة وهو ما يناقض ــ كليا ـ الإسلام والدستور.
الأصل ــ كما يعلم شيخ الأزهرـ أن تلتزم هذه المؤسسات المتمردة (الجيش ــ الشرطة ـ القضاء ــ الإعلام) طاعة الرئيس، ولو التزموا بأوامر الله ورسوله ونصوص الدستور والقانون لما كان هناك فتنة من الأساس؛ فقد اتضح جليا أن هذه المؤسسات المتمردة هي سبب الفتنة كلها، وأنها كانت تتواصل مع جهات أجنبية وتلقت منها تمويلا واسعا بلغ مليارات الدولارات؛ من أجل تنفيذ هذا الانقلاب؛ وهو ما يمثل في عرف الشرع والدستور والقانون «خيانة عظمى»، أما ما تسمى بجبهة الإنقاذ وتمرد فقد تبرهن للجميع أنهم أقل شأنا من أن يمثلوا ندا ومنافسا للرئيس، واتضح أنهم كانوا مجرد بيدق من بيادق الانقلاب، كانت الدولة العميقة تحرضهم على التمرد والعصيان وإثارة الفوضى لعرقلة الرئيس تمهيدا للانقلاب عليه، وليمثلوا غطاء مدنيا للمؤامرة.
على هذا الأساس فإن شيخ الأزهر بدلا من التزام الإسلام ونصوص القرآن والسنة التي تأمر بطاعة ولي الأمر، راح ينحاز إلى البغاة الذين ارتكبوا جريمة الخيانة العظمي بدعوى أن ذلك أخف الضررين! فعصى من تجب طاعته (الرئيس الشرعي)، وأطاع من تجب معصيته (زعيم الانقلاب)، رغم أن السيسي ليس من صلاحياته ولا سلطاته عزل الرئيس أو تجميد الدستور أو حل الحكومة والمجالس المنتخبة. فمن أين استمد هذه السلطات؟ بالبلطجة والسلاح. ورغم ذلك وجد شيخ الأزهر في طاعة السيسي وتأييده «أخف الضررين، ومسلكا تفرضه الشريعة الغراء»!
فهل كان الانقلاب فعلا أخف الضررين؟ وهل كان تصحيحا لمسار الثورة كما زعموا أم كان سحقا لكل مكتسباتها؟ وهل تم حقن الدماء فعلا أم سالت أنهارا على يد الانقلابيين؟ وهل تم بالانقلاب حماية المسار الديمقراطي أم سحقه تماما؟ وهل كان مسار 30 يونيو و03 يوليو دفعة نحو الأمام أم مثل ردة أعادت مصر إلى أبشع عهود الظلم والطغيان؟ وهل تحرر القرار الوطني أم عاد أسيرا لمصالح الأجانب كما كان قبل الثورة؟وهل تم القضاء فعلا على حكم الفاشية الدينية الذي شهدت مصر في عهده أزهي عصور الحرية والديمقراطية أم ارتدت إلى عهود السلطوية العسكرية التي فرضت وصايتها على الدولة وأممت الفضاءين السياسي والإعلامي كما فرضت وصايتها على المؤسسات الدينية وعصفت باستقلال القضاء وأعادت أبشع عهود التعذيب والدكتاتورية؟
خلاصة الأمر، أن فضيلة الدكتور الطيب أخرج وثائق عظيمة تتحدث عن الدولة المدنية الديمقراطية وحكم الدستور والتداول السلمي للسلطة وتباهى بذلك أمام وسائل الإعلام واحتفى بهذه الوثائق في مرحلة الثورة، لكنه بتورطه في الانقلاب دهس كل ذلك لينطبق عليه قوله تعالى: { یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفۡعَلُونَ}. فلماذا لا يزال فضيلة الشيخ الطيب حتى اليوم يؤيد البغاة الغاصبين للحكم بما يخالف الإسلام ونصوص وثيقة الأزهر؟! أهو تشبث بالمنصب أم خوف من عواقب الانحياز للحق أم اتباع للهوى؟ فكيف إذا وقف أمام الله؟ بم يرد وبم يجيب وقد عصى من تجب طاعته (الرئيس مرسي)، وأطاع من تجب معصيته (السيسي)؟!