بعد شهر واحد من فوز بايدن برئاسة أمريكا في 6 نوفمبر 2020، قام القاضي المصري المكلف بالتحقيق في قضية "التمويل الأجنبي" للمنظمات الأهلية، بتبرئة عشرات المنظمات من الملاحقة القانونية.
في أربعة مناسبات متوالية أسقط القاضي "علي مختار" الملاحقة الجنائية عن 63 منظمة مجتمع مدني و160 عضوا بها، أخرها حفظ التحقيقات مع 5 جمعيات أهلية في اتهامها بتلقي تمويلات أجنبية غير مشروعة يوم 20 يونية 2021، كما صدر أول قرار بإلغاء منع سفر أحدهم.
بالطبع هذه ليست مصادفة، لكنها الضغوط الأمريكية وسعي السيسي لاسترضاء الإدارة الأمريكية الجديدة وتقديم "السبت" كي يلقى "الأحد" ،والتغاضي عن سجل حقوق الإنسان وباقي الانتهاكات والإعدامات والتعذيب في مصر،في ظل الحاجة لدور السيسي في غزة وليبيا وغيرها.
في 5 ديسمبر 2020 أمر القاضي بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قِبَلَ 6 منظمات في قضية التمويل الأجنبي ؛لعدم الجريمة وقِبَلَ 14 آخرين لعدم كفاية الأدلة.
وفي 30 مارس 2021 كرر القاضي نفس القرار تجاه 5 منظمات أخرى لعدم ؛الجريمة و15 لعدم كفاية الأدلة.
وفي 6 مايو 2021 قام بتبرئة الدفعة الثالثة التي ضمت 18 منظمة وجمعية وكيانا ،وأصدر أمرا بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قِبَلَ 15 منهم لعدم الجريمة ،وبألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قِبَلَ 3 منهم لعدم كفاية الأدلة.
ويوم 20 يونية 2021 أعلن المستشار على مختار رئيس محكمة استئناف القاهرة، وقاضي التحقيق المنتدب للتحقيق في قضية التمويل الأجنبي تبرئة 4 جمعيات أخرى ؛لعدم كفاية الأدلة وجمعية خامسة "لعدم الأهمية".
غرائب وعجائب
من مفارقات ما يعلنه القضاء المصري وإعلام السلطة أن :"هذه الجمعيات والمنظمات التي جرى الإعلان عن تبرئتها من التمويل الأجنبي ،لم يكن اسمها مُدرجا من الأصل في قضية التمويل الأصلية المُعدة من عام 2011".
لذلك سَخِرَ الحقوقي محمد زارع من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان مما يُعلن، وقال إن :"الجمعيات التي يجري تبرئتها لم يكونوا يعلمون أصلا أنهم طرف في القضية، بينما أفراد المنظمات الحقوقية الفعلية لا يزالون ممنوعين من السفر".
https://twitter.com/mzaree/status/1390369704099860481
بالتزامن مع هذا، أخلت النيابة العامة، 16 يونية 2021 سبيل مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حسام بهجت، بالضمان الشخصي، بعدما وُجهت له تهم: «إهانة هيئة نظامية، ونشر أخبار كاذبة، واستخدام حساب على مواقع التواصل الاجتماعي لنشر هذه الأخبار».
المفارقة أيضا أن هذه التهم التي وُجهت لـ "بهجت" وهي إهانة هيئة الانتخابات ونشر أخبار كاذبة واستخدام حسابه في مواقع التواصل لإرتكاب الجريمتين، تم حبس كل من وُجهت لهم، إلا أن النيابة أخلت سبيل حسام بهجت بدون أي ضمانات!.
ويبدو أن خوف السيسي من علاقة "بهجت" ومنظمته وكل منظمات التمويل الأجنبي بأمريكا والدول الأوروبية وراء عدم البطش به والاكتفاء بالتحقيق معه.
وكان بهجت التقى وزير الخارجية الأمريكي 20 أبريل 2021 ؛لبحث أزمة حقوق الإنسان، وقبل أن يتصل الرئيس الأمريكي بالسيسي لحاجته له في أزمة غزة.
هذه التطورات تشير أن منظمات التمويل الأجنبي والقائمين عليها هي المستفيد الوحيد من ضغوط بايدن علي نظام السيسي ،بينما تم التغاضي عن قضايا حقوق الإنسان ؛بسبب مصالح وحاجة واشنطن للسيسي في غزة وليبيا وغيرها ،حسبما قالت تقارير متطابقة لصحف لوس أنجليس تايمز والجارديان وفورين بوليسي.
فهل عقد نظام السيسي صفقة مع أمريكا لتبرئة منظمات التمويل الأجنبي ورفع القيود عن العاملين عليها مقابل تغاضي أمريكا عن قضايا حقوق الإنسان مقابل مصالحها لدى مصر؟.
