دلالات اعتراف حكومة الانقلاب بتراجع مخزون القمح وتخفيص حصص المخابز

- ‎فيتقارير

اعتراف رئيس مجلس الوزراء بحكومة الانقلاب مصطفى مدبولي الإثنين 4 إبريل 2022م، بأن المخزون الإستراتيجي من القمح تراجع إلى  نحو شهرين ونصف وقد كان نحو 4 شهور في أول مارس الماضي؛ لا يعني سوى أمرين: الأول أن الحكومة استهلكت كميات كبيرة من القمح (مخزون شهر ونصف) خلال الشهر الماضي فقط، أو أنها كذبت من البداية بشأن حجم المخزون وادعت أنها أربعة شهور وهو كان أقل من ذلك كعادة الحكومة في استسهال الكذب وتستيف الأرقام الرسمية على نحو يحسن من الأوضاع المزرية. وينحاز الرئيس الأسبق لشعبة المطاحن وليد دياب للتفسير الثاني، مؤكدا في تصريحات صحفية أن السبب في الفجوة المحدودة بين ما تم استهلاكه خلال شهر وحجم التراجع في المخزون الاستراتيجي في القمح، يأتي نتيجة عدم الإفصاح عن الحجم الحقيقي لهذا المخزون، الذي يبدو أنه كان أقل من المعلن.

ومصر هي أكبر مستورد للقمح في العالم حيث تستورد سنويا نحو 13 مليون طن، نصيب الحكومة منها نحو 6 ملايين طن، بينما يستورد القطاع الخاص باقي الكمية. وتضررت مصر كثيرا بسبب الحرب الروسية الأوكرانية لأنها كانت تستورد نحو 80% من القمح المستورد من الدولتين اللتين تشهدان صراعا مسلحا لا يبدو أن له نهاية في الأفق العاجل أو القريب؛ بما يعني استمرار تداعيات هذه الحرب على الأمن الغذائي المصري لفترة طويلة.

وفي سياق الأزمة، قررت وزارة التموين بحكومة الانقلاب، الثلاثاء 05 أبريل 2022، تخفيض حصص المخابز من الدقيق (الطحين) بنسبة 10% طوال شهر رمضان، بحجة عدم إقبال المواطنين على شراء الخبز خلال الشهر الكريم مقارنة بالأيام العادية، وفقاً لما أظهره النظام الإلكتروني لصرف الخبز البلدي المدعوم لأصحاب البطاقات التموينية. وقالت الوزارة، في بيان، إنها استطاعت تأمين مخزون القمح المخصص لإنتاج الخبز البلدي المدعوم خلال الفترة الماضية، على الرغم من وقف إمدادات القمح من روسيا وأوكرانيا، إلى جانب البدء في توريد القمح المنتج محلياً من المزارعين اعتباراً من 1 إبريل الجاري، ما يعزز من المخزون الاستراتيجي للقمح في البلاد حتى نهاية عام 2022.  ويقدر عدد المصريين الذين يصرفون الخبز المدعوم على بطاقات التموين بنحو 72 مليون مواطن، بواقع 5 أرغفة يومياً لكل فرد بقيمة 5 قروش (الجنيه = 100 قرش) للرغيف، أي أن البطاقة المقيد عليها 4 أفراد تحصل على 20 رغيفاً يومياً بمبلغ جنيه واحد.

ولحل هذه الأزمة تسعى حكومة الانقلاب إلى مسارين:

الأول هو التعويل على محصول القمح الذي يبدأ حصاده خلال أبريل الجاري، بإلزام الفلاحين بتوريد القمح مباشرة بعد الحصاد دون انتظار اكتمال فترة التوريد لمعرفة الحجم الحقيقي للحصاد، حيث تستهدف الحكومة شراء نحو 6 ملايين طن من المحصول المحلي وهو رقم موضع شك كبير من جانب خبراء ومتخصصين. لأن الفلاحين يفضلون الاحتفاظ بالحصاد والتصرف فيه بطريقتهم الخاصة لا سيما مع ضعف قيمة السعر المقرر من جانب الحكومة والذي يصل إلى نحو 865 إلى 885 جنيها للأردب بينما يطالب الفلاحون بـ1200 جنيه استنادا إلى الارتفاع الجنوني في أسعار القمح عالميا حيث تجاوز طن القمح نحو 400 دولار (الطن أقل من 7 أرادب قليلا لأن الأردب يساوي 150كجراما، وبذلك يكون سعر الأردب عالميا نحو 1200ج بإضافة مصاريف الشحن رغم أن القمح المحلي أكثر جودة من المستورد)، لا سيما مع خفض قيمة الجنيه بنحو 17% بقرار من البنك المركزي في 21 مارس 2022م.وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة وجميع السلع.

الثاني، هو البحث عن مصادر بديلة لاستيراد القمح مع توقف خطوط الإمداد الأوكرانية ووضع الحكومة الروسية بعض العراقيل على تصدير الحبوب لدرء أي أزمة محلية خلال الحرب. فمحدودية المخزون والتشكك في الوصول إلى مستهدفات الحكومة من كمية القمح المُورد من الفلاحين سيؤديان حتمًا إلى اللجوء للاستيراد لحماية المخزون الاستراتيجي. وإعلان الحكومة أنها لن تلجأ إلى الاستيراد كانت تستهدف به التأثير على أسعار القمح عالميا لأن مصر أكبر مستورد للقمح في العالم، ولهذا لجأت الحكومة إلى أخفاء مخططاتها وتوقيتاتها للأستيراد. لكن ذلك لم يدم كثيرا حيث كشفت وكالة رويترز أن الحكومة المصرية بصدد استيراد القمح من الهند.

ونقلت وكالة رويترز عن مصادر- لم تذكر اسمها- قولها إن مصر قد تشتري ما يصل إلى 12 مليون طن من القمح الهندي، وذكر أحد المصادر أن "الهند في موقف يمكنها من توريد نوعية عالية من القمح إلى مصر وتلبية متطلبات مصر بشأن الجودة". بدوره، كان وزير التجارة والصناعة الهندي بيوش جويال، قد قال إنه اجتمع نهاية مارس 2022 مع وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية هالة السعيد في دبي، وناقشا "استعداد نيودلهي لتوريد قمح عالي الجودة" لمصر.

كانت نيودلهي قد أعلنت أيضاً نهاية مارس 2022، أنها تجري تجري محادثات نهائية من أجل بدء صادرات القمح إلى مصر، وقالت وزارة التجارة الهندية، في بيان، إن نيودلهي "تجري مناقشات لبيع القمح للبوسنة والسودان ونيجيريا وإيران بينما وصلت إلى مرحلة المفاوضات النهائية مع مصر لإمدادها بشحنات قمح". وتتجاوز واردات مصر من القمح الروسي 8 ملايين طن سنوياً، بينما تتجاوز 4 ملايين طن من أوكرانيا، ما يعني أن مصر بحاجة للبحث مبكراً عن مصادر أخرى تكون قادرة على توفير 13 مليون طن سنوياً بحد أقصى.

المؤلم في الصفقة أن الهند (مليار و300 مليون نسمة) قد تمكنت من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء وتصدر القمح لمصر (100 مليون نسمة فقط) رغم أن مصر كانت سلة الغذاء للعالم كله في العصور القديمة، ولا يزال الدكتاتور عبدالفتاح السيسي حتى اليوم يعلق فشله على الزيادة السكانية بوصفها العائق أمام نجاحه والتهام ما يقوم به من إنجازات ضخمة وهائلة وغير مسبوقة!!