يعلم مصطفى مدبولي، رئيس مجلس وزراء حكومة الانقلاب، أنه مجرد واجهة ستارة ينفذ من خلالها السفاح السيسي سياسات القمع والتنكيل بالمصريين، ويعلم أيضا أن وظيفته هكذا تتطلب أن يكون أسفنجة لتنظيف وتلميع بيادة العسكر، وعلى هذا الأساس هاجم تصنيفات المؤسسة الأمريكية "فريدوم هاوس" و"مراسلون بلا حدود" و"هيومن رايتس ووتش"، والتي أفادت بتردي ترتيب مصر في ملف حرية التعبير والصحافة.
اعتقال عشرات الصحفيين وتجفيف منابع مهنة الصحافة، كانت سببا كافيا لمنظمة مراسلون بلا حدود، لتقول إن "السفاح السيسي، أبدع على مدار سنوات الانقلاب في ابتكار أساليب متنوعة لقمع حرية التعبير والصحافة، بل وتكميم أفواه المفكرين المعارضين؛ لضمان أكبر قدر ممكن من استقرار جمهورية الانقلاب الجديدة".
عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية
شعار صدحت به حناجر الشباب المصري منذ 11 عاما في شوراع وميادين القاهرة ومختلف المدن المصرية، لكن المفارقة أن ما خرج يطالب به الشباب في ثورتهم التي تُوجت بالإطاحة بالمخلوع مبارك، قد تحول إلى كابوس فعلي وواقع مرير، فضاع العيش وأكلت عصابة الانقلاب لقمة الفقير، فيما ازداد اختلال ميزان العدالة الاجتماعية، ورفع العسكر الدعم وحرر سعر الجنيه، وذهب بعيدا في سياسات وتشريعات ومشروعات اقتصادية تصب في مصالح الأغنياء على حساب الفقراء الذين سحقتهم أقدام العسكر الثقيلة بلا هوادة.
أما هامش الحريات، فقد بات المصريون يتحسرون على الصحافة والإعلام في عهد مبارك، وعلى ذلك الهامش الضيق الذي انتهى تماما، في ظل قبضة أمنية حديدية تساندها السلطة التشريعية بسلسلة من القوانين والتشريعات المكبلة للحريات، التي تحولت معها مصر في عهد العسكر إلى سجن مظلم مخيف لا يسمح فيه حتى بالضجر أو الشكوى.
ولم يكن حجب مئات المواقع الإلكترونية، وأغلبها مواقع صحفية وإخبارية، وسجن عشرات الصحفيين ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، وتلك التهم الفضفاضة والحبس الاحتياطي المفتوح والاختفاء القسري لشهور وربما سنوات، سوى سيف مسلط على رقبة كل صاحب كلمة أو رأي مخالف لعصابة الانقلاب التي لم تعد تسمع إلا نفسها ولا تسمح بغير ذلك.
وأكدت منظمة "مراسلون بلا حدود" أن قمع حرية الصحافة في عهد السفاح السيسي له أبعاد مخيفة، مشيرة إلى أنه يقبع في سجون الانقلاب أكثر من 25 صحافيا نقابيا حتى الآن، بدون تهم أو أحكام شرعية، فضلا عن 80 صحفيا ومصورا ومعد برامج للقنوات التلفزيونية لا يحملون كارنيه نقابة الصحفيين.
وحلت مصر على رأس "القائمة السوداء"، التي أعدتها منظمة مراسلون بلا حدود، لحرية الصحافة في الدول، وهي القائمة التي تضم الدول التي يُعتبر فيها وضع الصحافة خطيرا للغاية، بعدما تراجعت مصر من المرتبة 159 إلى المترتبة 161 من بين 180 دولة على مستوى العالم في حرية الصحافة لعام 2017.
وأكد التقرير الصادر عن "مراسلون بلا حدود" أن مصر أصبحت ضمن 21 دولة على مستوى العالم، تعد الأسوأ في حرية الصحافة وتأتي على رأس القائمة السوداء التي أعدتها المنظمة بشأن حرية الصحافة.
الظروف تختلف..!
وبرر "مدبولي"، المتحدث المدني لعصابة الانقلاب، خلال لقاء لبرنامج "بلا قيود"، المذاع عبر فضائية "BBC عربي"، وجود مصر على رأس القائمة السوداء التي أعدتها المنظمة بشأن حرية الصحافة، زاعما أن "الظروف تختلف من دولة لأخرى ولا يمكن تطبيق نفس المعايير المطبقة في دول العالم المتقدمة على دول العالم النامي".
وتابع: "الظروف قد تكون مختلفة أو هناك نظرة للموضوع بصورة مختلفة، تحدثنا مع كبار مسؤولين في دول كثيرة لتوضيح الصورة، والمشكلة الحقيقية أن الصورة تكون غير مكتملة، أغلب تلك المؤسسات تستقي تقاريرها من حالات فردية لا يمكن القياس عليها، وأنه الوضع العام الموجود في الدولة المصرية".
ويعيش المصريون في مستوى قمع غير مسبوق منذ استيلاء السفاح السيسي على السلطة، من خلال انقلاب عسكري على الرئيس الشهيد محمد مرسي، وبعد مرور 10 سنوات على ثورة 25 يناير، ما يزال الخوف يكمم أفواه المصريين.
هذا ما قاله إدوارد دروبساي في مقال نشرته صحيفة "ليبراسيون" (liberation) الفرنسية، وحيال هذا الشأن، يقول شخص أطلقت عليه الصحيفة اسم (محمد) "أتذكر جيدا يوم سقوط حكم حسني مبارك، بينما كان ينظر حوله بقلق، مؤكدا أنه رغم دوي الأصوات التي تمجد السفاح السيسي، ما زال صدى اسم مبارك يتردد بين المصريين".
وخوفا من تعرضه للملاحقة في حال اكتشف أمره، اقترح محمد مواصلة المحادثة في مكان آخر، وعلى بعد 10 أمتار في مكان آمن في شقته، استأنف محمد الحديث عن قصته، موضحا أن المخبرين في الشارع بالمرصاد، أو ما نطلق عليه "المواطنون الصالحون"، وسينقلون كل ما يسمعونه إلى الجهات الأمنية، لذلك طلبت تغيير المكان".
محمد مثل عشرات الآلاف من المصريين، شارك في احتجاجات ميدان التحرير قبل 10 سنوات للمطالبة بإسقاط النظام، وتظل أحداث يناير وفبراير من عام 2011 محفورة في ذاكرته وذاكرة جميع الذين عاشوا تلك الأيام المشحونة بالأمل.
ودعت 63 منظمة حقوقية السفاح السيسي، إلى اتخاذ "إجراءات فورية لإنهاء حملة القمع الشاملة التي تشنها السلطات المصرية على المنظمات الحقوقية المستقلة وكافة أشكال المعارضة السلمية".
وقالت المنظمات إنه "من الضروري الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الأشخاص المحتجزين لمجرد ممارستهم السلمية لحقوقهم في حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع".
كما طالبت بوقف عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء، وممارسات الإخفاء القسري والتعذيب وغيرها من الانتهاكات الحقوقية والجرائم الجسيمة بموجب القانون الدولي.
ومن بين المنظمات الموقعة: منظمة العفو الدولية، و"فرونت لاين ديفندرز"، و"هيومن رايتس ووتش" وأيضا "مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان"، و"الديمقراطية في العالم العربي الآن"، و"المعهد الدانماركي لمناهضة التعذيب"، وكذلك "لجنة الحقوقيين الدولية"، و"الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان".