مصر في عهد العسكر هي بلد الجائب والغرائب؛ آخر مشاهد المسخرة هو صدور قرار تعسفي بنقل مدير المتحف المصري محمد علي فهمي بعدما كشف "مخالفات جسيمة" على أكثر من مستوى أثرية وفنية ومالية بالمتحف المصري. القصة مثيرة للسخرية والأسى في ذات الوقت؛ ذلك أن حكومة الدكتاتور المنقلب عبدالفتاح السيسي، بدلا من تشكيل لجنة للتحقيق في المخالفات الجسيمة التي كشفها مدير المتحف، أصدرت قرارا بنقله تعسفيا؛ في برهان على أن النظام نفسه هو أكبر مظلة حماية للفساد والمفسدين. الموضوع دفع وكيل لجنة الخطة والموازنة، مصطفى سالم، إلى تقديم طلب إحاطة بشأن الكواليس؛ وأوصت لجنة الثقافة والإعلام والآثار بسرعة تشكيل لجنة من خمسة أعضاء بالإضافة لأحد ممثلي الأجهزة الرقابية للبحث والتقصي وراء هذه المخالفات الجسيمة التي تتعلق بتهريب الآثار والسرقات المتواصلة دون خوف من حساب أو مساءلة.
وقال سالم من جانبه، في تصريحات للمحررين البرلمانيين (الأربعاء 08 يونيو 2022) إنه يتعجب مما يجري، «كيف لمدير المتحف المصري بحكم صلاحياته حين يفطن إلى وجود «فساد حقيقي» يطول الشق الفني والأثري والمالي، فيفاجأ أن هناك قرار نقل تعسفي له بدلًا من مناقشة ما يقوله والتحقق منه، الكل يعلم أن المتحف المصري له قيمة أثرية عالمية، وهو أكبر متحف في العالم، ويضم 150 ألف قطعة أثرية، وأي حديث عن فساد بداخله يجب أن يأخذ على محمل الجد».
ووفقا لموقع "مدى مصر"، رفض سالم الكشف عن تفاصيل المخالفات والمذكرة التي أعدها مدير المتحف المصري بشأنها لعدم التأثير على التحقيقات الجارية بواسطة أجهزة رقابية في الوقت الحالي. وأضاف سالم أن طلب الإحاطة، لاقى اهتمامًا كبيرًا من لجنة الإعلام بـ«النواب»، موضحًا أن تم الاستقرار على التمسك بعدم نقل الأثري محمد علي فهمي، مع الإصرار على وجوده على رأس لجنة من خمسة أفراد، تتمثل في فهمي وأربعة من أساتذة الآثار المتخصصين بالجامعات المصرية، على أن يعاون اللجنة ممثل من إحدى الجهات الرقابية بالدولة.
وأشار سالم إلى عقد الاجتماع في حضور الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، مصطفي وزيري حتى يكون هناك التزام بالتوصيات، مؤكدًا على ضرورة وقف مسلسل التجاوزات بأكبر متاحف العالم، وأن تجرد اللجنة المقترحة عهدة المتحف المصري في حضور مديره، إلى جانب فحص المخالفات المالية والإدارية والقانونية الواردة في مذكرة رسمية، وذلك في أقرب وقت. واختتم وكيل لجنة الخطة والموازنة تصريحاته بقوله: أمهلنا المسؤولين شهرًا فقط من صدور قرار لجنة «الإعلام» اليوم، وسنعود بعدها للجهات الرسمية المختصة في الدولة لإطلاع الرأي العام عما أسفرت عنه نتائج لجنة فحص وتقصي المخالفات بالمتحف المصري.
