بعد أيام من إلغاء حالة الطوارئ، يتجه نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي نحو تمرير عدة تعديلات تشريعية على عدة قوانين تضمن تقنين معظم الإجراءات الاستثنائية التي توجد في قانون الطوارئ بما يعني التفافا على قرار الإلغاء وتحويل الإجراءات الاستثنائية إلى إجراءات عادية نصت عليها قوانين أخرى مثل "الإرهاب" و"حماية المنشآت" و"العقوبات".
ويصوّت مجلس نواب العسكر في جلساته العامة، المقررة أيام الأحد والإثنين والثلاثاء (31 أكتوبر حتى 2 نوفمبر2021)، على حزمة من مشاريع القوانين المقدّمة من الحكومة، تستهدف في المقام الأول تكبيل حريات المواطنين، والتوسع في حالات إحالة المدنيين إلى المحاكمات العسكرية، وقوننة الإجراءات القضائية الاستثنائية، كبديل عن وقف سريان حالة الطوارئ في جميع أرجاء البلاد بقرار من السيسي.
تعديل 3 قوانين
وكانت حكومة الانقلاب تقدمت بثلاثة مشروعات قوانين لتعديل قوانين حماية المنشآت العامة والعقوبات ومكافحة الإرهاب؛ لاستمرار القوات المسلحة في مشاركة جهاز الشرطة في عمليات تأمين وحماية المنشآت العامة بشكل دائم، ومنح رئيس الجمهورية صلاحيات أوسع لفرض تدابير إضافية، وتغليظ عقوبة تصوير المحاكمات في الجرائم الإرهابية، وإجراء دراسات أو استبيانات تخص القوات المسلحة بدون إذن كتابي من وزارة الدفاع.
التعديلات السابقة وصفها نائب سابق لرئيس المحكمة الدستورية العليا ــ بحسب موقع «مدى مصر» ــ بتقنين للإجراءات الاستثنائية بموجب الدستور وليس قانون الطوارئ. وتقدمت حكومة الانقلاب بالمشروعات الثلاثة إلى مجلس نواب العسكر في 23 أكتوبر 2021 بالتزامن مع انتهاء مدة الطوارئ المفروضة على البلاد، وقبل أن يعلن السيسي عن عدم تمديد حالة الطوارئ المفروضة بقرارات جمهورية متتابعة منذ 2014 في سيناء و2017 على جميع المحافظات، وقد ناقشت لجنتا الدفاع والأمن القومي والشؤون الدستورية والتشريعية، يومي الإثنين والثلاثاء الماضيين، المشاريع ووافقتا عليها وأعدتا تقارير بالرأي القانوني لهما فيهم من المقرر عرضه على الجلسة العامة خلال تصويت النواب على التعديلات.
يتضمن التعديل الأول، حذف المادة الخاصة بمدة تطبيق قانون حماية المنشآت العامة منه، ليتم العمل به بشكل دائم شأن جميع القوانين العادية الأخرى، لتكون مشاركة القوات المسلحة لجهاز الشرطة في حماية منشآت مثل؛ محطات وشبكات وأبراج الكهرباء وخطوط الغاز وحقول البترول وخطوط السكك الحديد وشبكات الطرق والكباري.. وغيرها، بشكل دائم.
ويكون القضاء العسكري المختص بنظر جميع القضايا التي تستند لهذا القانون بشكل دائم أيضَا وليس القضاء العادي ولا النيابة العامة، على أن يعمل بهذه التعديلات بأثر رجعي بداية من الخميس الماضي الموافق 28 أكتوبر الجاري.
أما التعديل الثاني فيشمل منح (رئيس الجمهورية) عند فرضه حظر التجوال أو إخلاء بعض المناطق أو عزلها عند وجود خطر وجود جريمة إرهابية في منطقة محددة أن يحدد الجهة المختصة بإصدار القرارات المنفذة لتلك التدابير، فضلًا عن تحديده عقوبة السجن المشدد (أكثر من ثلاث سنوات وأقل من 15 سنة وتشمل تشغيل السجين) وغرامة لا تزيد عن 100 ألف جنيه لمخالفة التدابير، وإذا لم يحدد الرئيس في قراره تلك العقوبة، تعاقب المحكمة المختصة المخالفين بالسجن وبغرامة لا تقل عن 20 ألف ولا تزيد عن 50 ألف جنيه.
قيود لا تنتهي
وتشمل تعديلات قانون الإرهاب أيضًا تغليظ عقوبة تصوير أو تسجيل أو بث أو عرض أية وقائع من جلسات المحاكمة في الجرائم الإرهابية بدون إذن رئيس المحكمة إلى غرامة لا تقل عن 100 ألف ولا تزيد عن 300 ألف بعد أن كانت 20 ألف جنيه و100 ألف بحد أقصى.
