لا يكاد يتوقف مسلسل الهدم الذي لم يعرفه العالم بهذه الشراهة إلا في مصر تحت سلطة دولة الانقلاب التي تعد الدولة الوحيدة في العالم، التي تمارس التطهير العرقي والجغرافي ضد الفقراء والغلابة، لطردهم خارج المدن وإلقائهم في الصحراء وعلى أطراف العاصمة من أجل التطوير الذي يحمل أهدافا أبعد من الإزالات، حيث يخطط السيسي لتقليص أعداد سكان العاصمة، وخاصة من الفقراء والمعوزين، الذين قد يمثلون تهديدا لنظام الحكم في أي لحظة.
ولعل البعد الأخطر في عمليات الفك والتركيب لأحياء مصر المختلفة، يكمن في استبدال المساكن الآيلة للسقوط أو المناطق العشوائية ، بمباني ومشاريع استثمارية، مستغلا الموقع الجغرافي لتلك المناطق التي ينشط فيها سيف الإزالات، والأغرب من ذلك هو حرمان السكان الأصليين من العودة إلى مساكنهم أو مناطقهم التي تربوا فيها، وعرض تلك المناطق التي يتم إخلاء سكانها، للمستثمرين، ولأصحاب الأموال، وهو نموذج معهود في ظل حكم العسكر، فأبراج ماسبيرو التي يجري بيع المتر فيها حاليا بأكثر من 40 ألف جنيه، بعد أن استولى عليها الإماراتيون ونجيب ساويرس بتراب الفلوس، يحرم السكان من العودة إلى تلك المناطق، التي أُجبروا على مغادرتها وتم تعويضهم بنحو 120 ألف جنيه.
وهو ما يتصادم مع نصوص الدستور المصري الذي يحظر التهجير القسري للسكان.
ولعل آلية الصندوق السيادي، التي تضاف إليه عقارات وأصول مصر يوما بعد الآخر عبر قرارات رأسمالية متوحشة، باسم التطوير أو زيادة إمكانات الدولة المالية، والذي يخصص لجذب الأجانب لشراء تلك الأماكن الحيوية وإعادة استثمارها ، بعيدا عن موازنة الدولة، بما يحرم الدولة من مليارات الدولارات لتظل موزانتها تعاني العجز والديون.
القررات الباطشة
وبعد سلسلة من القرارات الباطشة لمدن ومناطق القاهرة والجيزة والإسكندرية والصعيد، سواء في المكس أوماسبيرو والوراق والحيين السادس والسابع وألماظة والكيلو 4 ونص، وغيرها من المناطق، التي تعددت حجج إزالتها ، صدرت بالأمس قرارات جديدة طالت لأنه ناطق بالقاهرة، سيجري إزالتها، إذ أعلنت محافظة القاهرة ، السبت إزالة 3 مناطق سكنية خلال الفترة المقبلة، هي "الجيارة"، و"حوش الغجر"، و"السكر والليمون" الواقعة في حي مصر القديمة، ضمن أعمال تطوير محيط "سور مجرى العيون" الأثري، مع حصر أعداد أهالي هذه المناطق العشوائية، بهدف توفير سكن بديل لهم.
وقالت المحافظة في بيان إن "إخلاء تلك المناطق يأتي في إطار مخطط القضاء على العشوائيات، والمناطق السكنية غير الآمنة، وتنفيذ مشروع سياحي وثقافي وترفيهي عقب إزالة مدابغ سور مجرى العيون، ونقلها إلى مدينة الروبيكي للجلود، والتي تبعد 56 كيلومترا عن وسط القاهرة".
وادعت المحافظة أنه يجري حاليا تجهيز نحو 2500 وحدة سكنية في مشروع "أرض الخيالة" لاستقبال سكان المناطق العشوائية المقرر إزالتها لوجود العديد من المواقع الأثرية القريبة منها، مثل "متحف الحضارة" و"مجمع الأديان" وبحيرة عين الصيرة، وأن الخطة تستهدف كامل محيط سور مجرى العيون، وتطوير 95 فدانا خلفه بعد إزالة المباني العشوائية.
وأشارت المحافظة إلى تنفيذ هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التابعة لوزارة الإسكان مشروعات سكنية وترفيهية في هذا المكان، تشمل أسواقا تجارية ومسارح وصالات سينما ومطاعم، ضمن مشروع أحياء القاهرة التاريخية لجذب السائحين.
