رفع التحفظ عن أموال يوسف بطرس غالي.. رسائل ودلائل

- ‎فيتقارير

تسود حالة من الغضب في الأوساط الشعبية والجماهيرية في أعقاب قرار البنك المركزي برفع التحفظ عن أموال يوسف بطرس غالي، وزير المالية في عهد  الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، الذي هرب إلى لندن في أعقاب ثورة 25 يناير 2011م.

يوسف بطرس غالي متهم في قضايا فساد وإهدار أكثر من 435 مليار جنيه من أموال المعاشات “التقاعد” خلال توليه الوزارة في عهد مبارك. واعتبر كثير من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي  القرار  ضمن حلقات مسلسل “البراءة للجميع” التي حصل عيها كل وزراء عهد مبارك الذين جرت ملاحقتهم بتهم فساد وإهدار مئات المليارات لكن مافيا الدولة العميقة في القضاء تمكنت من تبرئة الجميع باعتبارهم جزءا من المافيا وشبكة المصالح التي تتحكم في مفاصل الدولة.

وكان قرار التحفظ والمنع من التصرف في الأموال السائلة والمنقولة والعقارية قد صدر عن هيئة الفحص والتحقيق في جرائم الكسب غير المشروع، في 9 إبريل 2013، بناءً على شكوى عام 2011، ووجهت إلى غالي أيضاً اتهامات بتسريب معلومات حساسة عن الحكومات المتعاقبة لدوائر صنع القرار في واشنطن، في أثناء شغله مناصب وزارية حساسة، وكانت الكثير من الروايات الرسمية قد تداولها مغردون بهذا الشأن، وهاجموا النظام الذي يحبس الشباب ويتسامح مع الفاسدين.

الرسالة الأولى التي يبعث بها نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي هي تسامحه الكبير مع الوزراء الفسدة في عهد مبارك، وصولا إلى حماية هؤلاء الفسدة والسماح لهم بالتمتع بالمليارات التي نهبوها من أموال الشعب. أما الرسالة الثانية فهي الإدراك بمدى النفوذ الواسع لأسرة بطرس غالي والمعروف عنها الخيانة منذ جدهم الأكبر بطرس غالي الذي حكم  سنة 1906م، على فلاحي قرية دنشواي بالإعدام لقتلهم ضابط إنجليزي كان قد تسبب في مقتل فلاحة مصرية من أهالي القرية وتسبب أيضا في حرق أجران القمح التي كانت تمثل الأمن الغذائي لفلاحي القرية على مدار السنة.

بعضها من بعض

كافأ الإنجليز بطرس غالي الجد على ولائه لهم ضد مصر وشعبها وعينوه رئيسا للحكومة. كما وافق بطرس غالي الجد على قرار بمد امتياز شركة قناة السويس والذي نص على أن يُجدد عقد امتياز الشركة، بحيث تبدأ التسعة والتسعون عامًا، من تاريخ توقيع العقد الجديد، فيمتد أجل الامتياز حتى 31 ديسمبر سنة2008م. وأمام خيانته الفجة اغتيل على يد شاب وطني غيور من الحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل.

أما بطرس غالي الذي تولى الأمانة العامة للأمم المتحدة في فترة التسعينات فقد كان قبل ذلك وزيرا في عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات. وكان له دور كبير في اتفاقية “كامب ديفيد” المشئومة سنة 1979م والتي أفضت إلى اعتراف السادات بالاحتلال الإسرائيلي ومشروعية ما اغتصبه من أرض فلسطين.

ويحكي محمد إبراهيم كامل في كتابه “السلام الضائع”: «من النوادر التي حدثت في ذلك الوقت، كان بطرس غالي يحكي عن خطابات التهديد التي وُجِّهت له بعد مرافقته للسادات في زيارته للقدس المحتلة سنة 1977م، ثم أردف قائلاً بالفرنسية: “إنهم يتهموني بأني الجيل الثالث من الخونة في عائلة غالي». فقلت ضاحكًا: “كيف؟ إني لا أعرف إلا اثنين فقط، هما جدك (بطرس غالي الكبير)، وأنت، فمن الثالث؟ “أجاب بطرس: فيقولون إن عمي نجيب باشا غالي، قد تورط مع الإنجليز أثناء الحرب العالمية الأولى».

 

أحد عرابي كامب ديفيد

أما الابن بطرس غالي، قبل توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة فقد كان له دور كبير في اتفاقية كامب ديفيد المشئومة، يقول موشى ديان في مذكراته: «اقترحت على غالي أن يطلب من  السادات ألا يتكلم في نقاشه مع الحكومة الإسرائيلية، عن اشتراك هذه المنظمة في المفاوضات؛ لأن رد الحكومة سيكون بالنفي، ووعدني بذلك، وفعلاً لم يذكر السادات منظمة التحرير الفلسطينية في خطابه الذي ألقاه في اليوم التالي. وعند مدخل فندق الملك داود، استطعنا بصعوبة بالغة اختراق جموع المضيفين والصحفيين. وقد رافقت بطرس غالي حتى غرفته ثم تركته وذهبت!».

