"إذا اختلف اللصوص كُشفت الحقيقة" هذا ما ينطبق في قضية تهريب آثار مصر إلى الإمارات والسعودية وخارج مصر والتنقيب غير الشرعي في مناطق مصر القديمة والمناطق المجاورة للمناطق الأثرية، والتي تُباع أو تخطط دائرة السيسي الجهنمية لبيعها أو تأجيرها للإمارات، تحت شعار التطوير ، كما يحدث في نزلة السمان بالهرم بمحافظة الجيزة، ومناطق مصر القديمة.
فقد تفجرت قضية تهريب الآثار الكبرى المتورط بها مسئولون سعوديون وسفير الإمارات بالقاهرة حمد سعيد الشامسي ورجل الأعمال حسن راتب والنائب علاء حسانين ومسئولون مصريون منهم نائب رئيس جهاز الخدمة الوطنية بالجيش المصري، وقد كشفت التحقييقات حتى الآن الكثير من الفضائح الكاشفة لحقيقة الفساد الذي وصل إليها نظام السيسي ومقربوه، على حساب مصر والمصريين وتاريخهم وحضارتهم.
كما أكدت القضية أن كل شيء في مصر قابل للبيع والطرمحة على الشعب وبمساعدة أجهزة الحكم التي تعتبر مشاركة في الخيانة والجريمة، إذ أكد حسن راتب والمتهمون بالقضية أن كل ما جرى تهريبه من آثار مصر ، خرجت من مصر بعلم مسئولين رسميين وبعلم الأجهزة السيادية.
وزير الخارجية السعودي وساطة السوء
وكشفت تقارير إعلامية بمواقع عربية، أن زيارة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إلى القاهرة، أخيرا، لحضور اجتماعات اللجنة المصرية السعودية المشتركة، كانت فرصة للحديث عن تفاصيل متعلقة بالقضية، التي ينظرها القضاء المصري في الوقت الراهن، والخاصة بالتهريب والإتجار في الآثار.
إذ أن الوزير السعودي جاء إلى القاهرة حاملا رسالة مهمة، بسبب الحديث عن تورط ثلاث شخصيات سعودية في القضية، وكانت الرسالة التي حملها بن فرحان تهدف للبحث عن مخرج لهذا المأزق، والخاص بوجود أسماء المتهمين السعوديين، الذين وردت أسماؤهم في التحريات والتحقيقات.
ولعل ما يؤكد خطورة مس القضية بشخصيات مصرية وسعودية وإماراتية كبيرة، أن اجتماعات اللجنة المصرية السعودية المشتركة، والتي قيل إن "الوزير السعودي جاء لحضورها، كان مقررا أن تُعقد على مستوى نواب الوزيرين، قبل أن يُبلّغ الجانب السعودي المسؤولين في مصر، بحضور فيصل بن فرحان، لحمله رسالة رفيعة المستوى".
مشاركة الجهات الرسمية المصرية بالتهريب
وبحسب مصادر مطلعة على التحقيقات تحدثت للعربي الجديد، فقد أكد رجل الأعمال حسن راتب خلال التحقيقات، أن الآثار محل الاتهام خرجت من مصر بمعرفة جهات رسمية، ودخلت إلى الإمارات بمعرفة جهات رسمية، وأن دوره لم يكن أكثر من وسيط في هذه القضية، بل إنه كان ضحية لخلافات أكبر منه بكثير، بين مسؤولين بارزين في الدولتين، في إشارة إلى مصر والإمارات.
سفارة الإمارات من التجسس إلى الإتجار بتاريخ المصريين
وكشف المصدر أن السفير الإماراتي في القاهرة، والذي تم ترحيله مؤخرا، لم يكن وحده الشخصية الإماراتية المتورطة في القضية ، بل هناك مسؤول آخر في سفارة الإمارات بالقاهرة، تم سحبه أيضا من جانب دولته عقب تفجير القضية، بالإضافة إلى اثنين آخرين، أحدهما رجل أعمال شهير.
ويرتبط السفير الإماراتي الشامسي بعلاقة قرابة مع مستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زايد.
201 قطعة أثرية وما خفي أعظم
وكان قد تم ضبط المتهمين في القضية، وبحوزتهم 201 قطعة أثرية، منها لوحان خشبيان لتابوت منقوش باللغة الهيروغليفية، ومجموعة من التمائم تمثل آلهة مختلفة، ومجموعة أخرى من التمائم، و3 قطع حجرية مدون عليها نقوش فرعونية.
وتضمنت الآثار المضبوطة أيضا مائدة قرابين حجرية، وطبقين من البازلت أسود اللون، و4 فازات (مزهريات) مختلفة الأحجام، وإناء من الألباستر، و24 قطعة من الأواني مختلفة الأشكال والأحجام.
كما تم ضبط 3 أوان صغيرة الحجم من المرمر، وإبريق صغير الحجم أخضر اللون، و6 قطع من الفخار على شكل إناء صغير، و36 تمثالا مختلفة الأطوال، وجرى التحفظ على القطع الأثرية وإخطار النيابة التي باشرت التحقيقات.
ومطلع الأسبوع الحالي، استشعرت محكمة جنايات القاهرة الحرج في قضية الآثار الكبرى، المتهم فيها راتب، وعلاء حسانين، و21 متهما آخرين، وأحالتها إلى محكمة استئناف القاهرة لتحديد دائرة أخرى لنظرها.
