تشويه الدعاة إلى الله هو جزء من الحرب على الإسلام؛ وقد نبَّه القرآن إلى ذلك؛ {وَقَالُوا۟ لَوۡلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلࣲ مِّنَ ٱلۡقَرۡیَتَیۡنِ عَظِیمٍ}. فمشركو مكة والطائف عندما أعجزهم القرآن ووقفوا أمامه صاغرين بعدما سقطت كل ادعاءاتهم وانتقاداتهم وثبت أنها بلا اعتبار، اتجهت حربهم على شخص الداعية الأول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فهدم الرسول هدم للرسالة وتشويه الرسول تشويه للرسالة وشيطنة الدعاة إلى الإسلام هو بحد ذاته صورة من صور شيطنة الإسلام ذاته والحرب عليه.
على هذا النحو فإن الحرب التي يشنها نظام العسكر في مصر على الإخوان المسلمين وقوى ثورة 25 يناير هي في بعض جوانبها حرب على الديقراطية وحرية الشعب في الاختيار، وهي في جوانب آخرى حرب على الإسلام؛ ذلك أن الإخوان هم كبرى الحركات الإسلامية في مصر والعالم التي تدعو إلى تحكيم الشريعة؛ والهدف هو وأد الهوية الإسلامية على النحو الذي تدعو إليه جماعة الإخوان المسلمين، وإجهاض أي توجهات نحو تكريس نظام ديمقراطي تعددي يكون للشعب فيه السيادة الحقيقية على بلاده وصناعة القرار فيها، وليس لما تسمى زورا وبهتانا "أجهزة سيادية".
السيسي يريد إسلاما على مقاسه، إسلاما منزوع الجهاد، ولا يقف ضد الظالمين والمستبدين والطغاة، يريد إسلاما على نحو إسلام الطرق الصوفية والسلفية الجامية الذين يسبحون بحمد الحاكم بكرة وعشيا، وإذا زل الحاكم أو حتى انحرف فإن طاعة أولى الأمر واجبة في كل الأحوال حتى وإن خالف طاعة الله ورسوله، أو "سرق وزنى وشرب الخمر على شاشات التلفاز لمدة نصف ساعة" كما زعم أحد شيوخ الجامية المدخلية في السعودية دفاعا عن فجور محمد بن سلمان وانحرافه.
أما الإسلام الذي يجعل من حق الرعية اختيار راعيها، ومساءلته وعزله إن أساء وأفسد، الإسلام الذي يجعل من العدل السياسي والاجتماعي مبدءا أساسيا في الحكم وحياة الناس والمجتمع كله، الإسلام الذي يجعل الناس سواسية كأسنان المشط ليس هذا هو الإسلام الذي يريده السيسي والطغاة العرب.
أمام هذه القواعد الأساسية في الفهم، لا ينبغي أن نستدرج إلى الفخ الذي نصبه نظام العسكر في شهادة الشيخ محمد حسين يعقوب الأسبوع الماضي، ومهما اتفقنا أو اختلفنا حول مواقف الشيخ يعقوب فإنه ليس العدو، فليس كل الدعاة قادرين على الأخذ بالعزيمة، وقد يكون في بعض كلامه غمزا في دعاة سابقين إلى الله عرفوا بالعزم والصلابة في وجوه الظالمين، لكن العدو هو الظالم الذي نشر الفساد في الأرض وطغى واستكبر وسفك الدماء الحرام ولا يتورع عن سفك المزيد من الدماء.
العدو هو النظام الذي اقتحم المساجد وهدمها وقتل المصلين وأحرق جثث عشرات الشهداء ثم راح يدهسها باللوادر وهي الجرائم التي وثقتها عدسات المصورين وكاميرات الفضائيات ولا تزال موجودة حتى اليوم.
العدو هو النظام الذي يسعى إلى تدمير الإسلام وتفريغه من محتواه بدعوى ما يسمى بتجديد الخطاب الديني؛ وهو من أمم المنابر وسجن عشرات الألوف من العلماء والدعاة إلى الله. العدو هو النظام الذي اتخذ من مجسم مسجد هدفا لقصف الطائرات في تدريباته العسكرية بدعوى الحرب على الإرهاب، وهو الذي حرَّض ولا يزل يحرض ضد المسلمين في الغرب والتضييق عليهم.
علينا ألا نستدرج إلى فخ القصف المتبادل ردا على شهادة الشيخ يعقوب، فمهما كانت مواقف يعقوب لا ترضينا ولا ترضي الكثيرين إلا أنه ليس مختار جمعة ولا علي جمعة وليس سعد الدين الهلالي ولا أسامة الأزهري أو خالد الجندي أو مثل بعض الأفاقين من الصوفية والجامية.. هو حتى ليس شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب الذي لنا عليه كثير من التحفظات لكنه في ذات الوقت يجب أن يحظى بدعمنا ودعم ملايين المسلمين حول العالم إزاء كثير من المواقف التي تمثل دفاعا عن الإسلام وشريعته وحقائقه التي يراد العدوان عليها تحت لافتة تجديد الخطاب الديني.
نعم لنا تحفظات على تصريحات يعقوب أمام ما تسمى بالمحكمة، لكن ليس علينا أن نتخذ منه عدوا وهميا ننشغل به عن العدو الأصلي، بل علينا أن ندعو ليعقوب وأمثاله أن يعصمهم الله من الزلل وأن يردهم إلى بعض الحق الذي غام عليهم فلم يتبينوه على النحو المأمول. وألا يجعل الله في قلوبنا غلا للذين آمنوا وأن يعضمنا وإياهم من الزلل والسقوط في هذه الفتنة العمياء.
هدف النظام هو التغطية على جريمة حكم الإعدام بحق 12 من قادة ورموز الإخوان والثورة، والتغطية كذلك على فشله في ملف سد النهضة الإثيوبي، وانشغالنا بما تسمى شهادة يعقوب هو شيء من السقوط في فخ النظام العسكري الذي يستهدف باستمرار تمزيق المجتمع وإشعال العداوات والأحقاد والفتن، وأولو الألباب وحدهم هم من يفهمون هذه الفتن والدسائس فلا يلتفتون عن أهدافهم في مواجهة الظلم والظالمين إلى الشرائك المنصوبة بإحكام على جانبي الطريق.
تحرير مصر وتحرير مؤسساتها المخطوفة كالجيش والشرطة والقضاء والإعلام ومؤسساتها الدينية الرسية، واسترداد ثورتنا العظيمة ثورة 25 يناير ومسار الحرية والاستقلال الحقيقي ليس بالأمر الهين، وعلينا ألا نلتفت إلى سفاسف الأمور التي تشغلنا عن هذه الأهداف العظيمة حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.