تسريبات “المستشارين” كشفت صراع النفوذ والعوائد الاقتصادية

- ‎فيتقارير

قالت ورقة بحثية بعنوان "مصر صراع الأجهزة بين التسريبات والعوائد الاقتصادية" إن "صراع الأجهزة أمر مفروغ منه؛ لكنه قد يخبو حينا ويطفو حينا آخر، بناء على تحولات المشهد، وهو صراع على النفوذ وعوائد المشروعات الاقتصادية وليس صراع وجود".
وأوضحت أن صراع الوجود المقصود به أن يحرص كل جهاز على القضاء على الآخر، لكن ذلك لا يمنع من توظيف هذه الأجهزة لنفوذها حال جرت تغيرات كبرى في المشهد تسمح بإعادة تصميمه من جديد، فكل جهاز سيكون حريصا على توسيع سلطاته ونفوذه على حساب الأجهزة الأخرى.
وأبانت الورقة التي نشرها موقع "الشارع السياسي" أن مصر لا تتمتع بنظام حكم رشيد تلجم بالدستور والقانون أجهزتها، لكنها دولة الأوامر والتوجيهات العليا، لذلك حال وقع صراع على السلطة فلن يلجم هذه الأجهزة دستور أو قانون، ولن تتورع عن فعل أي شيء لبسط سلطانها على حساب الآخرين؛ ما يجعل مستقبل مصر مرهونا بهذه الأجهزة ومدى قدرتها على الحسم، وبسط النفوذ ومدى تشابك علاقتها بقوى أجنبية تتمتع بنفوذ واسع في مصر.
ولفتت الورقة إلى أن التسريبات الأخيرة أشارت إلى أن الأجهزة السيادية التي لها حق الرقابة (المخابرات العامة، الحربية، الأمن الوطني، الرقابة الإدارية)، لها ميزانيات منفصلة، لا رقابة برلمانية عليها؛ هذه الأجهزة اشترت هذه المنظومات، وهو أمر يمكن فهمه في إطار أن هذه الأجهزة تابعة للنظام، لكن ما لم يتم فهمه أن يشتري كل جهاز أمني هذه الأنظمة من تلك الشركات الفرنسية، كل على حدة، وهو ما ذهب بعضهم إلى تفسيره، لتسهيل مهمة كل جهاز في التجسس والتنصت على الجهاز الآخر.

 

تنصت متبادل
واعتبرت الورقة أن بين الأجهزة تجسس وتنصت متبادل بحسب تسريبات “ديسكلوز” الفرنسي في فبراير 2021؛ وهو التحقيق الذي كشف في حلقتين عن انتهاكات ارتكبها الجيش الفرنسي في مصر، إضافة إلى تسريبات أخرى كشفت أنه على مدار آخر سبع سنوات استثمر نظام السيسي في منظومة مراقبة شاملة، مشكلة من ثلاثة أجزاء، شكلتها ثلاث شركات فرنسية، عمل كل منها على هذه المنظومات بعلم من الرئاسة الفرنسية، وقدمت الإمارات الدعم المالي.
وأضافت أن شركة Nexa Technologies الفرنسية مسؤولة عن تطوير وتركيب نظام اسمه Cerebro لمراقبة شبكات الإنترنت في مصر، بينما كانت شركة Ercom-Suneris مسؤولة عن تطوير وتركيب نظام اسمه Cortex Vortex لتتبع أرقام محمول بدقة شديدة، والتنصت الفوري على المكالمات في مصر، ثم قامت الشركة الفرنسية الثالثة Dassault Système بتطوير وتسليم محرك بحث شديد التطور اسمه Exalead، وهو مسؤول عن تسليم نتائج ذكية مبنية على قواعد بيانات ومخازن معلومات وزارة الدفاع في مصر (أشبه بما يفعله غوغل من تخزين للبيانات)، وهي قاعدة بيانات ضخمة عن الناس وحياتهم، ويعتقد أنه قد تم بناؤها منذ عام 2014م.

تسريب “تحيا مصر”

وأشارت إلى أن تسريب "عبدالله الشريف"، والذي احتوى على مكالمة هاتفية بين أحد مستشاري رئاسة الجمهورية وهو لواء جيش مع مستشارة أيضا داخل رئاسة الجمهورية، وهو التسريب الذي أعاد للواجهة صراع الأجهزة؛ فمحتوى التسريب يعكس حجم الفساد في صندوق تحيا مصر.
وأضافت أنه "يعكس حجم تضارب المصالح وتقسيم الغنائم داخل القيادات العليا المقربة من السيسي وأجهزة النظام".
ويبرهن على أن إجراءات السيطرة على جهاز المخابرات العامة ــ الذي يتهم دائما بالوقوف وراء التسريبات ــ لم تنجح خلال السنوات الماضية.
وأوضحت أن "هذه التسريبات تسببت في حالة ارتباك داخل أروقة النظام وأجهزته الأمنية؛ ورغم بيان وزارة الداخلية الذي ينفي صحة هذه التسريبات ووصفها بالمفبركة، إلا أن الرواية الأمنية لم تقنع أحدا، فيما تشير تقارير إعلامية نقلا عن مصادر بوزارة الداخلية عن حركة تنقلات مرتقبة في جهازي الأمن الوطني والمخابرات العامة، خلال الفترة القريبة المقبلة، وذلك بناء على تقارير أداء، شارك فيها جهاز الرقابة الإدارية، بتكليف من مكتب رئيس الجمهورية".

