ضمور العقل الجمعي لسلطة السيسي ونظامه في معالجة الأزمات الاقتصادية المصرية المتفاقمة يوما بعد الآخر، تثبت عدم كفاءة النظام لإدارة شئون دولة بحجم مصر من الأساس، ففي ظل أزمات بنيوية بالاقتصاد المصري، تسببت فيها قرارات وساسات مفاجئة وغير مدروسة اتخذها السيسي ونظامه، بلا رجوع لخبراء أو توصيات متخصصة، آخرها قرار تعويم الجنيه أمام الدولار والعملات الأجنبية الصادر مؤخرا، والذي تسبب في أزمات جمة من ارتفاع غير مسبوق للأسعار ونضوب المواد الخام بالمصانع ما يهدد بتعطيش السوق المصري من كل المنتجات، كما كشف رجل الأعمال فرج عامر في تدوينة له على فيس بوك ، كشف العجز الكبير بجميع المصانع من المواد الخام ما ينذر بتوقف الإنتاج ومن ثم تسريح العمال وزيادة البطالة وتراجع الإيرادات الضريبية والرسوم التي تحصلها الدولة، خلال أيام قلائل.
وتجلى العته الفكري لحكومة السيسي في التعاطي مع ارتدادات أزمة أوكرانيا، بوصفها سببا في أزمة الأسعار بمصر، على الرغم من أن الحرب الروسية على أوكرانيا مجرد أزمة كاشفة لحقيقة الأوضاع الاقتصادية بمصر ودول العالم ، إذ أن الخلل الأساس في الاقتصاد المصري، يتمثل تحديدا في قلة الإنتاج ووضعف التصدير وعدم تحقيق الاكتفاء الذاتي بالمنتجات الأساسية بمصر، وسيطرة العسكر على الشركات والمشروعات وهروب رءوس الأموال من السوق المصرية، لانعدام المنافسة وغياب الشفافية وانتشار الفساد المالي في مفاصل الاقتصاد المصري لغياب المحاسبة والرقابة المالية عن مشروعات الجيش التي تبلغ أكثر من 60% .
وعلى الرغم من أن أساسيات الأزمة باتت معلومة للجميع، إلا أن السيسي ونظامه ما زال عاجزا عن التعاطي الناجع مع الأزمة، ما زال همه الأكبر الحصول على الدولارات، سواء عبر المساعدات التي رفضتها دول خليجية صديقة له، أو المعونات والقروض التي باتت صعبة، ومن ثم لجأ لبيع قطاعات من الاقتصاد المصري رابحة وتحقق وفورات مالية وتصدر بمليارات الدولارات، كشركتي الأسمدة العملاقتين بمصر، أبو قير التي حققت العام الماضي أرباحا بقيمة 105% وشركة موبكو للأسمدة، أيضا وهما من كبار الشركات التي تدر على مصر مليارات الدولارات عبر تصدير منتحاتها الفائضة عن السوق المصري ، حيث تستحوذ الإمارات على الشركات الرابحة في مصر، ليتم التحكم في مصر اقتصاديا.
عجز أمني
وبدلا من تفعيل الأفكار والحلول المناسبة للأزمة التي تضرب قطاعات واسعة من الشعب المصري، بات الجميع يعلمها ، إلا أن الأجهزة الأمنية ما زالت مصرّة على استعمال العصا الأمنية في إدارة الأزمة الاقتصادية على المستوى الشعبي، ضاعطة على المجتمع ككل لمنع انفجار مكتوم على المستوى الشعبي في عموم مصر، غير إجراءات أكثر قمعية تزيد من الكبت المجتمعي وتقرب الجماهير من حافة الانفجار الشامل في وجه الجميع، بما يقود نحو زلزال تحت أقدام السيسي ونظامه.
وفي سياق العجز السياسي والاقتصادي لنظام السيسي في معالجة الفقر والأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر.
وبغشم السيسي ونظامه، الذي يفضل العصا الأمنية في التعاطي مع المصريين، عممت الأجهزة الأمنية خلال الأيام الماضية تعليمات قسرية بمنع البرامج التلفزيونية والصحفيين ومعدي البرامج من التركيز على أزمة ارتفاع الأسعار بمصر، كما أوصلت رسائل شديدة اللهجة بمنع البرلمان من مناقشة أزمة ارتفاع الأسعار بعد تعويم الجنيه.
كما كشفت تقارير إعلامية عن خطط أمنية لإرهاب المصريين، ومنعهم من النزول للشوارع للتعبير عن غضبهم من ارتفاع الأسعار.
