لماذا حظي انقلاب السيسي بدعم دولي وإقليمي؟

- ‎فيتقارير

بعد دور الرئيس الشهيد محمد مرسي في العدوان على غزة في نوفمبر 2012م، وانتصاره للمقاومة وحقها في تحرير بلادها ورد  العدوان الإسرائيلي اتساقا مع القانون الدولي، خرجت تقديرات الموقف الإسرائيلية من هذه الحرب التي استمرت أسبوعا واحدا بخلاصة واحدة هي ضرورة الإطاحة بحكم مرسي والقضاء تماما على ثورة 25يناير ونسف المسار الديمقراطي في مصر والمنطقة، وعودة الجنرالات إلى حكم البلاد من جديد.

وانتهت تقديرات الموقف داخل مؤسسات الاحتلال ومراكز البحث إلى عدة خلاصات، أبرزها أن مصر بعد الثورة وتحت حكم مرسي الذي لا ينتمي إلى المؤسسة العسكرية مختلفة كليا عن مصر ما قبل الثورة، وأن  النفوذ الأمريكي الإسرائيلي في القاهرة بدأ يتلاشى؛ يقول نعوم تشومسكي في مقاله بصحيفة "الجارديان" البريطانية «إن الاختلافات بين مرسى وأوباما أثبتت لأمريكا أن مصر لم تعد منطقة تحت النفوذ الأمريكي أو على الأقل مختلفة عما كانت عليه في عهد مبارك». كما ذكر تشومسكى، أن مرسي الذي لم يكن فردا في المؤسسة العسكرية لم يوافق أن ينطق بجملة اُقترحت عليه من إدارة أوباما وهي "أن مصر وأمريكا سيعملان على إيجاد حلول من أجل توفير أمان دائم وسلام موضوعي لكلا الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي». كان الهدف انتزاع إقرار من مرسي بدولة إسرائيل، لكن رفضه كان كافيا لإقناع واشنطن بموف حلفائها العرب بأن جماعة الإخوان مصدر تهديد لأمن واستقرار المنطقة.

كذلك انتهت خلاصات مراكز البحث العبرية إلى أن دخول الرأي العام المصري كطرف أصيل في معادلة صناعة القرار السياسي ورسم السياسات العليا للدولة لأول مرة منذ سنوات طويلة يمثل خطورة شديدة على الأمن القومي لإسرائيل؛ يقر المحلل تسفي بار إيل، بالتحريض الإسرائيلي المتواصل على الثورة المصرية، لكنه سلط الضوء على أخطر ما في الأمر وهو ارتهان مستقبل العلاقات بين مصر وإسرائيل بمدى التطورات داخل الشارع المصري الذي بات رقما مهما لأول مرة في المعادلة، بينما كانت هذه العلاقات قبل مرسي ترتهن بموقف الولايات المتحدة فحسب. والتوصل إلى نتيجة صادمة مؤداها أن مصر الجديدة بعد الثورة وتحت حكم  الإسلاميين تناصب "إسرائيل" العداء وتضع قيودا صارمة على تحركاتها ضد الفلسطينيين، وتنحاز للمقاومة الفلسطينية انحيازا كليا، والتزام مرسي بكامب ديفيد هو مجرد سلوك تكتيكي. وأن بقاء الإسلاميين في الحكم مصدر تهديد كبير للمشروع الإسرائيلي؛ ويمثل أكبر فرصة للمقاومة الفلسطينية لتعزيز قدرتها القتالية والتسليحية والسياسية، بما يهدد  أي خطط مستقبلية لإسرائيل لإخضاع الفلسطينين وحركات المقاومة. فقد أدى الموقف المصري القوي في دعمه للمقاومة إلى تراجع حاد في قدرة تل أبيب على مواجهة المقاومة واعترفت تقديرات الموقف الإسرائيلية لاحقا أن الظروف التي شنت فيها "إسرائيل" حربها على غزة في 2012 أثناء حكم  مرسي كانت أصعب بكثير من ظروف حربي 2008 في عهد مبارك و2014 في عهد السيسي.

