لعل حملات نظام المنقلب السيسي على الآثار المصرية في الدلتا والإسكندرية ومناطق وسط القاهرة وفي الصعيد تحمل الكثير من علامات الاستفهام؛ ففي الوقت الذي ينفق المليارات لتطوير وترميم الآثار اليهودية والمعابد والأديرة التابعة لهم ومقابرهم، كما تابع المصريون قبل أشهر. يتم هدم الآثار والمعالم التاريخية المصرية بشكل ممنهج.
جهل العساكر
ويأتي عدم الإدراك والوعي بقيمة الآثار والمباني الأثرية، غير المسيسة لاسترضاء يهود العالم، ينم عن دمار لا محالة سيلاحق مصر، حتى لو بدت الإنشاءات والكباري والمباني الجديدة تسارع الزمن.
أمس الأول، صرح كبير الأثريين بوزارة الآثار مجدي شاكر بأن "قصر أندراوس باشا في الأقصر، والذي تمت إزالته نهاية الأسبوع الماضي، لم يكن مُسجلا لدى «الآثار» ولا «هيئة التنسيق الحضاري»، فيما ردت عليه رئيسة وحدة التراث والآثار بأكاديمية العلوم والتكنولوجيا، مونيكا حنا في تصريحات صحفية بأن "عدم تسجيل قصر يزيد عمره عن قرن يضع وزارة الآثار و«هيئة التنسيق الحضاري» تحت طائلة قانون حماية الآثار، والذي ينص على أن دور الوزارة يكمن في البحث عن الآثار وقيدها بالسجلات وحمايتها".
عشرات المباني
وكان شاكر أوضح أن "عشرات المباني تمت إزالتها ومن بينها القصر لأنها كانت تعرقل إنشاء طريق الكباش، بحسب مداخلة هاتفية له في برنامج «المصري أفندي» على قناة المحور".
وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، مصطفى وزيري، الأربعاء الماضي، أن "افتتاح طريق الكباش سيكون في الرابع من نوفمبر المقبل، مضيفا أن الإزالة نُفذت بقرار من محافظ الأقصر، الذي شكل لجنة هندسية لمعاينة القصر، أصدرت قرارا يفيد بأن القصر آيل للسقوط، ليصدر لهم قرارا بالإزالة. وأضاف وزيري أن تخريب القصر جاء على إثر حفائر داخلية غير شرعية قام بها «لصوص آثار» ما أنتج تصدعات في القصر".
وهو تبرير يدين حكومة الانقلاب أكثر من تبرئتها من جريمة الإزالة، حيث تركت القيم الحضارية والأثرية نهبا لعصابات الآثار، والتي كان آخرها اكتشاف من كبار شخصيات من القضاة وضباط شرطة وقيادات أمنية فيما عُرف بقضية شقة الزمالك، التي رُفع التحفظ عنها بسبب الإجراءات غير المنضبطة ما يفتح المجال لتهريب أكثر من 50 ألف قطعة أثرية بعلم الدولة التي تعطي المبرر لسرقة وتهريب الآثار لقيادات النظام بدلا من محاكمتهم بشكل مشدد لإهدارهم تاريخ مصر واستغلال وظائفهم العليا في ارتكاب الجرائم".
وقالت حنا إن "تعرض القصر لمثل تلك الهجمات من لصوص الآثار ووقوع عمليات تخريب، جاء نتيجة أن القصر مهجور لأن وزارة الآثار لم تُسجله وبالتالي لم يتم تأمين القصر بشكل كافي لمنع السرقات والحفائر أو وضع حراسة عليه".
وبحسب مرافبون فأنه "لا يوجد مبرر أن القصر الذي بُني منذ أكثر من 120 عاما، غير مسجل كأثر لدى وزارة الآثار، فتلك هي مشكلة الوزارة أنها تتقاعس عن عملها، مضيفة أن عدم تسجيل القصر يضع المجلس الأعلى للآثار تحت طائلة قانون حماية الآثار والذي ينص على أن دور الوزارة يكمن في البحث عن الآثار وقيدها بالسجلات وحمايتها".
