“في ذكرى 25 يناير”.. متى نرى حاكما عربيا ينام تحت شجرة؟

- ‎فيتقارير

فتح انتهاء حكم استبدادي استمر 23 عاما في تونس عام 2010 شهية الشعوب المقهورة للتغيير، وانتقلت عدوى الاحتجاجات لتصل إلى اليمن ومصر وليبيا وسوريا، وتتحول ثورات التغيير إلى أحداث دراماتيكية بعد ذلك.

موجة الاحتجاجات الشعبية التي أتت بعد أحداث تونس أُطلق عليها تسمية "الربيع العربي" نظرا لكون مُفجّروها من الشباب الباحثين عن الحرية والكرامة.

 

إلى القاهرة

بعد احتجاجات شعبية عارمة في تونس بدأت بإحراق الشاب محمد البوعزيزي نفسه، يوم 17 ديسمبر 2010، احتجاجا على استهداف مصدر رزقه من قبل الشرطة في ولاية سيدي بوزيد، انتهت يوم 14 يناير 2011 بهروب زين العابدين بن علي إلى السعودية.

انتقلت شرارة الثورة في 25 يناير، ويتزامن هذا التاريخ مع الاحتفال بعيد الشرطة، فنددت المظاهرات بقمع الشرطة وقانون الطوارئ، ودعت إلى إسقاط المخلوع الراحل مبارك، الذي تولى السلطة على مدار 30 عاما.

وتحت الضغط أعلن نائب الرئيس عمر سليمان، يوم 11 فبراير، تنحي مبارك عن منصب الرئاسة، إلا إنه وفي خطوة خبيثة نقل السلطة إلى عصابته المسماة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وكلفه تكليفا باطلا بإدارة شؤون البلاد، لتنتهي الثورة بعد ذلك بانقلاب 3 يوليو 2013، وتعود مصر بدعم دولي وإقليمي إلى مربع الديكتاتورية.

ومن صنعاء يوم 11 فبراير 2011، بدأت الاحتجاجات الشعبية بمظاهرات طلابية وأخرى لنشطاء حقوقيين نادت برحيل علي عبد الله صالح، الذي اضطر لإعلان أنه لن يرشح نفسه لفترة رئاسية جديد،ة ولن يورث الحكم لابنه أحمد، في 2 فبراير.

 

لبيك يا سوريا

وكانت الانطلاقة الحقيقية للثورة السورية في 18 مارس من العام نفسه، وتحت شعار "جمعة الكرامة" خرجت المظاهرات في مدن درعا ودمشق وحمص وبانياس، وقابلها الأمن بوحشية، وتحولت المظاهرات إلى أحداث دامية، ما أدى إلى انتشارها لتعم العشرات من مدن سوريا، واستمرت بعدها بالتوسع والتمدد شيئا فشيئا.

وفي 25 أبريل أطلق جيش النظام عمليات عسكرية في درعا ودوما هي الأولى من نوعها، تسببت بتحول الثورة السلمية إلى ثورة مسلحة، حولت البلاد إلى ساحة مواجهة دولية.

ومن ليبيا وقعت 213 شخصية ممثلة لمجموعة من الفصائل والقوى السياسية والتنظيمات والهيئات الحقوقية الليبية بيانا طالبوا فيه بتنحي معمر القذافي، مؤكدين حق الشعب الليبي في التعبير عن رأيه بمظاهرات سلمية دون أي مضايقات أو تهديدات من قبل النظام، فكانت الاستجابة قمعا وسجونا وتعذيبا ومطاردة وسلاحا فتاكا، حوّل الثورة السلمية إلى مواجهة عسكرية انتهت بمقتل القذافي، في أكتوبر 2011.

التطورات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة لاسيما السودان وتونس اللتان تجتازان مرحلة تحول ديمقراطي نهاية عقد من "الربيع العربي" لم تتحول إلى خريف فقط، بل أيضا إلى شتاء، تثير أسئلة جوهرية حول دور الغرب ومعهم السعودية والإمارات وكيان العدو الصهيوني ونفوذ الثورات المضادة في المنطقة.

كانت البداية بالتخطيط للانقلاب على المسار الديمقراطي في مصر، بدعم السفاح السيسي للانقلاب على الرئيس المنتخب، الشهيد الراحل محمد مرسي، وتقديم العون لكل أشكال المعارضة للرئيس مرسي، لزيادة القلاقل وعدم الاستقرار، حتى لا يتمكن من بسط نفوذه أو السيطرة على قيادة الدولة المصرية.

وكان الدعم الواضح، ولا يزال، للإعلام الذي خلق صورة ذهنية كاذبة لدى عموم الشعب المصري بفشل تجربة الإسلاميين في قيادة مصر، مع إفراز حركات مخابراتية تواجه النظام المنتخب من خلال نموذج "تمرد"، التي قام شبابها المدعوم من الإمارات بجمع آلاف التوقيعات، لرفض الرئيس المنتخب.

