هل وفرّت منصات الانقلاب دعاية مجانية لقنوات الثورة؟

- ‎فيتقارير

أراد مغازلة مسئولي الإعلام في المخابرات المصرية فانقلب الغزل إلى فضيحة كللها الكذب، واعتذر "باسم يوسف" الشهير بـ"الأراجوز" عن نشر صورة من فيديو مفبرك، يشير لعرض أغنية "تسلم الأيادي" الداعمة للانقلاب العسكري على قناة "الشرق" المعارضة والتي تبث من تركيا. في الوقت الذي نفى ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، في تصريحات نشرها على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي اعتزام أنقرة طرد صحفيين أو تسليم معارضين إلى مصر.
وكان "الأراجوز باسم يوسف قال عبر حسابه بـ"فيسبوك": "أنا غلطت واكتشفت إني شفت فيديو غلط وأخدت كابتشر ونشرته قبل ما أتأكد منه"، وتابع "أنا عندي الشجاعة أني أقول أني غلطت علشان كده مسحت البوست". وأردف:"لكن أنا متمسك بكل كلمة قلتها في كل البوستات".
من جهته يقول الكاتب والمحلل السياسي وائل قنديل: "لو دفعت القنوات المصرية في تركيا كل ما تملك لصناعة دعاية لنفسها، لما أنجزت واحد بالمائة مما تحقق لها على يد كارهيها، بعد عاصفة تفاهمات أنقرة والقاهرة.. ولو أنفق كارهو باسم يوسف مليارات لتدميره، لما فعلوا واحد بالمائة مما فعله في نفسه".
ربما لا يمكن حصر المناسبات والمرات التي هاجم فيها السفاح عبد الفتاح السيسي إعلام المعارضة باعتباره يهدد استقرار البلاد، ويبخس قيمة مشروعاته القومية، على حد وصفه. آخر تلك الانتقادات كانت عندما حذّر السفاح السيسي من مغبة الإنصات لإعلام المعارضة والانسياق وراءه، منتقدا تشكيك هذا الإعلام فيما وصفه بالإنجازات الكبيرة التي يحققها النظام المصري، ومهددا بالشكوى إلى الله يوم القيامة.
والمثير أن تكرار انتقاد السفاح السيسي للإعلام لم يقتصر على إعلام المعارضة، بل امتد أيضا إلى إعلام الانقلاب نفسه، والذي تهيمن عليه الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، حيث يشتكي السفاح من عجز إعلامه في مواجهة إعلام المعارضة، والتصدي لما أسماها بالشائعات والأكاذيب، رغم حجم الإنفاق الضخم على القنوات الفضائية.

إعلام الثورة
وكثيرا ما يكرر السفاح السيسي انتقاده لقنوات المعارضة بتهمة بث الشائعات والتشكيك في إنجازاته، كما ينتقد أحيانا إعلام عصابته لعدم الترويج لتلك الإنجازات، علما بأنه فرض قبضة حديدية جعلت من إعلام العصابة إعلام الصوت الواحد المكرر، وهو ما اعتبره البعض من أهم أسباب انصراف المصريين نحو قنوات المعارضة. وتمكنت عصابة العسكر عقب انقلاب يوليو 2013 الذي قاده السفاح السيسي عندما كان وزيرا للدفاع، من إخضاع جميع وسائل الإعلام والصحافة لسيطرتها وتحكمها، بعد حملة عنيفة ضد القنوات والمواقع الصحفية المعارضة للانقلاب وإغلاقها، أتبعتها بحجب مئات المواقع الصحفية، وفق منظمات ومؤسسات حقوقية.
ورغم نجاح الأجهزة الأمنية والاستخباراتية بنوعيها العامة والحربية، في إسكات أي صوت معارض بالداخل، وملاحقة الإعلاميين والصحفيين والحقوقيين واعتقال المئات منهم خلال السنوات الماضية، فإن وسائل إعلام ومواقع صحفية بالخارج نجحت في اختراق كل تلك الموانع، ما شكّل هاجسا وصداعا دائمين لعصابة الانقلاب. فهل نجح إعلام الخارج في إقناع ملايين المصريين بأنه البديل الحقيقي لإعلام النظام وأنه بمثابة المرآة التي تعكس واقعه المرير؟

