من الحرب الروسية إلى أزمة القمح.. سيناريوهات المنقلب السفيه لحرمان المصريين من “رغيف العيش”

- ‎فيتقارير

رغم أن حكومة الانقلاب تزعم أن لديها رصيدا آمنا من القمح يكفي لتوفير الخبز للشعب المصري لمدة 4 أشهر ، ورغم أنها قررت إجبار الفلاحين على توريد محصول القمح بالكامل في الموسم الجديد الذي يبدأ خلال أبريل الماضي ويستمر حتى أغسطس المقبل، إلا أنها في المقابل قررت من خلال وزارة تموين الانقلاب تخفيض حصص المخابز البلدية من الدقيق بنسبة 10% خلال شهر رمضان بزعم أن المصريين لا يحتاجون للخبز خلال الصيام مثل بقية شهور السنة.

كانت أسعار القمح والدقيق ارتفعت في الأسواق المصرية مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية؛ بحجة أن مصر تستورد أكثر من 80% من احتياجاتها من القمح من روسيا بنسبة 50% وأوكرانيا بنسبة 30% وأن واردات القمح توقفت بمجرد اندلاع الحرب، كما ارتفعت أسعار الشحن والنقل رغم أن تقارير اقتصادية كشفت أن واردات القمح تزايدت خلال شهر مارس الماضي من روسيا إلى مصر بصورة أكبر مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي 2021 .

بالتزامن مع هذه الأحداث أعلنت وزارة تموين الانقلاب أنها تدرس 3 سيناريوهات لرفع سعر رغيف الخبز منها تقليص الحصة المخصصة لكل فرد أو تقديم دعم عيني للفئات الأكثر فقرا فقط والتي لا يزيد عددها عن 20 مليونا وفق بيانات حكومة الانقلاب مقارنة بأكثر من 76 مليونا يحصلون على رغيف الخبز المدعم في الوقت الحاضر ، رغم أن بيانات البنك الدولي تؤكد أن أكثر من 60 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر .

هذه الأحداث تكشف أن حكومة الانقلاب تتلاعب بالمصريين وتعمل على إلغاء الدعم خضوعا لإملاءات صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على قروض جديدة لتوريط البلاد في مزيد من الديون الخارجية ، والتي يتوقع أن تقفز إلى 200 مليار دولار بنهاية العام الجاري ، كما تكشف أن الحرب الروسية الأوكرانية لم تؤثر على واردات القمح مثلما تزعم حكومة الانقلاب ، ولكنها تعمل على استغلال هذه الفرصة لإلغاء الدعم ورفع الأسعار وتنغيص حياة المصريين .

 

المخزون الإستراتيجي

حول أزمة القمح وانعكاساتها على رغيف الخبز قال الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، إن "مصر تستورد ١٢ مليون طن قمح سنويا لسد الاحتياجات الداخلية وكان يتم استيراد ٦٠٪ من روسيا و٢٠٪ من أوكرانيا بمجموع يصل إلى ٩ ملايين طن قمح سنويا، موضحا أنه بعد اندلاع الحرب خرجت أوكرانيا من معادلة توريد القمح على مستوى السوق العالمي بشكل عام، وهذا الأمر ربما يتكرر في المستقبل القريب بالنسبة لروسيا بعد حظر جزء من موانيها، فضلا عن رغبتها بعد ذلك في الحفاظ على إنتاجها تحسبا لظروف الحرب".

وتوقع صيام في تصريحات صحفية أن يكون لهذه الحرب تأثير على سعر القمح عالميا بسبب قلة المعروض في السوق العالمي ما يؤدي إلى ارتفاع السعر، فضلا عن انخفاض المخزون الإستراتيجي في الدول المستوردة للقمح ومن بينها مصر، بالإضافة لفروق سعرية كبيرة ستتحملها الدول المستوردة للقمح نتيجة عقد صفقات مع دول بديلة لكل من روسيا وأوكرانيا ، ولكن في هذه الحالة البدائل الموردة للقمح كلها عالية السعر بشكل يصل أحيانا لارتفاع ١٠٠٪، ومن الدول البديلة أمريكا وكندا وأستراليا ورومانيا.

وأشار إلى تأثيرات أخرى ربما تضخم من حجم الأزمة منها تبعات جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي مع ارتفاع أسعار النفط على مستوى العالم، ما أثر على سلاسل الإمداد، ومنها كل المنتجات التي تعتمد على القمح سترتفع أسعارها بشكل كبير على مستوى العالم وكذلك مصر .