تطوير العشوائيات
ولعل المثير في الأمر، هو إهدار حق العودة للسكان الأصليين، حتى كعمال أو سكان على جانب من تلك المشاريع، كما تفعل جميع دول العالم، إذ بات معروفا النموذج التركي في تطوير العشوائيات، حيث يجري توفير مساكن بالإيجار للسكان في أقرب المناطق لمساكنهم، مدة تنفيذ مشروع تطوير المنطقة العشوائية، عبر شركات مدنية تقوم باستلام المناطق والبناء عليها وفق أحدث الاشتراطات العالمية ، ببناء أبراج وحولها مناطق خضراء وخدمات توفر سبل المعيشة، ويجري إعادة السكان لمناطقهم ، مع استفادة الشركات والدولة بفارق الوحدات الجديدة، حيث إن المنزل المكون من 4 شقق يجري بنا ؤه على 24 شقة مثلا، بما يحقق مكسبا لجميع الأطراف، الحكومة التي تطور حضاريا المناطق، والشركات الاستثمارية التي تبني المساكن وتكسب الشقق الكثيرة، والسكان الذين يستلمون شققا فاخرة في مناطقهم الأصلية، وهو ما يجعل كل الأطراف تخرج رابحة، بعكس مصر، التي تجري عزل فقراءها في مناطق صحراوية بعيدة عن مساكنهم وأشغالهم ومدارس أبنائهم، من أجل تفريغ القاهرة من سكانها.
ومؤخرا تشهد مناطق عدة في القاهرة، تنفيذ حملات لإزالة العقارات، والتهجير القسري للمواطنين بمزاعم التطوير، كان آخرها في شارع حسين كامل سليم بمنطقة ألماظة في حي مصر الجديدة، وحملة أخرى على امتداد الطريق الدائري الرابط بين محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية بدعوى توسعة الطريق.
ويأتي ذلك بالتزامن مع إعلام السكان في الحيين السادس والسابع بمدينة نصر، بإزالة منازلهم لبناء أبراج سكنية جديدة محلها ضمن مخطط لتطوير المنطقة؛ كما أبلغت محافظة القاهرة، بشكل غير رسمي، الأهالي في بعض شوارع منطقتي المرج وعزبة النخل، بالبدء في أعمال إزالة منازلهم خلال أسابيع قليلة لعمل محور مروري من المرج إلى منطقة رمسيس.
قوانين نزع الملكية الكارثية
ووفق خبراء يشارك السيسي جريمته، نواب وبرلمانيون، وقف خلفهم أفراد من الشعب المصري، أوصلوهم للبرلمان، الذي أقر مؤخرا، قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، يقضي بمنح السيسي، أو من يفوضه، سلطة تقرير المنفعة العامة تسريعا لوتيرة إجراءات نزع الملكية من المواطنين بشكل جبري، للانتهاء من مشاريع الطرق والجسور، ومنح المحافظين سلطة إصدار قرارات الاستيلاء المؤقت على بعض العقارات المملوكة للمواطنين في حالات الضرورة.
ولكن تهجير المواطنين من مساكنهم لإقامة مشاريع استثمارية يتعارض مع تعديلات قانون نزع الملكية للمنفعة العامة، لا سيما أن هذه العقارات ليست آيلة للسقوط، وبعض المناطق المقرر إزالتها ليست عشوائية.
إذ أن مخططات التطوير تغيب عنها الشفافية، وتتجاهل المشاركة المجتمعية، وتحاول فرض رؤية الدولة بالضغط على السكان، واستخدام القوة القاهرة على نحو واسع، ما أثار سابقا رفض الأهالي في مواقع متعددة مثل جزيرة الوراق، ونزلة السمان، وشارع ترسا في محافظة الجيزة، ومنطقة المكس في الإسكندرية، وترعة المحمودية في البحيرة.
وتزداد معاناة المصريين مع سياسات السيسي الإجرامية، التي لا ترى إلا مصالحها الضيقة على حساب المواطنين فقط، ولا ترى للمواطن حقوقا ، وتدغدغ مشاعره عبر وسائل إعلام مجرمة، ترفع شعار الوطنية وتطوير البلد ، لثني المواطنين عن التمسك بحقوقهم، ثم يسلم السيسي تلك المناطق للمستثمرين ، سواء الإماراتيين أو الخليجيين، لإقامة المشاريع الفارهة التي تخدم الأغنياء فقط، وتبعد الفقراء والغلابة عن قلب العاصمة والمدن.