ليس صحيحا أننا نعانى من تدخل الدين فى السياسة، لأن العكس هو الصحيح فى مصر. ذلك أن المؤسسات الدينية ــ وليس الكنائس وحدها ــ تراجعت قوتها وجرى إضعافها وتهميشها كباقي مكونات المجتمع ومؤسساته التي تعاني من التراجع والجمود. لذلك فإنها (المؤسسات الدينية) تحولت إلى مجرد ديكور فى المشهد السياسى. فتاريخيا، كلما قويت شوكة السلطة المركزية، بحيث بسطت سلطانها على المجتمع وتغولت فيه، ازدادت جرأتها على توظيف الدين لصالحها. وكان ذلك التغول من سمات الدولة المصرية الحديثة التى شرع محمد على باشا والى مصر فى تأسيسها فى بداية القرن التاسع عشر. فقبل ذلك التاريخ، كانت المؤسسة الدينية ممثلة فى الأزهر قوة روحية وسياسية فى الوقت ذاته. إذ كان الأزهر قلعة مقاومة الاحتلال الفرنسى فى ثورتى القاهرة عامى ١٧٩٨ و١٨٠٠. وظل سند المظلومين فى مواجهة عسف أمراء المماليك. وحين استمرت المظالم وزادت الضرائب فى عهد الوالى التركى خورشيد باشا، فإن علماء الأزهر هم من رفعوا شكايتهم إليه، وحين لم ينتصح فإنهم أعلنوا التمرد عليه وقادوا محاصرته فى القلعة إلى أن استسلم. وأرغم الخليفة العثمانى على تولية محمد على حكم مصر وخلع خورشيد باشا. فقام نقيب الأشراف السيد عمر مكرم وشيخ الأزهر عبدالله الشرقاوى بإلباسه خلعة الولاية فى عام ١٨٠٥، بعدما اشترطوا عليه أن يحكم بالعدل وإلا تم عزله. علماء الأزهر آنذاك لم يتصرفوا بحسبانهم وعاظا ولا سلطة دينية، ولكنهم كانوا جزءا من النخبة الوطنية التى تصدت للظلم وانحازت إلى الشعب واستقلاله، فى بواكير الحركة الوطنية المصرية.
لكن محمد على باشا الذى أدرك قوة المؤسسة الدينية لجأ إلى إضعاف الأزهر حين أراد الانفراد بالسلطة. ولجأ فى ذلك إلى التفنن فى السيطرة عليه بوسائل عدة فصَّلتها الدكتورة ماجدة على صالح ربيع فى رسالتها للدكتوراه وكتابها الذى صدر فى عام ١٩٩٢ بعنوان «الدور السياسى للأزهر». رصدت الدراسة السابقة أطوار سيطرة السلطة على الأزهر. التى انتهت بتأميمه وتحويله إلى مؤسسة تتولى «تعبئة الأفراد لتأييد سياسة الحاكم»، وهى العبارة التى ختمت بها الدكتورة ماجدة الفصل الخاص بالقضاء على استقلال الأزهر.
الأمر الآخر أنه في الفكر الإسلامي والتجربة الإسلامية لا توجد "كنيسة" كما لا توجد مؤسسة دينية كهنوتية ، وبالتالي فكرة العلمانية لم تكن مطروحة في السياق الحضاري الإسلامي ، لأن وجه الخطر فيها غير مطروح ، وكان الفقهاء والعلماء لهم حريتهم وفضاؤهم الواسع المباشر مع الناس ، ولهم موقعهم المتباعد عن السلطة ، بل هناك أدبيات كثيرة في التراث الإسلامي تحذر من اقتراب العالم من السلطان ، غير أن ظهور الدولة القومية الحديثة ، أنهى هذه الاستقلالية ، وأنتج في دول العالم الثالث المسلمة ظاهرة المؤسسة الدينية وما يشبه الكهنوت الديني الذي يخضع لسيطرة السلطة وتستخدمه السلطة لتعزيز هيمنتها وقهرها للناس ، وهو الأمر الذي يستوجب اجتهادا جديدا وشجاعا في الفكر الإسلامي ، لرفع الإصر عن الناس ، وتحريرهم من هذا "الكهنوت" الديني المبتدع ، والذي يعوق تطلعات الشعوب للحرية والكرامة والنهوض، وتحرير الإسلام ذاته من تغول السلطة المستبدة التي صنعت المؤسسة الدينية لتكون خادما لها ومبررا لطغيانها وجرائمها ودعما لبقائها في السلطة قهرا واستبدادا.