 

تدمير الشعوب

ودعمت الإمارات السفاح السيسي سياسيا وماليا وإعلاميا بعد توليه الرئاسة، وحصلت على امتيازات اقتصادية كبيرة، وعملت على تشويه صورة الرئيس الشهيد مرسي، وتلميع صورة السفاح السيسي على أنه رجل المرحلة في مناهجها الدراسية، وعبر القنوات الإعلامية.

وأدى ذلك في النهاية إلى تدمير أول نموذج للحكم المدني الديمقراطي في مصر، بسجن الرئيس المنتخب الشهيد محمد مرسي، وإحلال الحاكم العسكري الانقلابي مكانه، وسط بِركة كبيرة من دماء المصريين وأشلائهم المحترقة في ساحات الحرس الجمهوري، والمنصة، ورابعة، والنهضة، وغيرها من أماكن عديدة بمحافظات مصر.

وفي منتصف فبراير عام 2011، انتفض الشعب الليبي في وجه العقيد معمر القذافي، وتمكنوا من قتله بعد 8 أشهر تقريبا، واستمرت حالة اللااستقرار في ليبيا بعد سقوط النظام السابق، حيث تصدر اللواء المتقاعد خليفة حفتر المشهد الليبي بدعم من السفاح السيسي والإمارات، للقضاء على الجماعات الإسلامية المتنامية هناك.

وأرسل حلف السعودية الإمارت السيسي طائرات تجسس وسيارات دفع رباعي، وشاركوا في القصف الجوي بالطائرات، وقامت الإمارات بمساعدة السعودية على نقل 195 آلية (بيك-آب) قتالية إلى طبرق لصالح حفتر، كما دعمته بطائرات عمودية هجومية من طراز (إم آي 24 بي) بيلاروسية التصنيع، بالإضافة إلى تطوير قاعدة الخادم "الخروبة" جنوب المرج بتزويدها بالطائرات وبناء حظائر لها.

وفي سوريا دعم الثلاثي الإمارات والسعودية والسفاح السيسي العميل بشار اقتصاديا؛ حيث خاض أبناء زايد حربهم في سوريا كجزء من صراعهم الإقليمي على المنطقة، ضد أعدائهم الواضحين "الثورات العربية" وما يطلق عليه "الإسلام السياسي"، وضمن شبكاتها السياسية والعسكرية الممتدة، التي يجلس في منتصفها سمسارها وعرّابها محمد دحلان.

 

أضاعوا الفرصة

كانت الثورات العربية انتفاضات شعبية حقيقية على عقود من الأنظمة التسلطية وقمعها وفسادها والاستغلال للثروة الوطنية من عائلات وطغمات، وأخذ الانتشار السريع لهذه الثورات ومداها الجميع تقريبا على حين غرة، فالشعوب العربية، في غياب قوة عقيدية دافعة بداية، تفوقت بنفسها على الأحزاب المعارضة من الألوان كلها، فاستقطبت تعاطفا إقليميا ودوليا.

ولم تستطع البلدان واللاعبون السياسيون المحافظون من مواكبة الوتيرة السريعة للثورتين التونسية والمصرية في يناير 2011، وخشوا التحديات التي كان يمكن لهاتين الثورتين أن تأتيا بها، وأضاعوا أي فرصة كان يمكن لهما أن تحملاها.

ورحل الرئيس محمد مرسي شهيدا كما يجب أن يكون، فما لرجل مثله أن يحين أوان رحيله بغير تلك الصفة والمرتبة لتضاف بجانب غيرها من الصفات والألقاب التي ستجعله يدخل التاريخ، ليس فقط من أوسع أبوابه بل من باب لم يسبقه إليه أحد على مدى تاريخ مصر الطويل بأكمله.

كان الرئيس مرسي أول مواطن مدني منتخب ديمقراطيا وبإرادة الشعب المصري في انتخابات حرة نزيهة شهد لها العالم أجمع شرقه وغربه، وعلى مدى أعوام حياته الـ68 الحافلة بما فيها من أحداث ومحطات مشرفة، كان الحب والإخلاص للوطن هي محركها الأوحد، ليأتي يوم رحيله في ذكرى بدء جولة الإعادة بينه وبين أحمد شفيق مرشح نظام المخلوع مبارك وكأنما أراد القدر أن يكون يوم الرحيل الأسطوري بمثابة إعلان أن الرئيس الشهيد محمد مرسي كان وسيبقى في الصفحات المضيئة من سجلات التاريخ الإنساني (الرئيس الوحيد الذي استطاع أن ينام تحت شجرة).