 

الاكتفاء الذاتي

وأوضح صيام أن مصر تزرع الآن 3٫5 مليون فدان قمح، في حين كانت تزرع في السبعينيات مليون فدان فقط، لكن مع الزيادة السكانية الكثيفة تضاعفت المساحة مرتين ورغم ذلك لم نحقق سوى ٤٢٪ فقط من الاكتفاء الذاتي من القمح، لافتا إلى أن مصر تستهلك ٢١.٥ مليون طن سنويا، أي أن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك تصل إلى ٥٨٪، بسبب قلة المياه ومساحة الأرض الزراعية .

وطالب صيام بضرورة إعادة النظر في السياسات الزراعية ما يترتب عليه زيادة إنتاجية الفدان، ورفع الإنتاج السنوي من القمح من نفس المساحة الزراعية المتاحة وكذلك حجم المياه بشكل يقلل الاعتماد على الاستيراد.

وأوضح أن تعميم تقاوي القمح المنقاة من أهم الشروط التي يجب توافرها إذا كانت هناك رغبة في زيادة إنتاجية الفدان، وهذه الأنواع من التقاوي متواجدة في وزارة الزراعة لكنها مرتفعة الثمن، ومعظم الفلاحين الصغار يعتمدون على البدائل المتوافرة لديهم لعدم قدرتهم على شراء التقاوي المنقاة ، مطالبا حكومة الانقلاب بأن توفر هذه النوعية من التقاوي لمزارعي القمح في مصر، مع عودة الإرشاد الزراعي بكامل قوته وتواجده الدائم في كل قرى مصر، وتوفير ميزانية كبيرة لدعم مراكز البحوث من أجل استنباط أنوع تقاوي قمح جديدة عالية الإنتاجية .

وكشف صيام أن إنتاجية الفدان التي تصل إلى ١٨ أردب قمح لم تتغير منذ الستينيات وهذا غير معقول ويؤكد تأخر مستوى البحث الزراعي في مصر، مقترحا زيادة مساحة القمح من ٣.٥ مليون فدان إلى 4 على حساب مساحات البرسيم، مع تعويض الأخير بعد استقطاع جزء من مساحته برفع الإنتاجية لأقصى درجة ممكنة.

وأكد أن تطبيق هذه السياسات الزراعية سيؤدي إلى رفع حجم إنتاج القمح المحلي من ٩ ملايين طن إلى ١٤ مليون طن، أي تحقيق اكتفاء ذاتي بنسبة ٦٠٪، وإذا تم بالتوازي مع ذلك اعتماد زراعة القمح على مصاطب سيكون هناك تطور كبير في إنتاج مصر من القمح ما يقلل الاعتماد على الخارج بشكل كبير، مطالبا برفع المخزون الإستراتيجي في مصر من 4 أشهر إلى ١٢شهرا .

وحذر صيام من أنه إذا استمرت الحرب الروسية الأوكرانية حتى نهاية هذا العام، فليس أمامنا إلا البحث عن بدائل سريعة وهذا لن يتوفر بسهولة بسبب خوف كل دول العالم من استمرار الحرب وحدوث أزمة اقتصادية عالمية.

 

ارتفاع الأسعار

وقال الدكتور ياسر الحصري أستاذ الاقتصاد بالمعهد العالي للعلوم الإدارية بسوهاج، إن "اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في هذه الفترة كان له مردود اقتصادي في ارتفاع الأسعار العالمية فوصل سعر القمح العالمي إلى ٣٤٤ يورو للطن بينما وصل السعر المحلي إلى حوالي 1200جنيه للطن، ما أدى لارتفاع سعر رغيف الخبز السياحي .

وتوقع الحصري في تصريحات صحفية أن تؤدي تأثيرات الحرب الأوكرانية إلى ارتفاع سعر القمح المحلي والعالمي، حيث كانت مصر تستورد ٥٠ ٪ من احتياجاتها من القمح من روسيا وأوكرانيا، وهذه الكميات قد تقل في الفترة القادمة بسبب الحرب ما سيؤثر على كل الصناعات الغذائية المرتبطة بالقمح.

وشدد على ضرورة العمل على زيادة المساحات المزروعة من القمح في الوجه القبلي والبحري في السنوات القادمة بجانب التوسع الأفقي والرأسي في الأراضي الجديدة في المحافظات التي لها ظهير صحراوي، فضلا عن ضرورة وقف التعديات على الأراضي الزراعية وعدم البناء عليها، وكذلك الحد من عملية تصدير القمح وتشجيع الاستيراد من الدول الأخرى، مع عمل اتفاقات شراكة بين الدول الأوربية التي تقوم بزراعة محصول القمح، وهذا قد يؤدي إلى انخفاض أسعار القمح إلى حد ما، مع دعم الجهود التي من شأنها استنباط أصناف من الأقماح التي تزيد من الإنتاجية.