يرى بعض المراقبين أن بريطانيا لم تكن لتتنازل عن احتلالها لمصر لولا أنها تركت خلفها من يدير مصالحها ويضمن لها أن تظل مصر وشعبها في القاع وسط حرمان من الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وأنه بخروج بريطانيا انتقل المصريون من احتلال "دولة ديمقراطية" إلي احتلال داخلي أكثر ضرواة وشراسة، لا يخضع لأي محاسبة وغير مقيد بقانون أو دستور.
هيمن الحكم العسكري على مقاليد الحكم والسياسة والثقافة والتعليم في مصر على مدى 6 عقود بعد انقلاب 23 يوليو 1952، ومنذ الثالث والعشرين من يوليو 1952 استولت مجموعات من داخل الجيش المصري بقيادة عدد من الضباط الشُّبان على مبنى الإذاعة، وانتشرت المركبات العسكرية في شوارع القاهرة والمحافظات الأخرى.
انقلاب يطمئن الاحتلال!
تم إعلان الثورة ليلا، وفي الصباح تم إجبار الملك على التنازل عن عرش مصر، لكن في الشوارع أعلنت الأحكام العرفية وتم فرض حظر التجول ومنع التجمعات، وانتشر العسكر ورجال الشرطة في كل الأماكن الحيوية في المُدن، و تم منع الصحف من النشر والإذاعة من البث إلا ما تريده السُلطة السياسية الجديدة.
وفي ثورة 25 يناير 2011 انكشف تدريجيا طبيعة ومنظومة الاستبداد والسلطوية في مصر، فثورة يناير التي بدأت كاحتجاج سِلمي على ممارسات الأجهزة الشرطية والأمنية في مصر ومنددة بانتهاكاتها لحقوق الإنسان مع مطالبات باستقلال السلطة القضائية كمطلب ديمقراطي أساسي، وجدت نفسها بعد كسر هيمنة وسطوة الشرطة المصرية في مواجهة مفتوحة وعنيفة مع جمهورية يوليو العسكرية العميقة.
وقد كان لمرارة هزيمة الثورة في مصر وصعود الثورة المضادة على أجساد عشرات الآلاف من المواطنين القتلى في الشوارع والمسجونين في العنابر أن ولّدت التساؤل عن تاريخ صعود تلك السلطوية العسكرية، بل وفي السنين الأخيرة زاد الحنين في أوساط العديد من دوائر المهتمين بالشأن العام المصري، لحقبة المَلكية شبه الدستورية والليبرالية المدنية التي سبقت انقلاب 23 يوليو 1952.
ويلفت هؤلاء إلى أن مصر عرفت قبل الانقلاب العسكري أقصى درجات التعددية السياسية والثقافية، لتبدو الجمهورية السلطوية العسكرية في مصر، وفقا لهذا الحنين السياسي وهذه السردية السياسية، وكأنها انحراف عن مسيرة التحديث والديمقراطية الليبرالية التي عرفتها مصر منذ ثورة 1919، انحراف أتى على شكل انقلاب عسكري قام به مجموعة محدودة من الضباط الشُّبان المخترقون أمريكيا، ليغيّروا نظام الحكم ويُغيّروا وجه البلاد إلى الأسوأ وللأبد.
بين المقاومة والإرهاب
وإثباتا أن مصر لم تتحر من الاحتلال البريطاني، تعجب المستشار وليد شرابي، المتحدث باسم "قضاة من أجل مصر" وعضو جبهة الضمير، بتسليم الانقلاب العسكري وثائق لبريطانيا تثبت أن الإخوان شاركوا في مقاومة الاحتلال البريطاني لمصر، لكي تتعتبرهم بريطانيا منظمة إرهابية.
وقال "شرابي": "بعد قيام الانقلاب بتسليم بريطانيا وثائق تثتبت قيام الإخوان المسلمون بتنفيذ عمليات مقاومة ضد القوات البريطانية أثناء الاحتلال البريطانى لمصر حثا منه لبريطانيا على اعتبار الإخوان المسلمين جماعة إرهابية هل ينتظر من الإخوان المسلمين تقديم أدلة موثقة لإسرائيل تفيد قيام الجيش بعمليات عسكرية ضد إسرائيل أثناء احتلالها لسيناء لاعتبار الجيش منظمة إرهابية ؟؟؟ !!! قيادة العسكر للمشهد يجعلنا بالفعل أضحوكة للعالم ، ويجعلنا نسأل ما معنى العمل الوطنى فى ظل الاحتلال"؟
الاستبداد والعداء للديمقراطية والتعددية السياسية والثقافية والجنوح الدائم للعسكرة والأمننة وتصفية المجال السياسي هو جزء أصيل وهيكلي من طبيعة النظام الجمهوري العسكري المصري وليس مجرد حدث عارض داخله، وهو ما يؤكده تاريخ الجمهورية المصرية الممتد لأكثر من نصف قرن حتى الآن.
في العام 2008 قبل الاطاحة بالمخلوع مبارك بثلاثة أعوام، كتب الأديب الراحل أحمد خالد توفيق عراب جيل الثورة في مصر روايته الأهم في مسيرته الأدبية الطويلة "يوتوبيا"، كانت الرواية حدثا مفاجئا حين صدورها، فأحمد خالد توفيق الذي ذاع صيته بين أوساط الشباب والمراهقين برواياته المحافظة التي تناسب جميع الأعمار، خرج في هذه الرواية عن خطّه الأدبي المعتاد، لتأتي روايته صادمة، لا لمحتواها الاجتماعي والسياسي فقط، بل لامتلائها بروح عبّر بها "توفيق" عن مخاوفه وتشاؤمه العميق من مستقبل الحياة في ظل حكم العسكر لمصر.
رأى توفيق، رحمه الله، أن المجتمع المصري يشهد استقطابا طبقيا واقتصاديا يزداد حدة بمرور الوقت، وفي الرواية التي تدور أحداثها في مستقبل ليس ببعيد عن الآن، تمتد خطوط الاستقطاب في مصر إلى أقصى استقامتها، ليتنبأ بانهيار المدينة المصرية والاجتماع السياسي المصري الحديث وهو ما يجري الآن بحذافيره في عهد انقلاب السفاح عبد الفتاح السيسي.. فهل تحرر المصريون حقا برحيل الاحتلال الإنجليزي؟