وكان المستشار أحمد مكي، وزير العدل بحكومة الدكتور هشام قنديل، قد أكد في حواره مع "عربي 21" المنشور بتاريخ 30 مايو 2022، أن مافيا الفساد أكبر مما نتصور، وأن الفساد يعشش في كل ركن بمصر تحت رعاية النظام العسكري وحمايته. ويبرهن مكي على ذلك بكثيرمن الحقائق أبرزها ما جرى مع المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، الذي تم تفصيل قانون خصيصا لعزله ثم التنكيل به والزج به في السجن بتهم كيدية بعدما كشف بالوثائق والمستندات أن حجم الفساد في مصر سنة 2015م بلغ 500 مليار جنيه. كما يبرهن على ذلك بأنه واجه سابقا "حربا شرسة، حينما دعا وسعى إلى تطبيق (قانون تداول المعلومات) الذي جرى إجهاضه ومنعه بشكل متعمد، حتى يتم التستر على الكثير من وقائع الفساد والانتهاكات، في حين أن هذا القانون مهم للغاية لمعرفة الكثير من الأمور الغائبة عن الجميع، وكيف يمكن مناقشة السياسات الراهنة للحكومة، بينما نحن لا نعلم التفاصيل والمعلومات في ضوء انعدام الشفافية المطلوبة". ويوضح مكي أنهم اكتشفوا لاحقا أنه "تكاد تكون كل الأجهزة في الدولة مُلوثة وكلها مستفيدة من الفساد، وأكاد أشك أنه لا يوجد أحد تولى موقع مسؤولية في الدولة المصرية، إلا وقد حصل على أموال لنفسه"، منوها إلى أنه "لا أحد يمكنه التصدي لملف الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، لأنه كان بتواطؤ ورعاية رسمية بصورة أو بأخرى". ينتهي مكي في حواره إلى التأكيد على أن هناك "لوبي فساد متوحش داخل الدولة العميقة، يحول دون استرداد الأموال المنهوبة، وربما يكون هذا اللوبي أقوى من الدولة نفسها.. والسلطة المصرية نهيبة (حرامية) بالمعنى الحرفي للكلمة"، متابعا: "لو بحثنا في بنوك سويسرا أو بريطانيا، وغيرهما، فسنجد أسماء لم نكن نتخيل مطلقا أن يكون لها أموال في هذه البنوك، سواء منذ أيام مبارك أو بعده".
ويكشف مكي أن "المستشار جنينة طلب الاطلاع على حسابات الشرطة، واتضح له حصول الكثير من المخالفات الخطيرة، التي من بينها حصول ضباط الشرطة على أموال بملايين الجنيهات، دون أن تكون هناك أي إيصالات أو مستندات رسمية بذلك، بالإضافة إلى حصول بعضهم على آلاف الأفدنة في أراضي الحزام الأخضر حول مدينة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، بينما لم تحدث أي تحقيقات جادة فيها حتى ماتت هذه القضية وغيرها". مضيفا أن "المستشار جنينة كان قد بدأ يدقق في حسابات الوزارات المختلفة، وتحديدا في تصرفات جهاز بيع الأراضي، وبدأ يشير إلى أن هناك ملايين كثيرة تم إهدارها، وحديثه عن حجم الفساد هو الذي أدى في النهاية إلى عزله من منصبه ثم سجنه لاحقا".
وكان الدكتاتور عبدالفتاح السيسي قد أقال المستشار هشام جنينه من منصبه كرئيس للجهاز المركزي للمحاسبات يوم الإثنين 28 مارس 2016م، وتكليف نائبه المستشار هشام بدوي، رئيس نيابات أمن الدولة العليا خلفا له. ويعد الجهاز المركزي للمحاسبات هو الجهاز الرقابي الأبرز في مصر، حيث يختص بالرقابة على مجمل الأموال العامة وأموال الشخصيات العامة. وتعد واقعة إعفاء المستشار هشام جنينة من منصبه هي الأولى من نوعها منذ تأسيس الجهاز المركزي للمحاسبات في عام 1964. ويتبع الجهاز المركزي للمحاسبات -الذي يراقب مالية المؤسسات والهيئات الحكومية- رئاسة الجمهورية مباشرة، رغم أنه من المفترض أن يراقب الأوضاع المالية لمؤسسة الرئاسة نفسها.
في أعقاب إقالة المستشار هشام جنينة من منصبه كرئيس للجهاز المركزي للمحاسبات، على خلفية تصريحاته بأن حجم الفساد في مصر بلغ "600" مليار جنيه، الأمر الذي استفز الدكتاتور عبدالفتاح السيسي؛ لكنه بدلا من ملاحقة الفاسدين، راح ينكل برئيس الجهاز المركزي للمحاسبات حتى أقاله ثم زج به في السجن لاحقا. وقتها علق الكاتب الكبير فهمي هويدي على ذلك بقوله: «رئيس جهاز المحاسبات حين قام بواجبه وكشف عن الفساد فى أجهزة الدولة المصرية فإن اللوم وجه إليه وليس إلى المفسدين. ومن ثم أصبح هو المتهم والمدان وليس غيره، ولذلك فإنه أحيل إلى التحقيق وتحمل التنديد والتشهير، أما الذين نسبت إليهم وقائع الفساد فلم نعرف أن أحدا منهم مسه سوء».