أم أن قرارات تبرئة 63 منظمة علي أربعة دفعات له علاقة بالمطالبات الأوروبية بغلق هذا الملف، وبيان ألـ 31 دولة الذي أصدرته الأمم المتحدة 12 مارس 2021، ووقّعت عليه أمريكا وأوروبا، ويُدين "تقليص الحيّز المتاح للمجتمع المدني والمعارضة السياسية".
وهل لهذا صلة بالبيان الذي أصدرته 5 منظمات حقوقية 5 مايو 2021 ،وطرح مبادرة من 7 بنود لإنهاء الاحتقان في ملف حقوق الإنسان منها "إنهاء الملاحقة الجنائية للمدافعين عن حقوق الإنسان وإغلاق القضية 173 لسنة 2011 ضد منظمات المجتمع المدني".
مفارقات القضية
تعود وقائع قضية «منظمات المجتمع المدني»، إلى ديسمبر 2011، حينما اقتحمت قوات الأمن مقرات عدد من منظمات المجتمع المدني الأجنبية ،وشكّلت لجنة للتحقيق في «قضية منظمات المجتمع المدني».
حينئذ انقسمت التحقيقات إلى شقين، أولهما تم تخصيصه للمنظمات الأجنبية العاملة في مصر، وهو الذي صدر حكم بصدده، أما الشِق الثاني فيخص المنظمات المحلية، ولا يزال قيد التحقيق حتى الآن.
وفي 4 يونيو 2013، أصدرت محكمة الجنايات أحكاما بالسجن في هذه القضية ،تتراوح بين عامين وخمس سنوات لـ 32 متهما في القضية، وسنة مع إيقاف التنفيذ لـ 11 آخرين.
وقررت حل فروع المنظمات الأجنبية المتهمة في القضية وهي: المعهد الجمهوري الأمريكي، والمعهد الديمقراطي الأمريكي، ومنظمة فريدوم هاوس، ومنظمة المركز الدولي الأمريكي للصحفيين، ومنظمة كونراد الألمانية، وإغلاق جميع فروعها.
وفي مارس 2012 جري تسديد كفالة ألـ 19 أمريكي بواقع 2 مليون جنية لكل متهم بإجمالي 38 مليون جنيه، والسماح بسفرهم على طائرة خاصة رغم أنهم متهمون.
ليظل المتهمون هم المصريون فقط مثل مسئولي مركز النديم لضحايا التعذيب، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان وغيرهم.
لاحقا تنحت المحكمة وجرى تشكيل أخرى ،وتأجيلها إلى إبريل 2012، ثم أُعيد فتحها في يونية 2013، بالحكم على ألـ 43 موظفا أجنبيا ومصريا (27 غيابيا بينهم 18 أمريكيا) بالسجن ما بين عام و5 أعوام، مع إيقاف التنفيذ أو غيابيا، وإغلاق مقار المنظمات الأجنبية الخمسة.
نقض محكمة النقض هذا الحكم عام 2013 وفي مارس 2016 أُعيد فتح التحقيق في القضية بعد غلقها 3 سنوات، وقصره على أشخاص ومنظمات مصرية، وصدر قرار قضائي بمصادرة أموال أربعة من الحقوقيين.
ثم توالت قرارات المصادرة والمنع من السفر لقُرابة 30 حقوقيا ممنوعون أيضا من التصرف في أموالهم.
يوم 13 ديسمبر 2018، أصدر البرلمان الأوروبي قرارا ينتقد مصر بعنف بسبب المحاكمات الجماعية للمعتقلين وأحكام الإعدام ،وأدان استهداف النشطاء ومنظمات المجتمع المدني.
براءة جميع المتهمين
لم يمضِ سوى أسبوع واحد علي قرار البرلمان الأوروبي الذي طالب سلطات الانقلاب "بإسقاط جميع التحقيقات الجنائية التي لا أساس لها في عمل المنظمات غير الحكومية"، حتى برأت محكمة مصرية كل المتهمين في الشق الأجنبي من قضية التمويل الأجنبي المرفوعة منذ عام 2011.
جنايات القاهرة قضت في 20 ديسمبر 2018 بتبرئة المتهمين ألـ 43 (حتى من لم يُقبل نقضه) ؛ما يؤكد أن الحكم بإدانتهم في البداية كان "سياسيا".
وجاء الحكم بالبراءة رغم أن تحقيقات النيابة (التي يعني الحكم القضائي أنها كاذبة) زعمت أن 43 متهما منهم 14 مصريا و29 أمريكيا وأوروبيا وعربيا، تلقوا معونات أجنبية بلغت قيمتها 60 مليون دولار، من خلال 68 منظمة حقوقية وجمعية أهلية تعمل في مصر بدون ترخيص.
لماذا لا تزال سلطة السيسي تضع الطوق في رقبة المنظمات الحقوقية الفعلية التي تدافع عن الحريات، وتكشف ممارسات السلطة القمعية، بينما تعلن كل فترة تبرئة منظمات حقوقية وهمية أو شبه حكومية لم تكن متهمة يوما؟.