أصدر وزير الداخلية بحكومة الانقلاب، محمود توفيق، قرارًا بإنشاء ستة سجون عمومية جديدة بمنطقة وادي النطرون، وفقًا للقرار رقم 2277 لعام 2021، المنشور في عدد الوقائع المصرية الصادر يوم الأحد 05 ديسمبر 2021م. ولم يوضح القرار إن كانت تلك السجون ضمن مجمع سجون وادي النطرون الجديد الذي جرى افتتاحه أكتوبر 2021، أم أنها سجون جديدة سيتم بناؤها.
قرار الداخلية الذي نشرته الجريدة الرسمية (الوقائع)، الإثنين 6 ديسمبر، وينص القرار على عمل تلك السجون كمراكز للإصلاح والتأهيل، تنفذ بها العقوبات المقيدة للحرية وفقاً لأحكام القانون رقم 396 لسنة 1956 بتنظيم السجون.
وسيضاف المجمع الجديد إلى 35 سجنا جديداً أنشئت بعد انقلاب 3 يوليو 2013م، ما يرفع إجمالي عدد السجون في البلاد إلى 78 سجنا. وكان رئيس الانقلاب الجنرال عبدالفتاح السيسي، قد أعلن في اتصال هاتفي بالتليفزيون الرسمي، في الأول من أكتوبر 2021، أن مجمع السجون لن يكون الأخير، قائلاً: "إحنا هنفتح أكبر مجمع سجون، وده واحد من 7 أو 8 هيتم افتتاحهم، واحنا جايبين نسخة كاملة من النسخة الأمريكية".
ويرى الباحث والمحلل السياسي ماجد مندور أن حملة الدعاية الضخمة التي صاحبت إعلان وافتتاح السيسي سجنا كبيرا على الطراز الأمريكي تبعث برسائل وإشارات مقلقة. موضحا أن السجن الجديد الذي يستوعب 34 ألف سجين هو واحد من 8 سجون جديدة وكبيرة يعمل النظام على الانتهاء منها؛ ما يعني أن النظام يعمل على مضاعفة عدد السجناء في مصر ليصل إلى عدة مئات آلاف، بينما عدد السجناء حاليا يصل إلى نحو 114 ألفا.
ويشير مندور في مقاله المنشور بموقع "ميدل إيست آي" البريطاني في نوفمبر 2021، إلى أن إعلان السيسي في سبتمبر 2021م أن الحكومة ستفتتح قريبا مجمعا ضخما للسجون. وقال: "إننا نعمل على إنتاج نسخة أمريكية كاملة. سيقضي السجناء في المجمع عقوباتهم بطريقة إنسانية"، يمثل رسالة قلق؛ ذلك أنه كان من المقرر أن يكون هذا أول سجن من بين ما يصل إلى 8 سجون ضخمة لم يتم بناؤها بعد. وتم بالفعل افتتاح المجمع الشهر الماضي وسط ضجة كبيرة اعتبرت أن هذه الخطوة تمثل تحولا في طريقة معاملة السجناء، وتحويل التركيز من العقوبة إلى إعادة التأهيل. وصاحب ذلك حملة دعائية تضمنت إعادة تسمية هيئة السجون المصرية باسم "هيئة الحماية الاجتماعية".
لكن بحسب مندور فإن إلقاء نظرة أعمق على هيكل السجن الجديد والتعديلات الأخيرة على قوانين مكافحة الإرهاب، تشير إلى هدف أكثر سلبية وهو إضفاء الطابع المؤسسي على القمع والتوسع المحتمل في عدد نزلاء السجون.
"3" رسائل مقلقة
وراح الكاتب يحلل المغزى السياسي من افتتاح مجمع السجون الجديد.
من ناحية أولى فإن أبرز سمات مجمع السجون الجديد هي حجمه وتصميمه وعزلته واكتفاءه الذاتي، ولا يبشر أي منها بالخير لنزلاء السجن. وتم بناء المجمع على مساحة 219 هكتارا، ما يجعله أكبر سجن في تاريخ مصر، بسعة تقدر بنحو 34 ألف سجين، بافتراض عدم وجود اكتظاظ. وسيسمح افتتاحه للنظام بإغلاق 12 سجنا من أصل 78 على مستوى البلاد. وإذا كان هذا بالفعل واحدا من 8 سجون، ولكل منها سعة مماثلة، فقد يرتفع إجمالي سعة السجون في البلاد إلى عدة مئات من الآلاف. وفي الوقت الحالي، يُقدر إجمالي عدد نزلاء السجون بـ120 ألفا، بما في ذلك 60 ألف سجين سياسي. وورد أن السجون المصرية المكتظة تجاوزت طاقتها الاستيعابية بنسبة 300% منذ أكثر من عام. ويبدو أن النظام يقوم الآن بإنشاء البنية التحتية المادية لزيادة سريعة في نسق الحبس.
