على عكس دول العالم، سواء المتقدمة أو المتخلفة أو النامية، تتفرغ الأجهزة الأمنية والأجهزة الاستخباراتية لمهام حماية الأمن القومي للبلاد، والزود عن الوطن ومواجهة التحديات والمخاطر التي تتهدد كيان الدولة ومصيرها.
وهو ما باتت تفقده مصر تماما ، مع الانقلاب العسكري الذي حول تلك المؤسسات الاستراتيجية من حماية الوطن والدولة إلى حماية الحاكم والنظام القائم فقط، بغض النظر عن الشعب وكيان الدولة، وفي مقايضة بخسة، قدم السيسي أموال مصر وممتلكاتها لقمة سائغة للأجهزة الأمنية ، سواء الأمن الوطني أو المخابرات أو الجيش.
في مقابل حمايته والإبقاء عليه في منصبه ، حتى لو تكلف ذلك إهدار دور مصر ومكانتها ومقدراتها، وحتى لو وصل الأمر إلى مصدر حياة المصريين، النيل الذي تحوله أثيوبيا لترعة صغيرة، وسط تعنت غير مسبوق إزاء حقوق مصر ومطالبها، التي باتت تأتي في درجة متأخرة بالنسبة للسيسي الذي لا يريد أية حلول عسكرية مستحقة في الخارج ليتفرغ للداخل وإسكاته، حتى لو شرب المصريون من مياه الصرف الصحي أو مياه البحر، وهي المشاريع التي يتوسع بها السيسي وتقوم بها الشركات التابعة للمخابرات والأجهزة الأمنية.
وكان ملحوظا خلال الأيام الماضية ، تسريع أثيوبيا في إنشاءات سد النهضة والاستعداد الفني للملء الثالث والرابع وسط تخاذل مصري والاكتفاء بالبكاء على أعتاب أمريكا وإسرائيل والإمارات.
وعلى الرغم من التراخي المصري بزمن الانقلاب في مواجهة أثيوبيا، تسارعت وتيرة الاستحواذ المالي والاقتصادي من قبل المخابرات والأجهزة الأمنية على حصص مصر من تاشيرات الحج لهذا العام، والبالغة 35 ألفا ، حيث جرى خصم 15 ألف تأشيرة لصالح 4 شركات فقط، تابعين للمخابرات العامة والأمن الوطني، كلاكي تورز والشمس ، فيما يتبقى 20 ألف تأشيرة للوزارات وباقي الشركات العاملة بالمجال ، ما يرفع أسعار الحج وتكاليفه على المصريين، وليحقق الضباط أرباحا مهولة.
ومن ناحية ثانية، سرعت المخابرات والأجهزة السيادية من استحواذها على كبريات المؤسسات الصحفية المصرية، والتي تمتلك أصولا عقارية فاخرة في أماكن مهمة وتجارية، من أجل تحقيق مكاسب مالية للمخابرات والأجهزة، مع تكميم للأفواه والسيطرة على الصحافة والحريات المتآكلة بمصر.
نقل ملكية المؤسسات الصحفية
وخلال الأيام القليلة الماضية، تقرر نقل ملكية أصول ثلاث من أكبر المؤسسات الصحفية القومية إلى إحدى الجهات السيادية بناء على توجيهات مباشرة من السيسي لرئيس الحكومة مصطفى مدبولي، في إطار مخطط استحواذ "المتحدة للخدمات الإعلامية" المظلة الاستثمارية التابعة مباشرة للمخابرات العامة، على أصول كل المؤسسات الصحفية والإعلامية المملوكة للدولة تدريجيا.
وتعد موافقة الهيئة الوطنية للصحافة على البدء بالإجراءات المتعلقة باستثمار عدد من "الأصول غير المستغلة" المملوكة لمؤسسات الأهرام ودار التحرير وروز اليوسف تمثل إشارة البدء بتنفيذ مخطط نقل ملكية أصول المؤسسات الصحفية الحكومية إلى "المتحدة للخدمات الإعلامية" في مدة أقصاها 5 سنوات تحت ذريعة تراكم الديون عليها لصالح هيئة التأمينات الاجتماعية ومصلحة الضرائب، وتجاوز قيمتها نحو 7 مليارات جنيه.
تمتلك المؤسسات الصحافية الثلاث أصولا ضخمة في عدد من المناطق الهامة والأعلى سعرا في مصر، لا سيما مؤسسة الأهرام الأكبر في البلاد، على غرار مبان وأراض منتشرة في أحياء قصر النيل وغاردن سيتي والمعادي والتجمع الخامس في العاصمة القاهرة، إلى جانب محافظات أخرى، أهمها الإسكندرية والبحر الأحمر وجنوب سيناء، ومجموعة كبيرة من الشاليهات في قرى سياحية على طريق الساحل الشمالي.
هيكلة الصحف
ومخطط الاستحواذ يشمل أيضا إعادة هيكلة الصحف القومية، عبر دمج إصداراتها ووقف العديد منها، بحجة تقليل حجم الخسائر، ما ظهر واضحا في قرار الهيئة الوطنية للصحافة، الخميس، دمج مجلتي الكواكب وطبيبك الخاص في مجلة حواء الصادرة عن مؤسسة دار الهلال الصحفية، وإنشاء موقع إلكتروني خاص لكل إصدار، اعتبارا من أول يونيو المقبل.
وتسبب قرار إلغاء صدور مجلة الكواكب في حالة من الغضب بين الإعلاميين والصحفيين والأوساط الفنية والثقافية، والتي ظلت تصدر أسبوعيا منذ 28 مارس1932، فضلا عن مجلة طبيبك الخاص الطبية الشهرية المتخصصة التي صدر العدد الأول منها في يناير 1969.