وبحسب الكاتب الكبير فهمي هويدي فقد أثبتت التجربة فشل فكرة الفصل بين الدين والدولة، ناهيك عن تعذر ذلك الفصل من الناحية العملية، خصوصا فى المجتمعات التى يتجذر فيها الشعور الإيمانى، لذلك فإن التحدى الحقيقى يتمثل فى كيفية صياغة تلك العلاقة بصورة متوازنة تحول دون طغيان كل طرف على الآخر. بحيث لا توظف الدولة الدين لصالحها، ولا تتحكم المؤسسات الدينية فى سياسة الدولة. والصيغة المطروحة للحفاظ على ذلك التوازن تقوم على عنصرين، أولهما التمييز بين الدين والسياسة واحترام حدود كل منهما من ناحية، وثانيهما الالتزام بقيم الديمقراطية والحرية التى تحمى المواطنة وتضمن المشاركة وتقوى حضور المجتمع بمختلف مؤسساته المدنية والدينية، بما يحول دون تغول السلطة واستبدادها.
خلاصة الأمر، أن الفتاوى السياسية من المؤسسة الدينية الرسمية تثير كثيرا من المخاوف على مستقبلها؛ لما لذلك من تأثيرات اجتماعية ضارة؛ وإصرار السلطة على توظيفها لخدمة الحكام له تداعيات خطيرة على التدين عموما، وأن السلطات السياسية والأجهزة المعنية مطالبة برفع يدها عن الأزهر ودار الإفتاء والمؤسسات الدينية الرسمية ، وأن لا ترهقها وترهق القائمين عليها بإجبارهم على دعمها ومساندتها باستمرار للقرار السياسي، فهذا ـ وإن بدا مفيدا لها في المدى القصير ـ فإنه مضر جدا على المدى الطويل ، لأنه يهدر حرمة تلك المؤسسات الدينية وصدقيتها ويضعف القبول بها كمرجعية دينية يتقبلها الناس عند الخلاف، وهو ما جرى بالفعل. بل إن توريط المؤسسة الدينية في الضلال السياسي في حد ذاته يساعد على التطرف والفوضى الدينية لأنه يعطي المبرر لداعش وغيرها بتوظيف الفتوى الدينية واستخداما لإضفاء مشروعية على مواقفها في ظل الفراغ الديني القائم وفقدان الثقة في المؤسسة الدينية وشيوخها الذين كانوا أجلاء قبل الانحياز للسلطة والتورط في ضلال السياسة ودعم الانقلاب الدموي على ثورة مصر في يناير 2011م.
لكن الأكثر خطورة على الإطلاق ما أشار إليه الدكتور سيف عبدالفتاح في دراسته "الزحف غير المقدس" مؤكدا أن «السلطة العسكرية في مساعيها نحو تكريس استبدادها اتجهت نحو "احتكار الدين"، من خلال الانفراد بسلطتي الانتقاء والتأويل، وهو ما يعني أن الدولة – من خلال مؤسساتها الدينية الرسمية- قد مارست سلطة اختيار نصوص دينية معيّنة يتم وضعها في حيز الاهتمام والتركيز. كما أنها أيضاً قد قامت بتأويل النصوص الدينية بالشكل الذي يتناسب مع توجهاتها وأهدافها الكلية». وهو ما يوجب على الغيورين تحرير الإسلام من قبضة السلطة.