كان تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر عن صندوق النقد الدولي في 25 يناير 2022م، تضمن تفاؤلا بشأن الاقتصاد المصري وتشاؤما بالنسبة للاقتصاد العالمي؛ إذ رفع «الصندوق» توقعاته بشأن نمو الاقتصاد المصري في عام 2022 فيما خفض توقعاته عن نمو الاقتصاد العالمي. ورفع «الصندوق» في تقريره الأخير توقعاته بشأن نمو الناتج المحلي الإجمالي في مصر في العام الحالي ليصل إلى 5.6% مقابل توقعات بـ5.2% في تقرير أكتوبر الماضي؛ الأمر الذي عزاه خبراء إلى عدة أسباب، أبرزها التعافي النسبي لقطاع السياحة خلافا لتقديرات الصندوق السابقة في أكتوبر 2021 والتي تضمنت توقعات متشائمة بشأن قدرته على التعافي. السبب الثاني هو تحول مصر من دولة مستوردة للنفط إلى دولة محايدة في استهلاكه لأنها لم تعد دولة مستوردة للنفط بالقدر الذي كانت عليه قبل سنوات، بسبب اعتمادها المتزايد على الغاز الطبيعي الذي باتت تتمتع بمخزون كبير منه من ناحية، وزيادة استثماراتها البترولية في قطاع تكرير المواد البترولية من ناخية أخرى، لذلك لم تعد مصر من الدول الأكثر تأثرا بارتفاع أسعار النفط عالميا. السبب الثالث هو ما أشارت إليه بيانات الحكومة المصرية قبل أيام بشأن ارتفاع صادرات مصر غير البترولية بنسبة 26% في عام 2021 قياسًا إلى عام 2020، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 32 مليار دولار.
لكن فريقا من الخبراء والمحللين يقللون من أهمية هذه الإشادة الصادرة من الصندوق؛ مفسرين ذلك بأن الصندوق حريص على الإشادة بالدول التي يقرضها حتى يبرهن على نجاحه في إصلاح هيكلة اقتصاد هذه الدول على خلاف الحقيقة. من جانب آخر فإن تقارير الصندون تستند إلى بيانات الحكومة المصرية وهي في الأغلب الأعم ملعوب فيها من أجل تبييض صورة النظام والتغطية على فشله المريع. وقد أشار تقرير نشره موقع "أوريان 21" الفرنسي في يناير 2022م إلى أن أرقام حكومة السيسي حول الاقتصاد مفبركة ومضللة ولا تمت للواقع بصلة. ويكتسب تقرير الموقع الفرنسي مصداقيته من معده ستيفان رول وهو أكاديمي ألماني يعمل في المعهد الألماني للشئون الدولية والأمنية. ويدلل الموقع على ذلك بأرقام النظام المعلنة عن مرضى كورونا والتي أكدت تحقيقات أن وفيات مصر أكثر بنحو 13 ضعف الرقم المعلن (22 ألفا).
أما في الملف الاقتصادي، فإن حكومة السيسي تزعم أن معدل البطالة في 2020 وقف عند 10.45 بالمئة، وهي نسبة منخفضة وفقًا للمعايير الإقليمية. مؤكدا أن نسبتها قد تصل إلى أكثر من الضعف، وفقا لخبراء سوق العمل". كما اتهم حكومة السيسي بالتلاعب في الأرقام الرسمية بشأن معدلات الفقر (29.7%) الصادر عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية عام 2020. ويعلق على ذلك أنه "من المرجح أن يكون معدل الفقر قد تم تزييفه هو أيضا". مضيفا أن هذه الأرقام "تظهر تناقضات عند تفحص إحصاءات ميزانية الدولة المصرية. صحيح أن وثائق الميزانية متاحة عموما للجمهور، غير أن المعلومات المقدمة غالبا ما تكون غير مكتملة، ولا يتم إدراج جميع الإيرادات والنفقات في القائمة. وفقا للموقع، ينطبق الأمر نفسه على الدين العام، إذ يشير تقرير الشفافية الضريبية لعام 2021 الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، إلى أن ديون الشركات التابعة للدولة لا تظهر". أما بالنسبة لديون مصر الخارجية، فقد أكدت مؤخرا المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن الأرقام المقدمة ليست ثابتة ولا متسقة. فمن خلال بناء التزامات طارئة على الخصوص، يمكن أن تحصل الحكومة على أداة جيدة لإخفاء المستوى الحقيقي لديون البلاد. ولا يتم نشر أي معلومات مفصلة عن هذا النوع من الضمانات العامة. علاوة على ذلك فإن مصر تتمتع بسمعة سيئة ومكانة متآخرة في مجال الشفافية وتداول المعلومات وتحتل المرتبة 153 من أصل 187دولة.
ويبرهن على صحة ما ذهب إليه الموقع الفرنسي، أن دراسة حديثة أعدها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في ديسمبر 2021 أكدت انخفاض دخل 91.3% من العاملين بسبب تداعيات كورونا، في حين أن 0.5% فقط زادت دخولهم بسبب الوباء. وتعددت أسباب انخفاض الدخول في فترة الوباء، ومنها فرض الإجراءات الاحترازية، والتعطل، وانخفاض الطلب على النشاط، وتوقف بعض المشاريع نهائيا. وفي يونيو2020، أجريت دراسة مماثلة أظهرت أن 73.5% من المشتغلين قد انخفض دخلهم، وأن أقل من 1% ارتفعت رواتبهم. وبلغت نسبة العاملين بعقد قانوني بالقطاع الحكومي 99%، ويليها العاملون بالقطاع العام والأعمال العام بنسبة 96.3%، في حين تبلغ النسبة في القطاع الخاص (داخل المنشآت) 29.3%، أما (خارج المنشآت) فتبلغ 1.3%، وفق تقدير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. ذلك يعني أن عددا كبيرا من العاملين بالقطاع الخاص لا يمتلكون عقودا قانونية، ومن ثم لن يكونوا ضمن من يشملهم قرار رفع الحد الأدنى للأجور. ووفق الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، يبلغ عدد المشتغلين في مصر نحو 27.169 مليون مواطن حتى الربع الثالث من العام 2021م.
كما يشكك في جدوى إشادة الصندوق بالاقتصاد المصري التوقعات التي تحذر من أزمة مالية عميقة تتعرض لها الدولة الناشئة جراء توجهات البنك المركزي الأمريكي رفع أسعار الفائدة لمعالجة مستويات التضخم المرتفعة والتي بلغت 7% في ديسمبر 2021م، وهي أعلى نسبة منذ 40 سنة؛ الأمر الذي قد يعصف بالاقتصاد المصري على نحو مؤلم من خلال هروب الأموال الساخنة لأسواق أمريكا الأكثر أمانا ليندفع نظام السيسي نحو المزيد من القروض من حلفائه في الخليج من جهة، وأسواق الديون من جهة ثانية، وإبرام اتفاق ثالث مع صندوق النقد الدولي من جهة ثالثة.