وتعزو صحيفة صحيفة “إنترناشيونال هيرالد تريبيون” اختيار القوى الدولية  لبطرس غالي أمينا عاما للأمم المتحدة إلى  ثلاثة عناصر أهلتة لتولي ذلك المنصب وهي: انتماؤه إلى النصرانية، وزواجه من يهودية، ودوره  في معـاهدة السلام مع إسرائيل.

وفي بداية تولية للمنصب صرح بأن القرار 242 غير ملزم لإسرائيل. ذلك القرار الذي يطالب بانسحاب إسرائيل من مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة حيث تعتبر إسرائيل محتلة لهذه المناطق.. إن قول بطرس بأن قرار الأمم المتحدة كانت رقم 242 غير ملزم هو وصف لم تستطع إسرائيل نفسها أن تدعيه، بل كانت  تواري بالادعاء بأنها كانت في حالة دفاع عن النفس في حرب 1967 وكانت أول مرة تشير إسرائيل إلى شيء قريب مما قاله بطرس غالي، عندما خرج الإرهابي مناحم بيجين بعد اجتماعه مع السادات في الإسماعيلية ليقول في مؤتمر صحفي: “إن الرئيس السادات اعترف لي بأن قرار عبد الناصر مطالبة سحب القوات الدولية من سيناء، يحمل معنى العدوان وأن إسرائيل كانت محقة فيما اتخذته من إجراءات.”

ولا ننسى جرائم بطرس غالي عندما كان أمينا عاما للأمم المتحدة وما فعله بحق شعب البوسنة المسلم؛ ففي يوم 29 فبراير و1 مارس 1992م، ذهب المسلمون البوسنيون لصناديق الاقتراع؛ للمشاركة في الاستفتاء الخاص باستقلال بلدهم عن صربيا والجبل الأسود؛ وذلك لأن الدول الأوروبية اشترطتْ على البوسنة تصويتَ الشعب البوسني على الاستقلال؛ حتى يعترفوا بالبوسنة. أخذ الصرب الأرثوذكس يفتعلون المشاكلَ مع البوسنيين والتحرش بهم، حتى قُتل أحد الصرب الأرثوذكس في ظروف غامضة، فدخل الجيش الصربي ليسيطر على العاصمة “سراييفو” في دقائقَ معدودةٍ؛ من أجل والتشويش على الاستفتاء، ومنْع البوسنة من الاستقلال، فقاموا بتفجير عدة مساجد، وذبح مئات البوسنيين، وصرح قادة الصرب أنهم لن يعترفوا بنتائج الاستفتاء، الذي صوتتْ فيه الغالبيةُ الساحقة على الاستقلال.. وبدأت المجازر تحت رعاية الأمم المتحدة وأمينها العام بطرس غالي.

 

السكوت عن مذابح الصرب

ومع تصاعد مذابح القوات والميلشيات الصربية ضد مسلمي البوسنة والهرسك اعتذر الأمين العام للمنظمة التي يفترض فيها أن تكون “دولية” عن عدم تمكن المنظمة من إرسال قوات سلام إلى الجمهورية “المسكينة”؛ لأنه لا يملك المال الكافي لتمويل إرسال تلك القوات، مع أن الأمين “الحقير” كان قد أرسل قبل ذلك ما يقرب من 14 ألف جندي إلى كرواتيا لحمايتها من الصرب! فهل مسيحو كرواتيا أكثر إنسانية من مسلمي البوسنة حتى يستحقوا إرسال قوات سلام إليهم؟!

وفي المؤتمر الصحفي وقفت صحفية من البوسنة وقالت للأمين العام: “أنت أيضًا مذنب ومسئول عن كل سيدة اغتصبت، وكل رجل قتل”. وسألته: “كم تطلبون من ضحايا في سراييفو قبل أن تتحركوا، ألا يكفيكم 12 ألفًا؟!

ورد بطرس غالي: “إذا كنت مجرمًا فهذه مشكلتي، أنا أشاركك آلامك ولكن حالكم أفضل بكثير من عشرة أماكن يمكن بيانها لكم”. وقد علقت صحيفة واشنطن تايمز على هذا الرد بقولها: “إذا كان هذا هو كلام الصديق فلا لوم على العدو”  _وطامتنا أن اتخذنا العدو صديقًا!_ وجاء ذلك في افتتاحية شديدة اللهجة ضد الأمين العام تحت عنوان “ليست قضية معنويات” وقالت: إن زيارة الدكتور غالي للمدينة التي أراد أن يعلن بها عن تضامنه مع شعبها المحاصر زادت آلامهم، أو بنص ألفاظ الجريدة: “وَضَعَت ملحًا في جراحهم”.