أما التعديلات الخاصة بقانون العقوبات فقد تضمنت إضافة بند للمادة (80 أ) من القانون الخاصة بإفشاء أسرار الدولة للدول الأجنبية، يتضمن عقاب كل من «قام بجمع الاستبيانات أو الاحصائيات أو إجراء الدراسات لأي معلومات أو بيانات تتعلق بالقوات المسلحة أو مهامها أو أفرادها الحاليين أو السابقين بسبب وظيفتهم بدون تصريح كتابي من وزارة الدفاع»، بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن 100 ألف ولا تجاوز نصف مليون جنيه، على أن تزيد تلك العقوبة إلى السجن، إذا وقعت في زمن الحرب أو باستعمال وسيلة من وسائل الخداع أو الغش أو التخفي أو إخفاء الشخصية أو الجنسية أو المهنة أو الصفة، أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات أو كان الجاني ضابط بالقوات المسلحة أو أحد أفرادها من العاملين المدنيين بها، ويعاقب بالعقوبات نفسها على الشروع في ارتكاب تلك الجرائم.
ونقل موقع "مدى مصر" عن مصدر سابق بالمحكمة الدستورية العليا قوله إن استمرار «الوظيفة الاستثنائية» للجيش في مشاركة الشرطة لمهامها في حفظ اﻷمن وحماية منشآت الدولة الحيوية، وفي إلقاء القبض على المدنيين وإحالتهم للقضاء العسكري لا يستند إلى إلغاء قانون الطوارئ هذه المرة، ولكن إلى التعديلات الدستورية الأخيرة التي دخلت على المادة 204 عام 2019، بعد أن قضت المحكمة الدستورية بعدم اختصاص القضاء العسكري بنظر قضايا مثل التجمهر والتظاهر تطبيقا لهذا القانون.
كانت مشاركة الجيش للشرطة في مهام حفظ اﻷمن بدأت عقب انسحاب اﻷخيرة من الشوارع في يناير 2011، وتولي المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد، قبل أن تقنن تلك المشاركة في يناير 2013، بإصدار الرئيس الشهيد محمد مرسي قانون «اشتراك القوات المسلحة في مهام حفظ الأمن وحماية المنشآت الحيوية بالدولة» الذي ينص على أن «تدعم» القوات المسلحة قوات الشرطة في أداء مهمتها، حتى انتهاء الانتخابات التشريعية، وكلما طلب رئيس الجمهورية منها ذلك، مع التأكيد على اختصاص القضاء العادي بنظر الوقائع أو المخالفات التي يرصدها رجال الجيش، وهو ما تغير بعد انقلاب السيسي حيث تم تقنين محاكمة المدنين عسكريا وهو ما يخالف الدستور في بعض مواده. وفي أكتوبر 2014 أصدر السيسي قانون تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية، والذي نص على أن تتولى القوات المسلحة معاونة الشرطة في تأمين المنشآت الحيوية، مع توسيع نطاق تلك المنشآت لمدة عامين من تاريخ سريان القانون، و نص كذلك على أن تخضع الجرائم التي تقع ضد تلك المنشآت لاختصاص القضاء العسكري، وأن تحيل النيابة العامة تلك القضايا للنيابة العسكرية.
قرار صوري
كان مفترضًا أن تنتهي مدة العامين، التي نص عليها القانون، في 28 أكتوبر 2016، قبل أن يقرر السيسي في أغسطس من العام نفسه مدها خمسة سنوات، لتنتهي في 28 أكتوبر 2021، ولكن مرة ثالثة تقرر الحكومة تعديل القانون لتطبيقه مدة الحياة.
وجاء إعلان السيسي قبل أيام إنهاء حالة الطوارئ المفروضة في جميع أنحاء الجمهورية منذ إبريل 2017 مفاجئا للمراقبين، لكنه لا يعدو كونه قرارا صوريا، يعيد البلاد من حالة الاستثناء الصريحة إلى حالتها الواقعية التي تعيشها منذ استيلاء السيسي على السلطة، محتفظا بكل السلطات ومسيطرا على الجيش والقضاء والحكومة، ومستخدما جميع تلك الكيانات لترسيخ حكم فردي يرفض إطلاق الحريات العامة أو فتح المجال العام، ولا يتجه إلى تداول حقيقي للسلطة، أو انفتاح اجتماعي جادّ، في ظل دستور تم تعديله بعناية ليسمح ببقائه في الحكم من دون منافسة أو مشاركة حتى عام 2030، وحياة سياسية منغلقة عاجزة حتى عن إنتاج مجلس نواب منتخب معبِّر عن مطالب المواطنين.