واتُهم حسن راتب بالاشتراك مع حسانين في العصابة التي يديرها بتمويلها، لتنفيذ خططها الإجرامية، واشتراكه معه في ارتكاب جريمة إجراء أعمال حفر في 4 مواقع، بقصد الحصول على الآثار دون ترخيص والإتجار بها، بينما اتُهم باقي المتهمين بالانضمام إلى العصابة المشار إليها، وإخفاء البعض منهم آثارا بقصد التهريب، وإجرائهم أعمال حفر في المواقع الأربعة بقصد الحصول على الآثار دون ترخيص.
سرقات الآثار مسلسل مستمر في ظل حكم السيسي
يشار إلى أنه في أغسطس 2018، أعلنت شرطة مدينة نابولي الإيطالية ضبط 23 ألفا و700 قطعة أثرية من بينها 118 قطعة مصرية مهربة في حاوية دبلوماسية قادمة من ميناء الإسكندرية إلى ميناء ساليرنو جنوبي إيطاليا.
فيما قالت الباحثة في علم المصريات وعضو الحملة المجتمعية للرقابة على التراث والآثار الدكتورة مونيكا حنا، في تصريحات ، إنها "توصلت عبر معاينة صور القطع الأثرية المضبوطة في إيطاليا إلى أن بعضها يحمل علامات وملصقات مدون عليها أرقام للقطع تشبه تلك المستخدمة في مخازن الآثار المصرية، وهو ما يشير إلى خروج وسرقة قطع من الأواني الفخارية المضبوطة والتي تنتمي إلى حقب زمنية مختلفة وأجزاء من توابيت وعملات، وقطع قليلة تنتمي للحضارة الإسلامية، من جهة رسمية مصرية، الأمر الذي تؤيده تناقضات في التصريحات الحكومية والتعامل الرسمي مع تلك الأزمة".
والغريب أن سلطات الانقلاب علمت بالعثور على القطع الأثرية عبر الشرطة الإيطالية، لكنها لم تتحرك إلا بعد شهرين من كشف صحيفة إيمولاأوجي imolaoggi الإيطالية عن تهريب القطع الأثرية المصرية لترد السلطات المصرية عبر بيان صحفي نفي صفة الدبلوماسية عن الحاوية التي هُربت فيها الآثار.
وبحسب مصدر بمطار القاهرة، تحدث لوسائل إعلام عربية شريطة عدم ذكر اسمه، باتت الحقائب الدبلوماسية أسهل طريقة لتهريب الآثار من مصر، عبر سفارات من دول مختلفة يعمل فيها دبلوماسيون متورطون في هذه الأعمال.
وأوضح أنه "بعد الثلاثين من يونيو 2013 وسيطرة الجيش أصبح للقوات المسلحة نفوذا واسعا داخل المنافذ الجوية والبحرية والبرية لمصر، إذ يكفي أن يقوم ضابط من رتبة كبيرة بإحضار ما يفيد بأن شحنة ما، سواء واردة أو صادرة، تابعة للقوات المسلحة، حتى يتجاوز رجال الجمارك عن تفتيشها، وبهذه الطريقة يمكن لأي شخص تهريب أي شيء، سواء من داخل مصر إلى خارجها أو العكس".
وبحسب مُخلّص جمركي كان شاهدا على أكثر من صفقة تهريب، إحداها كانت عبارة عن شحنة ضخمة من الأدوية الواردة إلى مصر، وتم الاتفاق مع ضابط على أن يُحضر شهادة تفيد بأن الحاوية التي تحمل الشحنة واردة للقوات المسلحة، ثم يقوم الضابط باستلامها في مطار القاهرة وتسليمها لأصحابها خارج الدائرة الجمركية، وكضمان لصاحب الشحنة يقوم الضابط بتوقيع شيك بنكي بقيمة الصفقة لصاحبها، وعقب خروجها يقوم بإعادة ذلك الشيك مرة أخرى للضابط، وهي طريقة متعارف عليها بين المهربين.
قائلا "تهريب الآثار لا يختلف عن تلك الطريقة ويتم إما عن طريق الحقائب الدبلوماسية، أو عن طريق إدعاء كون الشحنة تابعة للجيش، بعد أن يوقع الضابط المتورط شيكا بقيمة الشحنة لصاحبها كضمان على عدم ضبطها وفي المقابل يحصل على عمولته قبل تنفيذ العملية وتتراوح ما بين 10 إلى 20% من قيمة الشحنة، والعمولات تكون حسب نوع القطعة الأثرية وتاريخها"، مضيفا أن الرصيف الخاص بالقوات المسلحة في أي منفذ بحري مصري، يعد منطقة محرمة على رجال الجمارك، ويمكن أن يتم تهريب أي شيء عبره.
حجم الكارثة
وتتباين التقديرات حول حجم آثار مصر المهربة، لكن أكثرها دقة هو ما أعلنت عنه وزارة الآثار عبر بيان رسمي في أغسطس 2018 إذ كشفت عن فقدان 32 ألفا و638 قطعة أثرية على مدار أكثر من 50 عاما مضت، بعد أعمال حصر وتوثيق للقطع المسجلة في المخازن والمتاحف المصرية.
ومؤخرا، خسرت مصر ثلاثة مليارات دولار نتيجة سرقة قطع أثرية من بعض المواقع الأثرية والمتاحف ودور العبادة منذ عام 2011 حتى عام 2014، بحسب ما أكده تحالف الآثار (مجموعة ضغط مقرها واشنطن، تسعى لرفع الوعي حول نهب وتهريب الآثار في المنطقة العربية) وهكذا يساهم السيسي وعساكره ورجال أعماله وتحالف الشر بالإمارات والسعودية في إهدار آثار مصر، وكله تحت شعار "تحيا مصر" ثلاث مرات.