دلالات تنكيل الأوقاف بإمام مسجد تحسر على غياب المصلين

- ‎فيتقارير

تصرف عجيب وغريب قامت به وزارة الأوقاف بحكومة الانقلاب، حيث قرر الوزير الأمنجي محمد مختار جمعة توقيف الشيخ مصطفى محمود إبراهيم، الإمام بأحد مساجد مديرية أوقاف محافظة مطروح، عن العمل ثلاثة أشهر إلى حين انتهاء التحقيقات معه على خلفية بثه مقطع فيديو على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" بثا مباشرا مساء الأربعاء الماضي (26 يوليو 2022) يظهر فيه خلو المسجد تماما من المصلين عقب الانتهاء من أذان صلاة العشاء وذلك  لانشغال الناس بمشاهدة مبارة المنتخب المصري لكرة القدم ضد فريق كوت دي فوار في دور الـ16 لبطولة الأمم الإفريقية المقامة حاليا بالكاميرون.

الإمام الموقوف عزا ــ  في مقطع الفيديو الذي بثه مباشرة ــ خلو المسجد من المصلين إلى وجود أعداد كبيرة من الأهالي في مقهيين مجاورين للمسجد، من أجل مشاهدة المباراة، ما دفعه إلى الخروج من المسجد بعد الأذان، ومطالبته بعض المارة بالدخول إليه حتى يتمكن من إقامة صلاة العشاء.  وأوضح إمام المسجد في الفيديو الذي نشره: "كما ترون المسجد خال إلا من الكراسي (المقاعد)… وكما تعلمون، تبث الآن مباراة للمنتخب المصري لكرة القدم… سأخرج معكم إلى الطريق حتى تروا الفرق الشاسع، وتعلموا أسباب ما نحن فيه من خذلان وفساد.. وليعلم الناس سبب ما نحن فيه من فتن ومحن وبلايا"، على حد تعبيره.

الوزير الأمنجي برر قراره الشاذ والغريب بأن الإمام أساء استخدام  مواقع التواصل الاجتماعي، وشدد جمعة على منع إمام المسجد من الصعود إلى أي منبر أو الخطابة في أي مسجد حتى انتهاء التحقيق معه، بناءً على المذكرة المقدمة ضده من مديرية الأوقاف في مطروح إلى رئيس القطاع الديني في الوزارة هشام عبد العزيز، وما ورد فيها من عدم التزامه بمدونة السلوك الوظيفي وواجبات عمله، وكذا عدم الحفاظ على هيبة وحرمة بيوت الله عز وجل، وصورة العاملين فيها. ويدعي جمعة أن شخصية العامل في الأوقاف -أياً كانت وظيفته- لا تنفصل عن طبيعة عمله، وذلك لخصوصية عمل الوزارة، ومهمتها الدينية والوطنية والإنسانية، الأمر الذي يستلزم التعامل بمنتهى الحسم مع أي مخالفة يخرج مرتكبها عن مقتضى ما تحتمه عليه طبيعة عمله، بحسب بيان صادر عن وزارة الأوقاف.

https://www.youtube.com/watch?v=SL88lQgrEsA

بالطبع ما قام به الإمام هو من صميم عمل الداعية إلى الله، لكن الوزير موظف حكومي يتبع تعليمات النظام حتى لو تعارضت مع تعليمات الله وأحكامه ونصوص القرآن والسنة؛ فالهم عنده هو أن يرضى عنه باشاوات الأمن الوطني حتى يضمن البقاء على كرسي الوزارة لأطول فترة ممكنة؛ فمختار جمعة، الذي شغل منصب عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة، تم تعيينه وزيرًا للأوقاف في 16 يوليو 2013 ضمن وزارة حازم الببلاوي، ورغم أن تلك الوزارة تقدّمت باستقالة جماعية في 24 فبراير2014، إلّا أن جمعة استمر في منصبه بالرغم من تداول تقارير عدة تشير إلى فساد جم اعترى وزارته.

