حذر مقاولون وخبراء بالقطاع العقاري من التداعيات السلبية لقرار قائد الانقلاب بوقف تراخيص البناء ، مؤكدين أن هذا القرار بمثابة كارثة سوف تتسبب في خراب بيوت الملايين الذين يعملون بقطاع البناء والمقاولات.
وقال مقاولون إنهم "فوجئوا بدخول الجيش سوق العقارات بشكل غير مسبوق، رغم الأزمة التي تعيشها السوق".
وأوضحوا أنه بدلا من دعم دولة العسكر بكل مؤسساتها لقطاع المقاولات بتحفيز شركاتها المدنية المتخصصة للخروج من هذا المأزق، إذ بالقوات المسلحة تزاحم تلك الشركات من خلال أربع هيئات تتبع وزارتي الدفاع واﻹنتاج الحربي، هي جهاز مشروعات الخدمة الوطنية والهيئة العربية للتصنيع والهيئة القومية للإنتاج الحربي والهيئة الهندسية للقوات المسلحة.
وأكد المقاولون أن إصرار الجيش على التهام حصة السوق العقاري وضع مستقبل قرابة 36 ألف شركة تعمل في مجال المقاولات في مهب الريح، لتحيا على الفتات مما تتركه لهم الهيئات التابعة للمؤسسة العسكرية، وبالسعر الذي تحدده الأخيرة دون رفاهية التفاوض والقبول والرفض من تلك الشركات.
وأشاروا إلى أن الكثير من تلك الشركات اضطر للغلق أمام تلك الوضعية الصعبة، وبعضها جمد نشاطه مؤقتا، فيما استمر الفريق الثالث في عمله وفق المعادلة الجديدة، وفي كل تلك الحالات كان العمال الضحية الكبرى في هذا الصراع.
كان السيسي قد لوح بوقف البناء لمدة 10 سنوات لحين وضع آليات لضبط التراخيص وخلافه، داعيا المصريين إلى وضع أموالهم في البنوك بدلا من بناء البيوت أو استثمارها في قطاع العقارات وفق تعبيره.
وزعم السيسي أن الاستثمار في العقار ليس في محله قائلا "بدلا من وضع الأموال في العقارات ضعوها في البنوك، ولو أنك ترغب في بناء عقار بقيمة مليوني جنيه أنصحك بوضع هذه الأموال في البنك، لأن الاستثمار في العقار فرصته ليست كبيرة".
وكشف أن دولة العسكر أخذت العديد من القرارات الخاصة بوقف المخالفات والبناء العشوائي، وكان منها إعادة بناء البلاد في غضون 10 سنوات، ولن يسمح لأي شخص بالبناء طوال هذه الفترة، من أجل إعادة ضبط آليات العمل والتراخيص، بحسب زعمه
يشار إلى أن السيسي كان قد اتخذ حزمة قرارات لوقف البناء بصفة عامة، البداية كانت منتصف 2020 حين أصدر قرارا بوقف عملية البناء ومنع التراخيص لمدة 6 أشهر، ليليه قانون التصالح في مخالفات البناء الصادر في نسخته الثانية المعدلة في 7 يناير 2020.
وخلال الأشهر الماضية أزالت حكومة الانقلاب عشرات آلاف المباني والعقارات بدعوى مخالفتها لقانون البناء، فيما هددت بنزول الجيش والشرطة لكل القرى والمناطق لتنفيذ عمليات الإزالة والتصدي لأي محاولة لعرقلة هذا الملف الذي اعتُبر قضية أمن قومي بزعم السيسي.
سيطرة الجيش
وأكد المعلم فكري مقاول يعمل في قطاع العقارات منذ أكثر من 25 عاما، ولديه شركة يعمل بها أكثر من 70 عاملا ومهندسا، أن السوق واقف والحالة صعبة ومفيش مشروعات، ولو فيه بتبقى بمقابل ضعيف لا يكفي أجور العمال والمهندسين والمواد المستخدمة.
وكشف فكري أن أكثر من عشر شركات يملكها أصدقاء له أغلقت أبوابها بالكامل، وضعفها خفضت نسبة العمالة لديها، وأخرى خفضت الرواتب والأجور إلى أكثر من 50%.