وتكاد تجمع تبريرات حكومات الانقلاب العسكري الفاشلة على أن القرار غير صادر من الوزارة، حيث جاء تبرير قرار هدم القصر من قبل محافظة الأقصر وليس من قبل الآثار، كما يقول المسئولون في الآثار، وهو ما يعد جريمة مضاعفة".
حيث أكد شاكر أن "قرار الإزالة صادر عن محافظة الأقصر وليس وزارة الآثار، وهو التعليق الذي تكرر من مسؤولين في الوزارة، بينما يؤكد خبراء الآثار، أن القرار تم بتنسيق كامل بين الوزارة والمحافظة، «فالمكان بأكمله أثري ولا يمكن هدم طوبة إلا بعلم وزارة الآثار».
القيمة التاريخية
ويكاد يجمع خبراء أثريون على أن ما يتم تداوله أن القصر بُني بالأساس معتديا على موقع أثري وهو حرم معبد الأقصر، غير صحيحة، فمسألة الاعتداء على المواقع الأثرية التي واجهت بالقانون رقم 117 لسنة 1983 جاءت بعد بناء القصر بأكثر من ثمانين عاما، ومن المؤكد أن القوانين لا تُطبق بأثر رجعي".
بل أن ما دفع إلى تنفيذ هدم القصر بعد أكثر من عشر سنوات من الجدل حوله أن أحد المقربين من النظام يريد الاستحواذ على الأرض، فصدر قرار في 2009 من اللجنة الفنية التي كلفها وزير الثقافة الأسبق، فاروق حسني بمعاينة القصر مع المطالب الأولى بهدمه ضمن مشروع تطوير محيط معبد الأقصر، وذلك في عهد المحافظ الأسبق سمير فرج، أفاد قرار اللجنة بأن القصر "بمثابة ذاكرة وطنية للأمة يستحيل معها هدمه".
وبخلاف القيمة التاريخية يذكر أحد أعضاء اللجان الفنية التي عاينت القصر، المهندس الاستشاري طارق المري أن "القصر يتمتع بسمات معمارية مميزة، ترقى لأن يكونا أثرا مسجلا على قائمة التراث، إذ بُني بالطوب اللبن على الطراز الكلاسيكي وهي سمة مميزة لمباني أثرياء الأقصر في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وهي أمثلة نادرة بالأقصر، مُضيفا أن البيت يتضمن لوحات فريسك في الأسقف والحوائط لفنانين إيطاليين وبألوان زاهية ودقيقة من عصر الإنشاء، وهي توضح مدى الروعة والقيمة الفنية للمبنى.
كما تضمن قرار اللجنة الفنية التي ذكرت فيه أن "القصر كان بيت الأمة للمصريين في محافظة الأقصر، في أوج نشاط الحركة الوطنية المصرية بقيادة سعد زغلول في مطلع القرن الماضي".
ورثة القصر
يشار إلى أن "هناك ورثة بعضهم يعيش في مصر والبعض الآخر خارجها وأنهم بصدد رفع دعاوى قضائية للتعويض عن هدم القصر دون الرجوع إليهم".
وشهد القصر أحداثا تاريخية، في عشرينيات القرن الماضي، أثناء زيارة سعد زغلول للصعيد عبر باخرة نيلية، منع آنذاك الإنجليز باخرة زغلول من الرسو بأي من محافظات الصعيد، وعندما رست السفينة بمحافظة الأقصر أمام قصر توفيق أندراوس باشا، رفض الإنجليز نزول زغلول، لكن باستخدام حيلة دبلوماسية من جانب توفيق وشقيقه الذي كان يعمل قنصلا فخريا في الأقصر لفرنسا وبلجيكا وإيطاليا، استطاع زغلول النزول إلى البر واستضافة توفيق في القصر، ليهتف سعد زغلول «يحيا توفيق أندراوس» وهو ما ذكره تقرير اللجنة الفنية الصادر في عام 2009.
وبجانب هدم القصر الأثري، يجري التلاعب بوثائق وزارة الآثار بشكل مخالف للقانون، إذ أن هناك بعض المباني المُسجلة يتم حذفها من السجلات عبر الفساد تمهيدا للتخلص منها لإجراء مشاريع سكنية وعقارية عليها وهو ما يقود مصر لفقد الآلاف من المباني الأثرية بمصر، في ظل حكم العسكر.