ومنذ تعيينه وزيرا في يوليو 2013م،  لا يزال مختار جمعة الوحيد الباقي من تشكيل أول وزارة في أعقاب الانقلاب العسكري في يوليو 2013م؛ التي كان يرأسها حازم الببلاوي؛ فقد مضى الببلاوي وبعده وزارة إبراهيم محلب الأولى والثانية، ثم وزارة شريف إسماعيل وحاليا مصطفى مدبولي، خرج مئات الوزراء وتبدلوا وذهب رؤساء الحكومة وبقي مختار جمعة في الأوقاف رغم ثبوت اتهامه بالفساد.

وفي الوقت الذي تحدثت فيه البيانات  الصادرة عن هيئة الأوقاف في 2015م عن ملياري جنيه أموالًا سائلة، و500 مليون جنيه إيرادات سنوية، وحصر أراضٍ بقيمة 450 مليون جنيه لعام 2017، كان هناك مئات المساجد في أنحاء الجمهورية مغلقة، لحاجتها إلى إحلال وتجديد؛  ما دفع الكثيرين إلى طرح تساؤلات مهمة أبرزها أين يذهب ما تكتنزه وزارة الأوقاف من مليارات الجنيهات؟

وتلاحق اتهامات الفساد وزير الأوقاف في كثير من التهم؛ منها شقة الوزير الفاخرة ، حيث تلقت الرقابة الإدارية بلاغًا بالفساد المالي لرئيس هيئة الأوقاف السابق، الدكتور صلاح الجنيدي، واستغلال نفوذه لتجهيز شقة فاخرة بالمنيل على نيل القاهرة، تابعة لوزير الأوقاف، من أموال الوقف الإسلامي، إلا أن النيابة بعد التحقيقات، طالبت فقط بتقديم الجنيدي استقالته، دون أن ترفع تقريرًا بإدانة جمعة الذي استغل نفوذه الوظيفي بالضغط على مدير الوقف بالوزارة. وفي 23 أغسطس2015 كشف تقرير الإدارة المركزية للتفتيش المالي التابع لوزارة المالية أن مختار جمعة قام بإرسال زوجته ونجله لأداء مناسك الحج على نفقة الوزارة الخاصة في مخالفة للقانون.

كما أعلنت وزارتا الأوقاف والتموين عن صكوك الأضحية بقيمة 1200 جنيه، نظير ذبح الأضحية للمواطنين، وبعد أن حصّلت الدولة 16 مليون جنيه قيمة تلك الصكوك، ظهر على السطح اتهامات طالت وزارة الأوقاف، بسبب ما حصلت عليه من أموال الفقراء، بينما لم تذبح الأضاحي، بل قامت بشراء لحوم مجمدة بالتعاون مع التموين، لا تتجاوز صلاحيتها خمسة أيام. كما كشفت قيادات في وزارة البترول عن تعيين ابنة مختار جمعة في الوزارة، على الرغم من صدور قرار داخلي في شركات البترول بوقف التعيينات، في وقت أكد فيه رئيس الهيئة العامة للبترول، أنه غير مسئول عن تعيين ابنة وزير الأوقاف، وأن تعيينها جاء بقرار مباشر من وزير البترول طارق الملا.

من جانب آخر، فإن سلوك وزير الأوقاف يتسق تماما مع توجهات النظام الرامية إلى إغراق المصريين في وحل اللهو والترفيه وتهميش ملامح الهوية الإسلامية من أجل خلق أجيال جديدة ضعيفة الارتباط بالإسلام  وقيمه وأحكامه، وفي 2020 شن الجنرال عبدالفتاح السيسي حربا ضارية على المساجد وهدم العشرات منها بدعوى أنها بنيت بالمخالفة للقانون؛ رغم أنه في 2016م سن قانونا خاصا لتقنين أوضاع الكنائس المخالفة!