في ظل انعدام قيمة التعليم في عموم مصر، بسبب ما يعايشه المصريون من أزمات نقص المقاعد ونقص المعلمين وعدم طباعة الكتب الدراسية وعلاء المصاريف التي تفوق قدرة أولياء الأمور، وتراجع مستويات الطلاب، باتت المدارس مجرد ديكور في مصر، وكأن هناك تعليما، وهو ما انعكس على أغلب طلاب المدارس سواء الإعدادية أو الثانوية، الذين بات حضورهم للمدارس مجرد وقت ضائع، وإنما مضطرين إليه لإتمام أوراقهم الثبوتية أو أداء امتحانات مقررة عليهم.
الظاهرة فاقمتها الأزمات الصحية التي تضرب المصريين، وقصور الحماية الصحية التي توفرها الدولة، مع تفشي الإصابات بكورونا، وهو الأمر الذي تريد حكومة السيسي الاستفادة منه ماليا، وليس علميا ومهنيا ، وليس لصالح الطلاب أنفسهم، حيث تسعى حكومة السيسي لإقرار غرامة مالية تفرضها على أولياء الأمور مع حرمانهم من الاستفادة من الخدمات العامة التي تقدمها الدولة ، لحين دفع الألف جنيه المقررة غرامة، مع كل خطاب إنذار مدرسي للطالب المتغيب، مفاقمة الأزمات المالية على الأسر.
حيث يبدأ برلمان العسكر مناقشة تعديلات قانون التعليم الذي تقدمت به حكومة الانقلاب، لتقنين الجباية الجديدة، تحت شعار تطوير التعليم وفي الأصل لقتل أولياء الأمور كمدا، وعدم علاج أصل المشاكل التعليمية.
ونص تعديل قانون التعليم على فرض غرامة مالية تراوح ما بين 500 و1000 جنيه ، على ولي أمر الطفل، في حال تخلفه أو انقطاعه عن الحضور إلى المدرسة، من دون عذر مقبول خلال أسبوع من تسلم إنذار بالغياب، وتكرار الغرامة باستمرار تخلف الطفل عن الحضور.
وكانت لجنة التعليم أوصت ، برفض مشروع القانون لأنه محاط بشبهات عدم الدستورية، قائلة في تقرير لها، إن "التعديل لا يعالج ظاهرة الغياب عن المدرسة، بل يؤدي إلى زيادتها، لأن العقوبات الواردة به وتكرارها غير مناسبة للأسر ومبالغ فيها، كما أنها لا تعالج الأسباب الحقيقية لظاهرة الغياب بصورة فاعلة".
وأضافت اللجنة في تقرير لها "الأثر المترتب على هذه العقوبات قد يمتد إلى الأسرة بالكامل، ويعوقها عن إشباع الاحتياجات الأساسية للطفل، وأنه لا يجوز قطع أو حرمان ولي الأمر من حقه في الاستفادة من المرافق العامة للدولة، التي هي حق من الحقوق الأساسية للمواطن".
ونص التعديل على "تعليق استفادة ولي الأمر الذي يتغيب ابنه عن المدرسة من دون عذر من خدمات الهيئات العامة، ووحدات القطاع العام، وقطاع الأعمال العام، والجهات التي تؤدي خدمات مرافق عامة، حتى عودة الطفل إلى المدرسة؛ ويصدر بتحديد تلك الخدمات، وقواعد وإجراءات تعليقها، وإنهائها، قرار من وزير العدل بالاتفاق مع الوزراء المختصين".
ونصت المادة 19 من الدستور المصري على أن "التعليم إلزامي حتى نهاية المرحلة الثانوية، أو ما يعادلها، وتكفل الدولة مجانيته بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية، وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4% من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية".
ومع تغلغل إستراتيجيات الجباية بالمجتمع المصري، صار كل شيء لدى السيسي ونظامه هو الإجبار القسري على دفع الأموال للنظام المتعطش للجباية، وإهدار المليارات في مشاريع فنكوشية ومظهرية ومرفهاتية لطبقة رجال الأعمال والعسكريين والأثرياء، ما فاقم أزمات مصر المالية، من نقص عملات صعبة وتراجع القوة الشرائية للجنيه لتدخل مصر دوامة القروض والديون بشكل عاصف.
ووفق خبراء بالتربية والتعليم، فإن علاج أزمات التسرب من التعليم والغياب المدرسي، يمكن علاجها عبر وسائل تحفيزية وبناء حوار بين الأسر والإدارات التعليمية وحل أزمات ومشكلات الطلاب التعليمية، سواء من نقص المقاعد الدراسية وتعطل وسائل التكنولوجيا التعليمية بالمدارس، أو غياب قواعد النظافة والسلامة والأمان، وتيسير المناهج، وعلاج أزمات الدروس الخصوصية الناجمة عن غياب الشرح الوافي للمناهج الدراسية بالمدارس، وغياب الرقابة على المعلمين ، وانتشار وسائل عدم الأمان حول المدارس، وانتشار التنمر والمعاكسات والابتزاز الإلكتروني بين بعض المعلمين والطالبات وغيرها من الظواهر السلبية التي تزيح الطلاب عن المدارس، وتفقد أولياء الأمور الثقة في العملية التعليمية من جذورها، والتي يزيدها السيسي بسياساته القذرة، من رفع المصاريف ومنع طباعة الكتب الدراسية، وتقليص ميزانيات التعليم، التي اشتكى منها حتى وزير التعليم طارق شوقي، بطلبه 8 مليار جنيه لتطبيق منظومة التعليم الإلكتروني وتوفير معلمين بالمدارس، ما يتكلف 8 مليار جنيه، ولم يوافق وزير المالية إلا على 1 مليار جنيه فقط، وهو مافاقم أزمة نقص الفصول الدراسية التي تبلغ نحو 20 ألف فصل تحتاج الدولة بناءها سنويا، علاوة على عجز بلغ 350 ألف معلم ، وفق إحصاءات وزير التعليم نفسه.
ومع تعاظم المشاكل التعليمية في جميع المراحل الدراسية، تبقى العملية التعليمية خارج دائرة السيسي وكبار رجال نظامه، الذين يستثمرون في المدارس الدولية وتعليم أبناء الأثرياء فقط، لتبقى مصر أسيادا وعبيدا، ولتصبح مصر وطنا ضائعا .