أصدر قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي قرارين قبل أيام، بتعيين 411 مستشارا بمجلس الدولة، من خريجي كليات الحقوق والشرطة والشريعة والقانون دفعتي 2016 و2017، بينهم قرابة 50 مستشارا سبق وقرر تعيينهم في النيابة العامة في شهر أبريل الماضي"2021"م. بهذه التعيينات خالف السيسي قراره الخاص بوقف الجهات والهيئات القضائية على إعادة تعيين المستشارين الذين سبق وتم تعيينهم في جهات قضائية أخرى بزعم إفساح المجال للمزيد من الخريجين الجدد.
وبحسب موقع "مدى مصر" فإن أغلب المعينين هم من أبناء المستشارين وعلى رأسهم حسام عمر الخطاب مروان نجل وزير العدل، إلى جانب أبناء ما يزيد عن 70 مستشارا بمجلس الدولة إلى جانب عدد من أبناء مستشارين بمحاكم مصر المختلفة، وضباط الشرطة.
وأشار الموقع إلى أن أبرز ما ميز القرارين الجمهوريين الأخيرين هو تضمنهما لعدد كبير من معاوني النيابة العامة الذين عينهم السيسي في النيابة العامة في 12 أبريل الماضي، في مجلس الدولة وهي الجهة المفضلة للكثير من الراغبين في العمل بالسلك القضائي. ويستند السيسي في تعييناته إلى التقارير الأمنية "الأمن الوطني" في المقام الأول قبل أن يصدق عليها السيسي، وتؤكد بعض المصادر أن بعض أبناء المستشارين والقضاة يتم استبعادهم لاعتبارات أمنية وأخرى تتعلق بالولاءات السياسية، بغض النظر عن التقديرات الحاصلين عليها.
من جانب آخر فليس من حق السيسي التحكم في تعيينات القضاة لأنها بالأساس من اختصاص المجلس الأعلى للقضاء والمجالس العليا لتلك الهيئات القضائية. لكن أخضع الأعلى للقضاء للسلطة التنفيذية التي باتت المتحكم الأول في كل ما يتعلق بالقضاء وبذلك يوظف النظام هذه التعيينات لتكريس أجندته وحكمه الشمولي.
الأمر الثالث أن هذه التعيينات تكرس لسلوك السلطة المشين الذي يقوم على توريث هذه المناصب للعائلات الأكثر ولاء للنظام. دون النظر إلى التقديرات التي حصلوا عليها في كلياتهم ودون النظر حتى إلى مدى كفاءتهم فالأصل في الاختيار هو مدى الولاء للنظام والسلطة.
محطات ترويض القضاء
المرحلة الأولى، بإقرار تعديلات قانون السلطة القضائية رقم 13 لسنة 2017م والذي صدق عليها السيسي في 27 أبريل 2017م والتي تمنح السيسي صلاحية تعيين رؤساء الهيئات القضائية لأول مرة في تاريخ مصر الحديث، وبما يخالف المادة 83 من نصوص الدستور. وهي التعديلات التي اعتبرت مسمارا قاتلا في نعش استقلال القضاء.
المرحلة الثانية، هي تمرير تعديلات قانون الإجراءات الجنائية والطعن بالنقض بشأن تقييد سماع الشهود أمام محكمة بسلطة تقديرية للمحكمة وإلزام محكمة النقض بالتصدى لموضوع الطعن من المرة الأولى دون إعادة والاعتداد بحضور وكيل عن المتهم أو المدان الغائب أو الهارب ليصبح الحكم الصادر ضده حضوريا وواجب النفاذ، وهى التعديلات التى صدرت بالقانون 11 لسنة 2017م. معنى ذلك أن محكمة النقض أضحت جهة فصل فى الموضوع وليست لنظر قانونية الحكم فقط، وبالتالى يتعين عليها الفصل في القضايا وعدم إعادتها للاستئناف مرة أخرى، وبالتالي وجدت المحكمة نفسها في ورطة كبيرة؛ إما أن تلتزم بصحيح القانون وعدم الاعتداد بالتحريات الأمنية فقط كدليل إدانة وهو ما استقرت عليها أحكامها، أو تتخلى عن هذه المبادئ القضائية المستقرة لأن الالتزام بصحيح القانون سوف يدفع بها إلى صدام غير مأمون العواقب مع النظام، فاختارت المحكمة الإذعان والخضوع للسلطة ولم تتمسك بمبادئ العدالة والنزاهة والإنصاف فسقطت وسقط معها أي معنى للدولة والقضاء والعدالة التي جرى نحرها على منصات القضاء المسيسي على النحو الذي نراه.
المرحلة الثالثة، هي التعديلات الدستورية في إبريل 2019م، والتي منحت السيسي صلاحيات مطلقة في الشأن القضائي وعصفت بأي معنى عن استقلاله وبات يخضع بشكل كلي للسلطة التنفيذية. حيث تم استحداث ستة أحكام جديدة تخص السلطة القضائية في هذه التعديلات، تمثلت في إلغاء الموازنات المستقلة للجهات والهيئات القضائية، ومنح رئيس الجمهورية سلطة اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية بما فيها المحكمة الدستورية العليا-من بين خمسة ترشحهم مجالسها العليا، إلى جانب اختيار النائب العام من بين ثلاثة يرشحهم مجلس القضاء الأعلى، فضلًا عن إنشاء مجلس أعلى للجهات والهيئات برئاسة رئيس الجمهورية، للنظر في شروط تعيينات وترقيات وندب القضاة. وأخيرًا، إلغاء سلطة مجلس الدولة في مراجعة مشاريع العقود التي تكون الدولة أو إحدى هيئاتها طرفًا فيها، وقصر سلطته في مراجعة وصياغة مشاريع القوانين التي تحال إليه فقط. وبالتالي بحسب هذه التعديلات ينفرد رئيس الجمهورية بتعيين رؤساء الهيئات القضائية إلى جانب ترؤسه مجلس أعلى للجهات والهيئات القضائية، وهو المجلس الذي يختص بالنظر في شروط تعيين أعضاء الجهات والهيئات القضائية وترقيتهم وندبهم ويؤخذ رأيه في مشروعات القوانين المنظمة لشؤون هذه الجهات والهيئات. ومن ثم أصبح رئيس السلطة التنفيذية بطريقة غير مباشرة هو رئيس السلطة القضائية. ويمتلك بالتالي إمكانية توجيه القضاء والهيمنة عليه بشكل مطلق.