إحالة «الأمين» للجنايات.. هل فشلت زيارة السيسي للإمارات؟

- ‎فيتقارير

أحال النائب العام المستشار حمادي الصاوي السبت 05 فبراير 2022م، رجل الأعمال محمد الأمين، مؤسس شبكة قنوات "سي بي سي" إلى محكمة الجنايات لاتهامه بالاتجار في البشر واستغلال فتيات بدار أيتام «الأيدي الأمينة» المملوكة له بقصد التعدي عليهن جنسيًا، وهتك عرضهن بالقوة والتهديد، وكانت قوات الأمن قد ألقت القبض على الأمين في السابع من يناير2022، بعدما تلقت النيابة العامة بلاغًا من المجلس القومي للأمومة والطفولة في العاشر من ديسمبر 2021م.

ويمكن تفسير هذا القرار بوصفه قد يمثل انعكاسا لفشل الزيارة التي قام بها الدكتاتور عبدالفتاح السيسي للإمارات يوم الأربعاء 26 يناير 2022م، للحصول على دعم ولي عهدها ورئيس الوزراء محمد بن زايد، في ظل الأزمة المالية الخانقة التي يمر بها الاقتصاد المصري. وهي الزيارة التي الأولى ضمن عدد من الزيارات اللاحقة التي سيقوم بها الجنرال لعدد من العواصم الخليجية خلال الأسابيع المقبلة بهدف الحصول على دعم مالي يسهم في عدم تفاقم الأزمة وفقا لموقع "مدى مصر". وحتى  اليوم لا توجد ملامح واضحة لهذه الاتفاقات. وحتى تتضح هذه الملامح، يظل الوضع الراهن كما هو.  وكانت الإمارات قد رفضت في سبتمبر 2021م دعم السيسي بوضع وديعة مليارية في البنك المركزي المصري، مكتفية بالوديعة الحالية التي تبلغ 5.7 مليار دولار.  بينما تبلغ الودائع السعودية نحو 5.3 مليار دولار. ورفضت هي الأخرى منح السيسي وديعة إضافية ، واكتفت بإعادة تجديد جزء من الوديعة "3 مليارات دولار"، وبقاء 2.3 مليار كوديعة قديمة. وتبلغ الودائع الخليجية نحو 15 مليار دولار بنهاية سنة 2021م.

وتذهب تأويلات وتحليلات إلى أن اعتقال الأمين هو مؤشر على تأزم العلاقات بين القاهرة وأبو ظبي، استنادا إلى أن الأمين هو عرَّاب الاستثمارات الإماراتية في السوق السري للإعلام المصري ، من قنوات فضائية وصحف ومواقع سيطر عليها، وكان مجرد واجهة للمالك الحقيقي، وهم الإماراتيون. وبالتالي فإن اعتقاله وتوجيه تهم مشينة له رغم كل ما قدمه للسلطة من دعم وولاء، مؤشر واضح على أن العلاقات بين القاهرة وأبو ظبي تتجه نحو الأسوأ". وما يبرهن على ذلك أن التفاصيل المخزية والمثيرة للاشمئزاز نشرها الإعلام الرسمي بناء على أوامر وتوجيهات عليا صدرت من جهات رسمية وجرى توزيعها عمدا على الصحف والمواقع لنشرها بالمخالفة للقانون؛ الأمر الذي يكشف عن مرارة شديدة ورغبة متوحشة في الانتقام والتشهير والتشفي.

فما الذي فعله الأمين حتى ينتقم منه النظام على هذا النحو؟

فالاتهامات التي جرى توجيهها للأمين، حتى وإن لم تستطع النيابة العامة إثبات صحتها، أو حتى الحكم عليه بحكم مخفف، إلا أنها تبقى وصمة عار في جبين الأمين، وتستهدف شيطنته واغتياله معنويا، وستلاحقه مدى الحياة؛ الأمر الذي يبرهن على أن الأمين ارتكب فعلة شنعاء  أغضبت النظام بشدة، غير مسألة المال، والتي طالما تسببت في إطاحة النظام برجال أعمال يرفضون التنازل عن ممتلكاتهم للأجهزة، كما حدث مع رجل الأعمال حسن راتب الذي رفض التنازل عن جامعة سيناء في العريش.

الأمين حتى قبل انقلاب النظام عليه كان يحظى بمكانة رفيعة لدى أجهزته الأمنية والمخابراتية، فقد تم تعيينه في 2014، عضواً بمجلس أمناء صندوق "تحيا مصر" بقرار جمهوري من السيسي، فضلاً عن أنه يُعد "أحد أباطرة الإعلام والمال في مصر". فهو مؤسس شبكة قنوات "سي بي سي"، كما يملك شبكة قنوات "مودرن"، ووكالة الأخبار العربية AUA. وكان شريكاً في كل من فضاءيتي "النهار"، و"النهار دراما"، كما شغل عضوية مجلس إدارة شركة "عامر جروب" العقارية. وبدأ الأمين حياته في مجال البيزنس بشركة مقاولات تصنع إكسسوارات الحمامات، والمرافق المختلفة، وعمل لفترة طويلة في الكويت، قبل أن يعمل في مصر من خلال شركة استصلاح زراعي، ثم نال شهرته الكبيرة بمصر من خلال شرائه مجموعة من القنوات الفضائية والصحف، وذلك في أعقاب اندلاع ثورة 25 يناير 2011م؛ حيث طفا على السطح بشكل مفاجئ كأنه هبط بالبراشوت وفقا للأوصاف الشعبية.