من جهة ثانية فإن من مؤشرات القلق أيضا أن الهيكل القاسي للسجن الجديد يشير إلى احتمال استمرار ممارسات النظام التعسفية. ويبدو أن تصميمه يتضمن عددا كبيرا من زنازين الحبس الانفرادي، وهي ممارسة منتشرة في السجون المصرية. وقد احتُجز الرئيس الراحل "محمد مرسي" في الحبس الانفرادي منذ اعتقاله حتى وفاته عام 2019، فيما وصفته الأمم المتحدة بأنه "قتل تعسفي بموافقة الدولة". ويبدو أن المجمع يحتوي أيضا على 4 أقسام على غرار "سجن العقرب" سيئ السمعة، الذي يشتهر بارتكاب كثير من الانتهاكات فيه. وأخيرا، فإن عزل السجن واكتفاءه الذاتي يهددان بتعزيز قدرة قوات الأمن المصرية على ارتكاب الانتهاكات بعيدا عن أعين الجمهور. ويقع السجن بوادي النطرون في الصحراء على بعد نحو 100 كيلومتر من القاهرة. ويحتوي المجمع أيضا على محاكم ومقر للأمن الوطني، ما يزيد من صعوبة زيارة عائلات النزلاء، مع زيادة العزلة الاجتماعية للسجناء الذين لم يعودوا بحاجة إلى نقلهم من حبسهم إلى جلسات المحاكمة. ويهدف الهيكل الجديد ــ بحسب مندور ــ إلى ضمان عدم تكرار عمليات الهروب الجماعية من السجون مثل ما حدث خلال انتفاضة 2011 لأن مجمع السجون يقع في منطقة نائية بعيدة عن المراكز الحضرية.
من جهة ثالثة فإن افتتاح مجمع السجون الجديد يتزامن مع مع التعديلات الأخيرة على قوانين مكافحة الإرهاب في البلاد. وقد أعطت تلك القوانين بالفعل سلطات واسعة للدولة لاتخاذ "إجراءات استثنائية" في حالة وجود تهديد إرهابي، مثل فرض حظر التجول أو إخلاء بعض المناطق. ويوسع التشريع الجديد سلطات الأمن القومي للرئيس المصري والجيش.
مفرخة للتطرف والإرهاب
وتتضافر الكثير من الأدلة والشواهد التي تؤكد أن مستويات العنف والتعذيب الوحشي الذي تمارسه أجهزة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي بحق المعارضين في الأقبية والسجون ومقرات الاحتجاز في مراكز الشرطة وأقسامها ومقرات الأمن الوطني تعتبر المتهم الأول والسبب الرئيس لانتشار التطرف والعنف والإرهاب.
قد يكون أحد توجهات النظام هو بقاء الحالة الداعشية وتغذيتها حتى تبقى لأهداف سياسية على المستويين الداخلي والخارجي؛ فعلى المستوى الداخلي تمثل الحرب على الإرهاب لافتة كبرى يوظفها النظام للتنكيل بكل خصومه والزج بهم في السجون والمعتقلات بتهم باطلة وبالغة التلفيق، ويكفي وصفهم بالإرهاب حتى يكون ذلك مبررا للسكوت عن الحقوق المدنية لآلاف المظلومين في سجون العسكر، منذ انقلاب 3 يوليو 2013م. وعلى المستوى الإقليمي والدولي، فإن هذه الحرب المزعومة تمثل برهانا من النظام على ولائه لأجندة تحالف الثورات المضادة وهو التحالف الذي يضم إسرائيل والسعودية والإمارات، وتعتبر تل أبيب هي بوابة الرضا الأميركي والغربي عموما عن النظام، وبهذه الحرب القذرة يقدم السيسي نفسه للغرب باعتباره رأس الحرب ضد الإرهاب والحركات الراديكالية التي يفضل الغرب إضعافها أو القضاء عليها نهائيا؛ ولذلك يفضلون النظم العسكرية أو الملكية المطلقة لأنها تعتبر أداة من أدوات الاستقرار الوهمي للمنطقة على أساس حماية المصالح الإسرائيلية والأمريكية والغربية بشكل عام.