حين أعلنت الإدارة الأمريكية عن قمة للديمقراطية ديسمبر 2021، ذكرت أن هدفها وضع أجندة للتجديد الديمقراطي والتصدي لأكبر التهديدات التي تواجهها الديمقراطيات اليوم.
لكن يبدو أن معايير اختيار من يشارك فيها لا علاقة لها بالديمقراطية، وأنها معايير انتقائية تتعلق بالمصالح الأمريكية لعقاب منافسين أو تلميع تجارب دول احتلتها.
بحسب تسريب أسماء الدول الحاضرة الذي نشره موقع بولتيكو الأمريكي 4 نوفمبر 2021، تم دعوة دولة عربية واحدة هي العراق التي احتلتها أمريكا وغيرت نظامها السياسي، وأشادت بانتخاباتها الأخيرة كنموذج استعماري ديمقراطي.
قائمة المدعوين لمؤتمر قمة الديمقراطية الذي يستضيفه الرئيس الأمريكي جو بايدن يومي 9 و10 ديسمبر المقبل أظهرت وجود دولة عربية وحيدة في قائمة الدول المشاركة وهي العراق.
وباستثناء العراق، تغيب جميع الدول العربية عن قمة يومي 9 و10 ديسمبر المقبل، وتعد منطقة الشرق الأوسط من بين أقل المناطق تمثيلا في هذه القمة، إذ لا يشارك منها سوى العراق وإسرائيل، وتعويض ذلك بدعوة منظمات المجتمع المدني.
اختيار العراق يبدو أنه جاء لأسباب محددة ذكرها عرضا الكاتب الأمريكي فريد زكريا في مقال بجريدة واشنطن بوست 14 أكتوبر 2021 يتعلق بنموذج أمريكي استعماري ناجح.
زكريا قال بوضوح في مقاله بعنوان النجاح الذي لا ينال حقه من التقدير الديمقراطية العراقية إن "سقوط أفغانستان المأساوي، أظهر التجربة الاستعمارية الأمريكية فاشلة، بينما نجحت التجربة في العراق".
قال "حدث شيء مهم في البلد الآخر (العراق) الذي حاولت فيه واشنطن تجربة إعادة بناء الدولة على مدى العقدين الماضيين، وكانت الانتخابات نزيهة وحرة ما يعني أن العراق على موعد مع سادس انتقال سلمي للسلطة منذ عام 2004".
تحدث عن زلزال سياسي، وما اعتبره هزيمة للمليشيات وانتصارا للدولة العراقية، في وقت شهدت الانتخابات فيه صعودا واضحا للمشاركة السنية في العملية السياسية، قبل أن تجري محاولة اغتيال رئيس الوزراء 7 نوفمبر 2021.
تلميع نموذج الاحتلال
هل دعوة العراق فقط هي محاولة لتلميع نموذج الديمقراطية الذي تريده أمريكا؟ دولة احتلتها سابقا وتتحكم في مصيرها وثقافتها ولم تصبح دولة فاشلة على غرار ما جرى في أفغانستان.
الواضح أن الصفعة الأمريكية في أفغانستان وخروجها مهزومة عسكريا وثقافيا بعودة حركة طالبان للحكم وإعادتها الأحكام والتقاليد الإسلامية التي طمسها الاحتلال أزعجت أمريكا بشدة بعدما تصورت أنها ستقيم دعائم حكم علماني في هذه البلاد الإسلامية بعد احتلالها.
لذا ركزت على العراق باعتباره تجريه أمريكية احتلالية ناجحة حتى الآن ونجح في إجراء انتخابات حرة والابتعاد نسبيا عن النفوذ الإيراني.
3 استبعادت للسيسي
بالمقابل جاء استبعاد السيسي وابن سلمان، لأنهما من الحكام الديكتاتوريين الذين يسعون لإرضاء أمريكا حتى ولو تجاهلتهم لحاجتهم لها أكثر من حاجتها إليهم.
بايدن استبعد السيسي ورفض لقاءه ثلاث مرات حتى الآن ، الأولى في الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر 2021 ثم في قمة المناخ نوفمبر ثم تجاهل دعوته في قمة الديمقراطية بواشنطن ديسمبر 2021.
سبب أخر لاستبعاد أمريكا للديكتاتوريين العرب هو هجوم الإعلام الأمريكي عليه نكوص عن وعوده واتخاذه السيسي ديكتاتوره المفضل مثل ترامب ما دعاه لإسباغ بعض المعايير الديمقراطية علي اختيار الحاضرين لذا تم استبعاد غالبية الأنظمة القمعية الديكتاتورية العربية، مثل مصر، واستبعاد تونس التي كانت تعتبر واحة الديمقراطية في المنطقة وفق التصنيف الأمريكي، بعد انقلاب قيس سعيد.
لذلك تحدث أيمن نور المعارض والمرشح الرئاسي الأسبق عبر تويتر عن أن الأيام المقبلة ستشهد إعادة ترتيب تحالفات إقليميه ودولية تضع أنظمة استبدادية عربية أمام خيار أن تغير أو تتغير.
https://twitter.com/AymanNour/status/1457230161821241348
أحد المعايير الأخرى للانتقائية الأمريكية الأخرى للديمقراطية هو استبعاد تركيا عضو حلف الناتو والمشهورة بانتخاباتها الحرة من قمة الديمقراطية لأسباب سياسية تتعلق بالغضب الأمريكي من تحرر القرار التركي بصورة تحولها تدريجيا لدولة عظمى منافسة.
معيار أخر إذا كنت ترغب في أي وقت مضى في الحصول على دليل على أن ما يسمى بـ "الترويج للديمقراطية" الأمريكية يتعلق بالجغرافيا السياسية أكثر من القيم، هو استبعاد المجر عضو الناتو وصربيا، لأنهما على قائمة المشاغبين وقريبان من روسيا.
وبالمقابل دعوة أوكرانيا وبولندا اللتان تعتبران معادتين لروسيا بشكل مناسب، ودعوة 17 من الدول الأفريقية التي تسير في فلك أمريكا، وسعت واشنطن مؤخرا لترسيخ أقدامها في بلدانها بحثا عن الموارد والفرص الاقتصادية والنفوذ.
هذه الانتقائية وعدم وضوح معايير الاختيار وقصرها على المعايير الديمقراطية دعت مجلة "بولوتيكو" لعنونة تقريرها عن أسماء الدول المسربة بعنوان "قمة بايدن الديمقراطية الكبرى عبارة عن حقيبة من الأفكار الغامضة".
وكان بيان وزارة الخارجية الأمريكية 11 أغسطس 2021 أوضح أن بايدن سيجمع مع قادة من مجموعة متنوعة من الديمقراطيات في العالم في قمتين.
"قمة افتراضية" من أجل الديمقراطية نهاية العام الجاري 2021، تتبعها قمة ثانية وجها لوجه بعد عام.
القمة الأولي (الافتراضية) تُعقد عبر الإنترنت يومي 9 و10 ديسمبر 2021، وتدور حول ثلاثة محاور رئيسية هي: مواجهة الاستبداد، ومكافحة الفساد، وتعزيز احترام حقوق الإنسان.
وبعد عام تقريبا من قمة ديسمبر 2021، سيستضيف الرئيس بايدن قمة ثانية وجها لوجه بحضور شخصيات تُدعى إلى أمريكا لتقييم التقدم المحرز في القمة الأولى وصياغة مسار مشترك في المستقبل.