الأمين يواجه تهما تصل عقوبتها إلى الإعدام وفقا لنصوص القانون؛ فهو متهم بالاتجار بالبشر (فتيات دار اليتيمات) ومتهم باستغلالهن والتعدي عليهن جنسيا، وهتك عرض بالقوة والتهديد. اللافت في الأمر أن رئيس نادي الزمالك مرتضى منصور، المعروف بعلاقته بالأمن الوطني، في خلافاته مع الأمين سنة 2017م قام بتسجيل فيديو يهدد فيه الأمين بفضح مسائل أخلاقية تتعلق بزواجه من قاصرات، وهو الفيديو الذي أعيد تداوله أخيراً بعد القبض على الأمين، ما يؤكد أن لدى الجهاز معلومات قديمة عن الأمين" قبل أن تقرر السلطات استخدامها، وسط  وسط حملة إعلامية موسّعة للهجوم عليه في الإعلام المملوك لـ"الشركة المتحدة" التابعة لجهاز الاستخبارات العامة.

وبحسب مراقبين ومحللين، فإن اعتقال الأمين لا يمكن النظر إليه جنائيا بعيدا عن السياسة والمشهد الإقليمي وتعقيداته؛ ولا يمكن فهمه إلا في سياق المخاوف التي تستحوذ على السيسي ونظامه من تغلغل النفوذ الإماراتي في مصر، لا سيما في مجال الإعلام، وقد كان جزءا من المؤامرة التي قادتها الإمارات ضد الرئيس مرسي، وكان شاهد عيان على كل ما جرى؛ وبالتالي فإنه بالغ الحذر من أن يؤتي من أصدقائه بعدما سحق معارضيه بأدوات القمع والبطش الأمني. وما توقيف المذيع توفيق عكاشة وقبله رجل الأعمال حسن راتب بتهمة الاتجار في الآثار، إلا نذرا يسيرا من شرارات الصدام الخفي وتعارض بعض المصالح بين السيسي ومحمد بن زايد. واللافت أنه جرى اعتقال حسن راتب في المطار أثناء عودته من الإمارات بعدما أجبرته الأجهزة الأمنية على التنازل عن قناة المحور التي كان يملكها، كما تم السيطرة على إمبراطورية سيد البدوي رئيس حزب الوفد السابق والذي كان واجهة للإماراتيين بوصفهم الملاك الحقيقيين لقناة الحياة التي باتت تحت سيطرة المخابرات. فالهدف هو تقليص النفوذ الإماراتي في القاهرة؛ لأن السيسي يخشى غدر أبو ظبي وخيانتها وقد كان شاهد عيان على ما جرى مع الرئيس مرسي، وجزءا من المؤامرة الكبرى التي عصفت بربيع مصر وثورتها وتجربتها الديمقراطية الوليدة. يبرهن على ذلك أن الإمارات منذ 2013، كانت تمتلك العديد من المؤسسات الإعلامية في مصر، واستحوذت الاستخبارات العامة عليها بعد ذلك، بحيث لم يتبق للإمارات في مصر سوى قناة "الغد" التي يديرها القيادي الفلسطيني المفصول عن حركة "فتح" محمد دحلان، والتي تبث من مدينة الإنتاج الإعلامي في القاهرة، وموقع "المدار" الذي يديره المذيع المقرب من نظام السيسي نشأت الديهي.

من جانب آخر، فإن الإجراءات القمعية التي تجري في الوقت الراهن  بحق رجال عمال، تحمل مجموعة من الرسائل، أبرزها "إظهار العين الحمراء"، لكافة رجال الأعمال، خصوصاً أن ملفات الكثيرين منهم مليئة بالمخالفات التي يمكن تحريكها في أي وقت. وبالتالي فإن من سيظهر منهم أي ممانعة أو رفض لطلبات أجهزة السيسي الأمنية بشأن المساهمة في حل أزمة التمويل الحالية التي يواجهها النظام لن يتم التهاون معه، خصوصاً أن الدولة تغاضت لسنوات عن مصادر ثروات هؤلاء، وحجم المخالفات المرتكبة. فهناك حالة من الفزع بين عدد من رجال الأعمال، يمكن القول إنهم من رجال الصف الأول الذين يدعمون النظام منذ 30 يونيو 2013، وبعضهم في مفاوضات مع أجهزة سيادية بالدولة منذ نحو ثلاثة أشهر أو أكثر، بشأن تأمين حصص شراكة بينهم وبين تلك الأجهزة في مشروعات مملوكة لهم". هذه الإجراءات قد تحقق مكاسب سريعة للنظام، لكنها سوف تؤدي لاحقا إلى كوارث لا تحمد عقباها. لا سيما في ظلّ حالة القلق والخوف التي تنتاب الكثير من رجال الأعمال المصريين، أو المستثمرين الأجانب جراء مثل تلك الخطوة". وقد  يلجأ رجال أعمال كبار خلال الفترة المقبلة لإخراج ثرواتهم إلى خارج مصر، والتوجه لأسواق أخرى أكثر أمناً ليكونوا جاهزين للحظة الغضب عليهم من جانب النظام السياسي. أما على صعيد الاستثمارات الأجنبية فما يحدث يعني أنه لا يوجد أمل في جذب أية استثمارات في هذا الصدد".