في الوقت الذي يقسم فيه خبراء الاقتصاد في الداخل والخارج جميع الأيمان بكافة اللغات وعلى جميع الشرائع بأن مصر في عهد السفاح السيسي أصبحت دولة متسولة، محذرين من خطورة استمرار النهج الاقتصادي المتبع في البلاد على مستقبل المصريين، يخرج وزير مالية الانقلاب محمد معيط مبشرا بمزيد من الديون ومهللا لها بالقول "القضية ليست حجم الدين بل القدرة على السداد".
وبحسب توجيهات جاءت من جهاز المخابرات العامة إلى جميع وزراء حكومة الانقلاب بالخروج على جميع الفضائيات والشاشات وإلقاء بيانات التهدئة والتخدير للحيلولة دون خروج مظاهرات غاضبة قد تتحول في لحظة إلى ثورة، زعم "معيط" على قناة صدى البلد، أن الضمانة الحقيقية لقوة الاقتصاد المصري تتمثل في زيادة معدل الصادرات وارتفاع عائدات قناة السويس وتحويلات المصريين العاملين في الخارج وعائدات السياحة وترشيد الواردات، وهو يعلم أن كل تلك القطاعات منهارة بالفعل.
الغارقون في الديون
وبلغ حجم الدين العام المحلي في مارس 2020 نحو 288 مليار دولار مقارنة بـ 135.4 مليار دولار في يونيو 2015 بنسبة زيادة بلغت 113 بالمئة، وبلغ حجم الدين العام الخارجي 129.2 مليار دولار في ديسمبر 2020 مقارنة بنحو 55.8 مليار دولار في يونيو 2016 بنسبة زيادة بلغت 132 بالمئة، وفقا لبيانات البنك المركزي المصري، وحتى نهاية 2021 بلغت قيمة الدين الخارجي المستحق على مصر 137.85 مليار دولار، بحسب بيانات وزارة المالية في حكومة الانقلاب.
من جهته، قال روبرت سبرينجبورغ، أستاذ الدراسات الدولية المرموق في جامعة سيمون فريزر، والمستشار السابق في إدارة وسياسة الشرق الأوسط لصالح الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ووزارة الخارجية الأمريكية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إن "السفاح السيسي يدير مصر كما لو كانت واحدة من الدول الريعية الغنية بالنفط، أو دولة تجارية ناجحة تحت حكم أوتوقراطي، على غرار الصين".
جاء ذلك في دراسة نشرها موقع مؤسسة مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط (بوميد) بعنوان "تتبع مسار المال لتعرف حقيقة مصر السيسي" تناولت الحال الذي وصل إليه الاقتصاد المصري، الذي أصبح يعتمد على الدعم الخارجي والقروض أكثر من أي وقت مضى.
وأكد سبرينجبورغ في الدراسة التي ترجمها "المعهد المصري للدراسات" أن سياسة السيسي الاقتصادية تعتمد على محاولة تحقيق حالة إبهار ملفتة من خلال المشاريع الضخمة وشراء الأسلحة لتعزيز شرعيته.
وأوضح أن السفاح السيسي، الذي جاء إلى السلطة عبر انقلاب على الحكومة الشرعية، يضغط على المواطنين من خلال التخفيض المستمر للدعم وفرض المزيد من الضرائب وزيادة رسوم الخدمات العامة، بالرغم من الدعم الأجنبي الهائل الذي تلقاه والاقتراض الكثيف لعصابة الانقلاب من الداخل والخارج.
ولفت إلى أن إجمالي حجم الدين القومي لمصر يبلغ الآن 370 مليار دولار، قائلا "أصبحت مصر دولة متسولة".
وأشار سبرينغبورغ، إلى أن السفاح السيسي يضغط على القطاع الخاص بطرق شتى ليس أقلها استحواذ الجيش على العديد من المؤسسات الخاصة المربحة.