البديل الحقيقي
إذا كانت إنجازات وإصلاحات السفاح السيسي لا يمكن تجاهلها أو إنكارها كما يروج إعلام العسكر، فلماذا لا يراها المصريون ولا يشعرون بها؟ ولماذا لا يسمعون له ولإعلامه الذي يدندن ويتغنى بها ليلا ونهارا ويذهبون إلى إعلام المعارضة؟
يريد السفاح السيسي معارضة وإعلاما يمجد ديكتاتوريته وتدميره لمصر، ويقول : "الناس تتكلم عشان تقولك خلي بالكم بصوا هنا.. عندنا مشكلة، وده أمر بنقبله من أي حد بس بشرط يبقى فاهم هو بيقول إيه". أي لا بد أن يكون المعارض بصيرا عارفا لما يقول. وأضاف السفاح السيسي أن من حق الناس التعبير عن رأيهم وأن يعارضوا، وأن تكون هناك معارضة صحيحة، ولكن الهدف يجب أن يكون "تحسين أحوال الناس وحياتهم.. الهدف كده مش المعارضة للمعارضة ومش التعبير عن الرأي علشان الناس تتكلم".
من جهته وصف أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور عصام عبد الشافي، حديث السيسي عن المعارضة السياسية بأنه "تأكيد لما تقوم عليه رؤيته للحكم، القائم على الفرد المستبد الذي لا يقبل بالمطلق بأي شكل من أشكال المعارضة". وأوضح أن "السيسي الذي قام بتأميم العملية السياسية بالكامل، وقامت أجهزته الأمنية والمخابراتية بتشكيل المؤسسات السياسية، وتأسيس وتملك المؤسسات الإعلامية، واعتقال آلاف الشخصيات الرافضة لانقلابه العسكري، من بينها شخصيات كانت داعمة له في بداية انقلابه، لا مجال عنده ليس فقط للمعارضة بل وأيضاً لمجرد التحفظ على سياساته وقراراته".
وبيّن عبد الشافي أن "المعارضة التي يريدها السيسي هي نماذج كرتونية، يقوم بتوزيع الأدوار عليها، وتوجيهها من الخلف عبر أذرعه الإعلامية، وشؤونه المعنوية التي تملي على الجميع ما يجب أن يقوله، إعلامياً كان أو سياسياً، للدرجة التي يمكن معها القول فعلياً بموت السياسة والإعلام في مصر، وبقاء مجموعة من الأذرع التي يحركها السيسي وأجهزته".

الجنرال مرعوب
واستبعد السياسي والمتحدث باسم حزب الأصالة حاتم أبو زيد، أن يكون حديث السفاح السيسي عن المعارضة جادا، وقال إن "السيسي بطبيعته العسكرية لا يقبل المعارضة ولا يفهمها، ومن ثم هو يحاول أن يتجمل بادعائه قبول المعارضة، ثم يضع شرطه عليها ليغلق الباب، ويمنع المعارضة". واعتبر أن "مسألة تصوره لقبول معارضة كهذه بعيدة جدا، والأشد بعدا أن تكون معارضة إسلامية؛ فالسيسي والنظام العسكري الذي تربي فيه رافض للإسلام كدين يمكن أن يشارك في حياة المجتمع". وعن سبب حديثه عن المعارضة، أكد أبو زيد أن "كل ما في الأمر أن السيسي خائف من الأوضاع المستقبلية، فهو تائه الآن بين الاستمرار في طريقته القمعية والبطش والاستخفاف بالمصريين، وبين أن يفتح بابا يمتص به حالة الغضب، وفي الأغلب أنه لن يتراجع وسيمضي في طريق البطش، لكن عواقب القهر الاقتصادي على الشعب أشد ما يكون".