واعترف بأنه اضطر لتخفيض العمالة لديه لأكثر من 70% خلال العام الماضي تحديدا، لأن المشروعات التي كان ينفذها سواء لأفراد أم كيانات، تراجعت لأكثر من 50%، وأنه لولا الخوف على سمعته لأغلق شركته تماما، خاصة أن النفقات باتت تتجاوز الإيرادات بكثير.
وعن أسباب هذا التراجع قال إن "السبب الظاهري قرارات وقف البناء الصادرة عن حكومة الانقلاب ومنع منح الأحياء التراخيص للملاك، لكن هناك سببا آخر أخطر ويهدد مستقبل ملايين العاملين في مجال البناء والتشييد، وهو سيطرة الجيش على قطاع المقاولات منافسا القطاع الخاص الذي بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة.
36 ألف شركة
وكشف أيمن رجل أعمال يعمل في مجال المقاولات ، أن هناك أكثر من 36 ألف شركة مسجلة بحسب تصريحات عضو مجلس إدارة الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء، محمد عبد الرؤوف، و15% منها فقط تحصل على مشروعات كبيرة ومتوسطة، متسائلا، ما مصير الـ 85% من تلك الشركات؟
وقال رجل الأعمال إن "أكثر من نصف الشركات العاملة في مجال المقاولات في مصر فقدت الجزء الأكبر من حصتها السوقية منذ 2016 وحتى اليوم، ما اضطرها لتوسيع دائرة أعمالها إلى مجالات أخرى غير المقاولات، حتى إن كانت من الباطن، وإلا فالغلق هو المصير المنتظر".
حنفية المشروعات
وأكد محسن. ص" صاحب شركة مقالاوت، أن حنفية المشروعات باتت في أيدي الجيش، مشيرا إلى أنه لا يمكن الحصول على أي مشروعات إلا تحت مظلة أي من الهيئات الأربعة التابعة لوزارتي الدفاع والإنتاج الحربي".
وقال إنه "في حال العمل بشكل مستقل عن تلك الهيئات ستتعرض لمشاكل كبيرة وربما تقودك في النهاية إلى غلق شركتك ، لذلك كان لا بد من الاستسلام لهذا الوضع".
وأضاف ، اضطررنا من أجل البقاء في السوق أن نعمل من الباطن لصالح الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، الهيئة تتفق على المشروعات مع دولة العسكر بالأرقام التي تحددها هي ، ثم تقدمها لنا بأسعار أقل بكثير مما تم الاتفاق عليه، وليس أمامنا مجال للرفض ، علينا القبول وإلا فكل الخيارات متاحة.
وتابع محسن ، حتى لو فكرنا في منافسة الهيئة في المناقصات والمزايدات الكبرى، فإن المنافسة تكون غير عادلة، فالجيش لديه امتيازات لا تتوافر لدينا كشركات خاصة، فهو يمتلك الأرض بلا مقابل، والخدمات ومواد البناء بلا مقابل أو ضرائب، كما أنه يكلف الجنود المدربين أو الفنيين الذين يُقضّون فترة الخدمة العسكرية، بالعمل في تلك المشروعات بلا مقابل، وعليه يقدم عرضا أقل من الشركات الخاصة بكثير، أما نحن فنواجه تحديات كبيرة، ارتفاع جنوني في أسعار مواد البناء وقفزات في الضرائب وارتفاع في الأجور، كل هذا يصعب مهمتنا ويقدم السوق على طبق من ذهب للجيش .
وكشف أنه أمام تلك الوضعية، اضطرت الشركات إلى تقليص العمالة ، لأن العائد من المشروعات لا يكفي لسداد كلفة تلك النفقات، عمال ومواد وضرائب وغيره، ومن يتبقى من العمال يتحمل العبء الأكبر، مهام إضافية بنفس الراتب إن لم يكن أقل، الكل هنا تنازل لأجل استمرار لقمة العيش حتى لو قلت قيمتها، كحل أفضل من البطالة .