والأبرز في الخطة التي أشرف عليها وزير داخلية الانقلاب نفسه، انغلاق أفقها السياسي والأمني، وتركيزها القمع المنهجي ضد جماعة الإخوان المسلمين والنشطاء وقادة الأحزاب والبرلمانيين ورجال أعمال، دون إدراك أن المتضرر الأكبر من ارتفاع الأسعار هم عموم المصريين والجماهير التي قد يتحاوز غضبها الجميع.
الخطة التي أعدها جهاز الأمن الوطني للتعامل مع أي اضطرابات قد تحدث نتيجة حالة الغلاء التي تعيشها مصر.
وتعتمد بالأساس على محاولة تهدئة الشارع، خوفا من غضب شعبي قد يتطور ويؤدي إلى اهتزاز النظام الحاكم.
إجراءات للسيطرة
ولا تزال حالة القلق من نشوب اضطرابات شعبية نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية وانهيار العملة المحلية وتأثيرات ذلك على القوة الشرائية للمصريين تسيطر على نظام الانقلاب الحاكم في مصر، على ضوء القرارات الأخيرة التي اتخذها.
هذا الأمر دفع جهاز الأمن الوطني إلى بث رسائل تخويف، والتنسيق مع إعلاميين تابعين له بأن الدولة بدأت العمل أخيرا على اتخاذ مجموعة من الإجراءات في محاولة للسيطرة على الوضع، وذلك بحسب مصادر قانونية وسياسية خاصة.
كما تعمد مسؤولون في جهاز الأمن الوطني تعمدوا تسريب معلومات بأنهم استدعوا قيادات بارزة من جماعة "الإخوان المسلمين" في السجون إلى جلسات عُقدت أخيرا، جرى خلالها توجيه تحذيرات شديدة اللهجة من إقدام عناصر وأعضاء الجماعة، سواء خارج مصر أو من هم خارج السجون داخل مصر، على إثارة أزمات أو إطلاق دعوات للتظاهر استغلالا لحالة الغضب لدى المواطنين.
وفي سياق العصا الأمنية، استدعى جهاز الأمن الوطني عددا من الشخصيات السياسية التي ابتعدت عن المشهد خلال الفترة الماضية، من بينهم رئيس حزب لهيئة برلمانية، ورجال أعمال، ونواب سابقين، بعدما رصد الجهاز عدة تجمعات ولقاءات ضمت مجموعات منهم، وتم التشديد عليهم بأن أي إشارات أو كتابات على مواقع التواصل الاجتماعي ستواجه برد عنيف من القيادة السياسية، التي لا تتفهم مثل تلك الأعمال في الوقت الراهن، لأنها تأتي في سياق هدم الدولة المصرية.
ولفت المصدر إلى أن بعض السياسيين الذين تم استدعاؤهم أخيرا أكدوا أن اللقاءات التي جرت خلال الفترة الماضية جميعها لا تعدو كونها لقاءات اجتماعية لم تتطرق إلى أي شؤون سياسية، مؤكدين أنها جلسات أصدقاء.
تحذيرات للجميع
وتابع المصدر أنه "جرى تحذير عدد من السياسيين ورجال الأعمال من الإشارة مجددا إلى قضية رجل الأعمال صفوان ثابت، مؤسس شركة جهينة للصناعات الغذائية ومنتجات الألبان، في أعقاب دعوات عدد منهم لإطلاق سراح رجل الأعمال ونجله، المحبوسين على ذمة اتهامات متعلقة بالانضمام لجماعة الإخوان وتمويلها، وذلك في أعقاب وفاة زوجته بهيرة الشاوي ومنع إقامة مراسم العزاء".
وحذرت قيادات في جهاز الأمن الوطني من الذين اجتمعوا مع عدد من السياسيين، كان بعضهم مقربا للنظام الحالي في فترات مضت، من إثارة قضية صفوان ثابت مجددا، أو محاولة التقدم بطلبات لإطلاق سراحه بدعوى المظلومية التي يواجهها، مؤكدين لهم أن ذلك يعرضهم لغضب رئيس الدولة نفسه الذي يتابع تلك القضية بشكل شخصي، بحسب المصدر.
ويأتي هذا فيما تتصاعد حملات أمنية أخيرا طاولت معتقلين سابقين، وأعضاء سابقين أيضا في جماعة "الإخوان المسلمين" في عدد من المحافظات.
ومع الغضب الشديد الناجم عن ارتفاع أسعار الغذاء إثر الفشل الاقتصادي لنظام السيسي، ومع اقتراب شهر رمضان ، وعلى إثر تعويم الجنيه المصري، من المتوقع زيادة الأزمة الاقتصادية مع إقدام مصر على بدء التفاوض مع صندوق النقد الدولي على قرض جديد قد يصل لنحو 10 مليار دولار، وهو ما يفجر غضبا شعبيا غير مؤدلج قد يطيح بالنظام.