عواقب وخيمة
وقال المعهد المصري للدراسات، إن "أخطر ما توصلت إليه دراسة سبرينغبورغ هو أن هناك أوجه تشابه بشكل ملحوظ بين الفشل المريع الذي شهده الاقتصاد اللبناني والواقع الحالي للاقتصاد المصري المتعثر، ما ينذر بعواقب وخيمة على مصر والمنطقة إذا لم يتم تدارك الأمر واتخاذ الدول الصديقة خطوات تصحيحية لإنقاذ مصر من هذا المصير، بدلا من الاستمرار في الانغماس في دعم نظام السيسي.
وذكرت الدراسة أنه "في اللحظة التي سيبدو فيها أصدقاء مصر مترددين في تقديم الدعم لها، فإن المستثمرين من القطاع الخاص في الائتمان المصري سوف يندفعون بحثا عن مخرج للهروب، كما فعلوا في مصر في ربيع عام 2020، وفي لبنان من قبل".
جدير بالذكر أنه في العام التالي للثورة، بعد صراعات على وتيرة وطريقة تسليم السلطة من الجيش إلى المدنيين، وضعت الإدارة الجديدة المنتخبة للبلاد، برئاسة الرئيس الشهيد محمد مرسي، خطة عاجلة لإنقاذ الوضع المتدهور خلال فترة غياب الحكم المنتخب، سُميت لاحقا بخطة الـ 100 يوم، والتي تمثل انطلاقة لمشروع النهضة الذي كان يلخصه الرئيس مرسي – تقبله الله في الشهداء- في كلمات موجزة تضع الاقتصاد أساسا للسياسة، قائلا "نريد إنتاج دوائنا وغذائنا وسلاحنا، حتى نمتلك إرادتنا".
من جهته يقول عمر سمير، الباحث الاقتصادي في جامعة إسطنبول والمطلع على الشأن المصري، إن "الإدارة المصرية الجديدة ما بعد الثورة كان لديها خطة لإدارة الاقتصاد خارج الصندوق إلى حد ما، تقوم تلك الخطة على تبني عدد من المشاريع القومية الكبرى مثل مشروع إقليم قناة السويس، ودعم المزارعين، وتصفير الفساد في وزارة التموين، وإعادة ضبط قطاع النفط والتعدين".
وبسؤاله عن القدرة على توفير الموارد المالية اللازمة لهذه المشاريع، أوضح سمير أن "الرئيس مرسي كان لديه رؤية شبه واضحة لإعادة هيكلة تجارة مصر الخارجية، وإيجاد شبكة داعمين إقليميين جدد مغايرة لشبكة نظام مبارك، وأهم أطراف هذه الشبكة هم الرباعي تركيا وقطر والعراق وليبيا، دون القطيعة مع الشبكة القديمة".
ويضيف سمير في السياق نفسه "رأينا علامات في تلك الفترة على مغازلة الصين وإيران وروسيا، ومحاولة فصل الاقتصادي عن السياسي معهم، بالإضافة إلى مشروع مالي عاجل أقل كلفة من الديون من المؤسسات الدولية، يستند على الاستثمارات والمعونات من تلك المحاور الجديدة والصكوك، وهي المشاريع التي كان من الممكن أن يُكتب لها النجاح لو قدر لهم إكمال الفترة الرئاسية الأولى في السلطة على الأقل".
ومع تأكيده على خطورة ما حدث في 3 يوليو 2013، عندما أطاح الجيش بالسلطة المدنية المنتخبة، يحدد سمير 4 عوامل ساعدت في دفع تلك الأحداث إلى ذروتها، هي "وجود سياق إقليمي رافض للتيار الحاكم لمصر من منظور مصلحي واقعي بحت، حيث كانت ترى الإمارات والسعودية أن أي مشروع خارج عن السيطرة والمألوف يمثل تهديدا مباشرا لاستقرار أنظمة الحكم في الخليج".