«النقدي المشروط».. هل يكون محطة على طريق إلغاء الدعم؟

- ‎فيتقارير

تتجه حكومة الطاغية عبدالفتاح السيسي خلال الشهور المقبلة نحو تحويل منظومة الدعم من العيني (السلع)  إلى النقدي المشروط (المال) وسط تخوفات شعبية مشروعة وترقب واسع من المواطنين والخبراء والمختصين؛ ذلك أن تجارب المصريين مع نظام الانقلاب منذ منتصف 2013م حتى اليوم  تجعل المواطنين مترقبين خشية أن تفضي الخطوة المقبلة إلى تفريغ معنى الدعم من مضمونة في ظل تزايد معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة تزيد على نحو 70% بعيدا عن أرقام الحكومة وأجهزتها فهي أرقام ملعوب فيها، لأسباب سياسية ودعائية.

تصريحات على المصيلحي، وزير التموين بحكومة الانقلاب، مؤخرا، نوهت إلى ذلك، حيث أشار الوزير إلى أن الحكومة تدرس التحول إلى نظام الدعم النقدي المشروط. وهي الخطوة التي تأتي ترجمة لشروط وإملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين، وتمثل بندا من بنود اتفاق قروض السيسي مع الصندوق.

وللحق فإن ثمة شبه إجماع بين الخبراء والمختصين أن الدعم النقدي المشروط  أفضل حالا من الدعم العيني؛ لاعتبارات  تتعلق بحجم الفساد الواسع الذي يرتع في جميع مؤسسات الحكم في مصر وعلى رأسها وزارة التموين التي تحصل على  نسبة كبيرة من مخصصات الدعم السنوي في الموازنة العامة للدولة، وسط تخوفات مشروعة من أن تفضي الخطوة إلى إلغاء تدريجي للدعم في ظل توجهات حكومة السيسي لنفض يديها من الالتزامات الدستورية الاجتماعية لرعاية الفقراء والمهمشين، وكذلك تآكل قيمة العملة المحلية "الجنيه" أمام الدولار وباقي العملات الأجنبية مع الوضع في الاعتبار أن مصر تستورد أكثر من 65% من احتياجاتها الغذائية؛ ما يعني أن هبوط العملة كما حدث في أعقاب تعويم الجنيه نوفمبر 2016م، أو غلاء الأسعار لأسباب كثيرة كما جرى مع تفشي جائحة كورونا وتوقف خطوط الإمداد الدولية، أو أزمة القمح في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، وتواصل مستويات التضخم العالية كما يجري حاليا؛ فإن ذلك كفيل بتفريغ الدعم من مضمونة لتبقي الجنيهات المخصصة للفقراء غير كافية لتحقيق أدني مستويات الستر والحاجات الأساسية من الطعام.

الملف ليس جديدا، ففي أعقاب الانقلاب العسكري في يوليو 2013م بشهور قليلة، منح البنك الدولي حكومة الانقلاب مليوني دولار من أجل عمل دراسة  حول تحويل منظومة الدعم من العيني إلى النقدي. وفي تصريحات سابقة لمصطفى مدبولي رئيس الحكومة في يناير 2020م، فإن هناك خططا جاهزة للتحول إلى الدعم النقدي، وكان من المرتقب تطبيقها على إحدى المحافظات لكن تطورات الأحداث حالت دون ذلك. وكانت وزارة التضامن الاجتماعي في يوليو 2019م، أحالت مشروع قانون الدعم النقدي الموحد إلى مجلس النواب. ويدمج مشروع القانون جميع برامج الدعم الحالية في برنامج "تكافل وكرامة"، كما ينص على تفعيل بند المشروطية للحصول على الدعم. ويلزم مشروع القانون الحكومة بمراجعة المستفيدين من الدعم كل 3 سنوات، واستبعاد الأسر غير المستحقة بعد انتهاء تلك الفترة. وفي أواخر ديسمبر 2019، أعلنت وزيرة التضامن الاجتماعي وقتها نيفين  القباج، في مؤتمر صحفي الانتهاء من مشروع القانون الجديد الخاص بتوحيد جميع برامج الدعم. ومنذ بدء العام الجديد 2020، نشرت جميع صحف ومواقع النظام وفضائياته  تقارير عن مزايا الدعم النقدي، وذلك لتهيئة المجتمع للقبول بهذه التحولات الجوهرية في منظومة الدعم. لكن جرى تأجيل هذه المخططات بناء  على توصيات أمنية في أعقاب انتفاضة سبتمبر 2019م. وهي الانتفاضة التي تجددت في سبتمبر 2020 أيضا؛ الأمر الذي أجبر النظام على تأجيل هذه المخططات.

وفي منظومة الدعم العيني المطبقة حاليا يحصل كل مواطن على سلع تموينية بخمسين جنيها، زائد خبز مدعم عبارة عن خمسة أرغفة لكل فرد يوميا، بما يساوى تسعين جنيها أى أن كل مواطن مستحق الدعم، يحصل على سلع تموينية وخبز بحوالى ١٤٠ جنيها.  وتغري الحكومة المواطنين بقبول التحول إلى الدعم النقدي عبر  ترويج شائعات (حتى الآن) حول زيادة حصة المواطن من ١٤٠ جنيها، إلى ٢٠٠ جنيه، وهو ما يثير شكوك المواطنين؛ ذلك أن توجهات وسياسات الحكومة هي الأخذ لا العطاء ونهب حقوق المواطنين لا حمايتهم.

وتقوم فكرة "الدعم النقدي المشروط"  على  وضع مبلع مالي في البطاقة التموينية يساوي بحسب مخصصات عدد الأفراد بها وتصبح مثل «الكريديت كارت» يشترى بها السلع الغذائية المدعمة من أى مكان، ولا يمكنه أن يشترى بها أى سلع أخرى مثل السجائر مثلا. ويبلغ إجمالي عدد البطاقات للمستفيدين من منظومة الخبز الجديدة 22.5 مليون بطاقة بإجمالي 64 مليون مستفيد، فضلا عن 73 مليون مستفيد من صرف الخبز المدعم. لكن عدم ربط ذلك بمستويات التضخم يعني أنه مجرد ذريعة للحكومة من أجل إلغاء الدعم والتهرب من الاستحقاقات الدستورية والقانونية بدعم الفقراء والطبقات المهمشة وهذا عين توجهات النظام التي عبر عنها السيسي مرارا وتكرارا؛ لذلك لا يثق الشعب بالحكومة ولا خططها ولا سياساتها.