السفر للخارج
وقال أحمد مهندس مدني كان يعمل في شركة مقاولات كبرى تصنف كواحدة من أكبر خمس شركات في مصر "منذ بداية 2020 بدأت الشركة تقليص العمالة لديها، مهندسين وفنيين وعمال، بنسب تتراوح بين 20 -35%، لتوزع أعمالهم على الموجودين بنفس الراتب".
وأضاف ، حين كنا نعترض كان يقال لنا "اللي مش عاجبه يسيب الشركة، المشروع اللي كنا بنأخذه بعشرة قروش قبل ذلك، اليوم بنأخذه بقرشين وبالعافية وبعد سلسلة من التنازلات والهدايا وخلافه".
وأشار إلى أنه بعدما كان يتقاضى راتبا 7 آلاف جنيه، تراجع إلى 5 آلاف، مع مضاعفة الأعباء الموكلة إليه، منوها أنه أمام هذا الوضع اضطر للبحث عن فرصة للسفر للخارج، وبالفعل اليوم هو في إحدى دول الخليج بعد أن تقدم باستقالته نهاية العام الماضي.
وأكد أن هناك المئات من أصدقائه سلكوا نفس الطريق ، بعدما فقدوا مصدر دخلهم الوحيد .
القطاع الخاص
وقال "عطية" صاحب شركة مقاولات شهيرة في منطقة الوايلي إنه "اضطر لتقليل النفقات فبعدما كان لديه قرابة 70 موظفا من مهندسين وإداريين وعمال، بات اليوم لا يملك إلا 10 فقط من المؤمن عليهم، أما الباقي فتحولوا للعمل بـ"اليومية" حال وجود مشروعات وفي حاجة لهم، أما في الأحوال الطبيعية فلا يتم الاستعانة بهم".
وأكد أن المشروعات التي نقوم بها لم تسلم من المنافسة والمزايدة من القوات المسلحة، ففي آخر مشروع لي في منطقة التجمع فوجئت بجمعيات تابعة للجيش تعرض وحدات سكنية أرخص مما نقدمه نحن، ومعروف طبعا سبب تراجع سعرها، ما تسبب في تكبدنا خسارة فادحة، فالمشتري بالطبع سيقدم على الوحدة الرخيصة ، خاصة إن كانت على نفس المستوى من التشطيب والجودة.
وألمح صاحب شركة المقاولات إلى أن معظم رجال الأعمال والمستثمرين اضطروا إلى الاستعانة بهيئات الجيش ، وهو ما فاقم الوضع المذري لشركات القطاع الخاص، مؤكدا أن شركات القطاع الخاص أصبحت الآن داخل غرف الإنعاش في انتظار إما رصاصة الرحمة وإما صدمات كهربائية عاجلة تعيدها للحياة مرة أخرى.
تداعيات كارثية
وحذر عبد المنعم الجمل نائب رئيس اتحاد نقابات عمال مصر ورئيس النقابة العامة للبناء والأخشاب، من تداعيات قرارات وقف تراخيص البناء ، مؤكدا أنها ستؤثر على الملايين من العمالة غير المنتظمة التي تمثل أكثر من 40% من العاملين في سوق العمل، البالغ عددهم 30 مليونا، بحسب أحدث أرقام الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
وقال الجمل في تصريحات صحفية إن "مثل تلك القرارات سيكون لها تداعياتها الكارثية على العمالة، خاصة الموجودين بالقرى والمناطق الشعبية، منوها أن التأثير ربما يكون أكثر حدة مع العمالة التابعة للشركات والمؤسسات".
قرار متسرع
واعتبر شمس الدين يوسف، عضو مجلس إدارة الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء، أن القرار متسرع وغير مدروس، موضحا أن توقيت إصداره غير مناسب بالمرة، في ظل زيادة نسبة البطالة الناتجة عن أزمة فيروس كورونا، إضافة إلى التأثير على الصناعات المكملة للتشييد والبناء من الإسمنت والحديد وغيرهما من المواد الخام.
وطالب يوسف في تصريحات صحفية بضرورة إعادة النظر في هذا القرار ، لأن الناس خربت بيوتهم بسببه.
وأكد أن أكثر من 70% من طوائف المجتمع متضررة من قرار وقف تراخيص البناء