في تفسيره لأسباب الانقلاب وهي متعددة الجوانب والأبعاد والمآرب، يذهب الكاتب الكبير فهمي هويدي إلى أن الانقلاب كان بداية إحياء معسكر (الاعتدال العربي)، وعودة مصر إلى الأحضان الأمريكية الإسرائيلية. ففي مقاله «هل يتجدد إحياء معسكر الاعتدال العربي؟، المنشور بصحيفة الشروق يوم 16 يوليو 2013م، يقول هويدي: «لعلى لست بحاجة لأن أنوه إلى أن المعسكر المذكور ليس حسن السمعة السياسية، لأنه ببساطة يضم الدول الموالية أو الداخلة فى الفلك الأمريكى والإسرائيلى. وتلك المعادية للمقاومة الفلسطينية والمتساهلة فى مسألة الاستقلال الوطنى والمخاصمة لإيران والمستهجنة لفكرة وحدة الأمة العربية». ورغم  إقراره بأن مصر في عهد مرسي لم تغادر هذا المعسكر لأسباب عديدة أبرزها قصر المدة التي قضاها مرسي في الرئاسة، علاوة على القيود المفروضة على مصر بالاتفاقيات السابقة التي أبرمها السادات ومبارك وأبرزها كامب ديفيد، إلا  أنه يشيد بدور مرسي في تجميد الدور المصري في هذا المعسكر وإن لم يغادره لهذه الاعتبارات.

 بموازاة ذلك ــ بحسب هويدي ــ  يثير انتباهنا أن الدول الخليجية المنخرطة فى معسكر الاعتدال، والتى كانت حليفة لمبارك ونظامه، سارعت إلى مد جسورها من النظام الجديد. بعد ساعات قليلة من إعلان عزل الدكتور محمد مرسى. فى حين أن تلك الدول عمدت إلى مقاطعة القاهرة بعد ثورة 25 يناير وتحولت تلك المقاطعة إلى موقف معلن بعد انتخاب الدكتور مرسى. وأذكر أن أحد حكام تلك الدول بعث برسالة إليه بعد انتخابه طالبه فيها بوضع حد للمليونات التى تكرر احتشادها آنذاك فى ميدان التحرير، وقال إنها تشجع الناس فى بلاده على الخروج بدورهم إلى الشوارع ورفع أصوات الاحتجاج والغضب ضد نظامه. لقد تقاطرت تلك الوفود على القاهرة بعد عزل الدكتور مرسى، معبرة عن تأييد النظام الجديد ودعمه. وخلال أيام قليلة قدمت إلى مصر نحو 12 مليار دولار، على الأقل فى التصريحات التى صدرت. تحضرنى فى هذا السياق قصة سمعتها قبل ثلاثة أشهر من أحد المسئولين فى رئاسة الجمهورية، خلاصتها أن السيدة آن باترسون السفيرة الأمريكية نقلت ذات مرة إلى الرئيس المصرى رسالة تضمنت طلبات معينة موجهة من واشنطن، وهى تنقلها ذكرت أن من شأن الاستجابة لتلك الطلبات أن تشجع الدول الخليجية على توجيه بعض استثماراتها إلى مصر لحل أزمتها الاقتصادية، وكانت العبارة التى قيلت فى هذا الصدد إن «مفاتيح خزائن الدول الخليجية بيد واشنطن».

وبعد نجاح الانقلاب، انتهى كبار خبراء مركز أبحاث الأمن القومى الإسرائيلى إلى تقديم مجموعة من التوصيات إلى حكومتهم بشأن ما يجب أن تفعله لدعم الانقلاب . وقد ذكروا فى تقديم تلك التوصيات أن هدف إسرائيل الرئيسى ليس فقط الحفاظ على علاقات سلام مع مصر فى المرحلة المقبلة، بل تعميق تلك العلاقات، لأن المصلحة الإسرائيلية تتطلب تشكيل نظام علمانى ليبرالى ذى فاعلية فى مصر، لا تمنعه قيود أيديولوجية من مواجهة العناصر المتطرفة. ويمضي السيسي في سحق الإسلاميين حتى اليوم في ترجمة حرفية للتوصيات الإسرائيلية.