على المخصصات

وقالت الورقة إن "البرهان الثالث، هو حالة الاستياء داخل جهاز الأمن الوطني ووزارة الداخلية؛ بسبب إسناد الغالبية العظمى من المشروعات الكبرى التي تجري في عدد من المحافظات، لجهات عسكرية تابعة للقوات المسلحة، في الوقت الذي تراجعت فيه مخصصات الجهاز المعلوماتي من المشروعات الجاري تنفيذها لصالح الأفرع المختلفة في القوات المسلحة".
وأبانت أن "التنافس الحاد على بسط النفوذ السياسي والاقتصادي بين أجهزة الدولة في مجمله يدور بين ثلاث جهات رئيسية، وهي القوات المسلحة، والمخابرات العامة، وجهاز الأمن الوطني، الذي يتولى الإشراف على مجموعة من الملفات الإعلامية والسياسية".
وكشفت أنه "خلال الفترة الماضية جرى استحواذ الأفرع الكبرى في القوات المسلحة على مجموعة من المشروعات الضخمة، وهو ما تبعه ترضية جهاز المخابرات العامة بمشروعات مماثلة، وهو ما أدى إلى تراجع حاد في حجم المشروعات المسندة لجهاز الأمن الوطني ليشرف عليها، ورأى قادة الأمن الوطني ووزارة الداخلية أن الكفة تميل لغير صالحهم في هذه المشروعات وعوائدها؛ فرفعت تقدير موقف إلى مكتب رئاسة الجمهورية،  أوصت خلاله، بضرورة حسم تلك الصراعات، بعد تحديد أطرافها بشكل دقيق، لعدم التأثير على صورة النظام، سواء داخليا أو خارجيا، وطالب الجهاز في تقديره بضرورة عقد لقاءات مباشرة بين الرئيس وقيادات المؤسسات السيادية المختلفة، وتوضيح الأمور لهم، والإشارة إلى حجم متحصلات وميزانيات كل جهة منها".

 

ساويرس والآثار وهشيمة
ونبهت الورقة إلى أن الصراع انتقل من داخل الأروقة المؤسسية للأجهزة إلى الصراع على ولاء رجال الأعمال،  حيث إن نفوذ الجهاز لا يكون عبر إسناد عدد من المشروعات له ولشركاته، بل أيضا من خلال إسناد حصة لا بأس  بها من المشروعات لرجال أعمال محسوبين على الجهاز؛ والذين يحقق قادة الجهاز من ورائهم أرباحا طائلة.

وأوضحت أن "العلاقة بين الأجهزة ورجال الأعمال قائمة منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك؛ لكن المشهد قبل ثورة 25يناير كان يتحكم فيه أمن الدولة".
ومن بين هذه الصراعات، صفقة استحواذ شركة “عز” للحديد لصاحبها رجل الأعمال أحمد عز، على حصة رجل الأعمال المحسوب على جهاز المخابرات العامة أحمد أبو هشيمة في شركة “حديد المصريين”، انعكاسا لصراع الأجهزة؛ لأن الأجهزة السيادية باتت تتحكم في الاقتصاد والأعمال في مصر.
وأضافت أن "تجربة  أبو هشيمة تمثل برهانا على حرص كل جهاز على تشكيل خلايا موالية له من رجال الأعمال؛ فقد نجح أبو هشيمة في تكوين علاقة قوية ببعض قيادات جهاز المخابرات بالهدايا السخية".
ورأت أن "تهميش أبو هشيمة لا يعني خروجه من المشهد كليا، بل يعني عدم الاعتماد عليه مؤخرا إلى حين، على أمل أن تحدث تغييرات تعيده إلى صدارة المشهد من جديد".
وعن تدخل جهاز المخابرات الحربية في عمليات التنكيل برجل الأعمال صلاح دياب، المحسوب على الأمن الوطني، والذي يمتلك عددا من المشروعات الكبيرة مثل مدينة نيو جيزة وشركة بيكو للاستصلاح الزراعي وعشرات المشروعات الأخرى،  ومنها جريدة المصري اليوم، التي تم إجباره على التنازل عنها قبل شهور قليلة، بعد سلسلة من الملاحقات الأمنية لأسباب متباينة.
وأضافت أن المخابرات الحربية تقف وراء صفقة عودة هشام مصطفى للمشهد من جديد. وتم التفاوض معه على العفو عنه مقابل تنفيذ عدة مشروعات بالعاصمة الإدارية دون مقابل، وهو ما وافق عليه طلعت مصطفى، فتم العفو عنه سنة 2020م، وكوفئ بعد ذلك بالحصول على أرض مشروع نور، على مساحة 5000 فدان بمدينة حدائق العاصمة، أمام العاصمة الإدارية.
وعن رجل الأعمال نجيب ساويرس، قال إنه "كأحد الذين تربطهم علاقات وثيقة وغامضة في ذات الوقت مع أجهزة السيسي؛ فساويرس تربطه علاقات وثيقة للغاية بالأمن الوطني منذ أيام مبارك، لكن تحولات المشهد ودخول أجهزة أخرى أكثر نفوذا وتأثيرا كالجيش والمخابرات، دفع ساويرس إلى تغيير ولائه والعمل على تكوين علاقات وثيقة بكل الأجهزة من أجل حماية إمبراطوريته الاقتصادية والإعلامية".
 

 

https://politicalstreet.org/4796/?fbclid=IwAR28-Ggv5qKhRyuwdYzlU8Np2koXq98qEUkxiP_EtNoVwZ-87who9Jfp-tE