وتتوالى قرارات الاستخواذ والتصفية للصحف والمؤسسات الصحفية، ضمن سياسة واسعة للنظام، الذي يرغب في تسليم ملف الإعلام الحكومي برمته إلى الشركة التابعة للمخابرات، بعدما استحوذت على الغالبية الكاسحة من الصحف والمواقع الإخبارية والقنوات الفضائية الخاصة، تمهيدا لطرح جزء من أسهمها للاكتتاب العام في البورصة المصرية، ثم نقل الأعباء المالية للمؤسسات الإعلامية المتأزمة إلى أطراف جديدة، يرجح أن تكون إماراتية.
أوضاع الصحفيين الصعبة
وبات الصحفيون في مصر يعانون من أوضاع معيشية صعبة، في ظل حالة التضييق التي تفرضها السلطات على عملهم، وإغلاق وحجب المئات من المواقع الإلكترونية والإخبارية التي يعملون فيها، علاوة على تسريح كثير من العاملين في الصحف والقنوات الفضائية المملوكة للمخابرات، بحجة توجيه انتقادات لسياسات السيسي على صفحاتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي.
وقبل دمج "الكواكب" و"طبيبك الخاص" في مجلة حواء، أسندت الهيئة الوطنية للصحافة رئاسة تحرير المجلات الثلاث إلى الصحفية سمر الدسوقي.
وتنطلق عقلية العسكر القمعية في تأميم الإعلام وكبت الحريات من أجل تسكين الحياة السياسية وتأميم الرأي وحرية التعبير، وهو ما تكشف عنه أعداد المواقع المحجوبة في الفترة الأخيرة، والتي تشمل 116 موقعا صحفيا وإعلاميا، و349 موقعا يُقدم خدمات تجاوز حجب المواقع Proxy وVPN، و15 موقعا يتناول قضايا حقوق الإنسان، و11 موقعا ثقافيا و17 موقعا يُقدم أدوات للتواصل والدردشة، و27 موقع نقد سياسي و8 مدونات ومواقع استضافة مدونات، و12 موقعا لمشاركة الوسائط المتعددة، بالإضافة إلى عدد آخر من المواقع المتنوعة.
تهدف خطة "تطوير الإعلام"، كما يسميها النظام في مصر، إلى ترسيخ مفهوم الإعلام القومي للدولة الذي يقلص بدوره حرية الرأي والتعبير، ويعزز تحكم أجهزة الدولة الأمنية في السياسة الإعلامية طبقا لأهواء السلطة الحاكمة، مع الاستغناء عن الآلاف من العاملين في المؤسسات الصحفية والإعلامية الحكومية ضمن مخطط ترشيد النفقات، وإلغاء بعض الصحف الورقية، وتحويلها إلى إصدارات إلكترونية.
ففي 4 يوليو 2021، أعلنت الهيئة الوطنية للصحافة إيقاف صدور صحيفة الأهرام المسائي اليومية التابعة لمؤسسة الأهرام، وصحيفة الأخبار المسائي اليومية التابعة لمؤسسة أخبار اليوم، وصحيفة المساء اليومية التابعة لمؤسسة دار التحرير، وتحويلها إلى إصدارات إلكترونية، بحجة توفير نفقات الطباعة، ما تسبب في ضياع أموال الإعلانات التي كانت تنشرها الصحف الثلاث يوميا، وتزيد بطبيعة الحال على كلفة طباعتها.
يُذكر أن "المتحدة للخدمات الإعلامية" تستحوذ على صحف رئيسية، مثل اليوم السابع والوطن والدستور والأسبوع ومبتدأ وأموال الغد ودوت مصر وصوت الأمة، بالإضافة إلى مجموعة قنوات دي إم سي والحياة وسي بي سي وإكسترا نيوز والمحور والناس وأون وتايم سبورتس والنادي الأهلي ونادي الزمالك، وبرامج القناة الأولى والفضائية المصرية المذاعة على التلفزيون الرسمي، كما تستحوذ على محطات راديو، هي شبكة راديو النيل، وميغا إف إم، ونغم إف إم، وشعبي إف إم، وراديو هيتس، وراديو 9090، وشركة بريزنتيشن سبورتس المحتكرة للأنشطة الرياضية الكبرى، وشركة استادات التي تتولى ملف تطوير منظومة الملاعب المصرية، وشركة بي أو دي الوكيل الإعلاني الحصري لكل الوسائل الإعلامية الخاصة بها.
وتلك الاستحواذات الكبيرة تعصف بحرية الرأي والعمل الصحفي، وتحويل الوسائل الاعلامية إلى مجرد بوق يسبح بحمد الحاكم، كما أن السيطرة على الأصول المهمة لتلك المؤسسات، ستكون السبيل الأيسر للسيسي لتمريرها للإماراتيين ومن خلفهم الصهاينة، الذين باتوا في قلب القاهرة وسيناء والمنتجعات والمناطق الصناعية والتجارية.
معالجة الصرف الصحي
فيما مصالح الوطن ومقدرات الدولة تأتي لاحقا، ويمكن البحث عن بدائل لتحقيقها، كمعالجة مياه الصرف الصحي ليشربها المصريون ويروون زرعهم منها، لتنعم أثيوبيا بالنيل وينعم الجيش والمخابرات والأجهزة الأمنية بالراحة والسكينة والمعيشة الفارهة وسط أصولهم وقصورهم وأموالهم وتأشيرات الحج والعمرة ومنتجات الصوب الزراعية وبيع اللحوم والألبان والتجارة والرفاهية ، وليذهب المصريون إلى أي مكان آخر.