في إطار الحيل الشيطانية التي تجيدها أجهزة المخابرات التي ترسم صورة المشهد السياسي والإعلامي في البلاد، وتمسك بخيوط المجال الثقافي والاجتماعي، وتعيد توجيه الأنظار والاهتمامات بعيدا عن الواقع المعاش وصعوباته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لتخفيف الأعباء والانتقادات عن النظام الحاكم، جاءت استضافة الإعلامي المقرب من الأجهزة الامنية والمنقلب عبد الفتاح السيسى عمرو أديب، عبر برنامج "الحكاية" على قناة "إم بي سي" لوزير الثقافة الأسبق جابر عصفور، الذي أثار بغير مناسبة الجدل حول المادة المتعلقة بالشريعة في الدستور؛ ليعيد إثارة الجدال وفق سياسة الإلهاء في قضية حسمها المشرع على مر العصور بأن مصر دولة دينها الإسلام وشريعتها مصدر الأساس للتشريع، مع مراعاة أصحاب الأديان والملل الأخرى في القوانين والتشريعات، وهي المادة التي يكتفي النظام بوجودها في الدستور مع سن القوانين التي تخالف الشريعة وتكرس السياسات والممارسات التي تخالف مبادئ الشريعة وأصولها وقواعدها وأهمها العدل والحرية والمساواة أمام القانون والشفافية وغيرها من المبادئ السامية التي نادت بها الشريعة.
"عصفور" أبدى في برنامج "الحكاية" مع عمرو أديب المذاع على فضائية MBCمصر، اعتراضه على المادة الثانية من الدستور.، والتي تنص على أن "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، زاعما أن الاحتكام في الدستور إلى مبادئ الشريعة الإسلامية في التشريع، هو تمييز بين المسلمين والمسيحيين، ويترتب عليه ظهور مجموعة من المتشددين، بحسب زعمه. متابعا تخرصه، بأن هذه المادة لم تكن موجودة من قبل حتى وضع دستور 1923، مشيرا إلى أن خلال وضع دستور 23 وقف شيخ الأزهر حينها واقترح وضع المادة وتم الموافقة عليها.
مبررات "عصفور"
وكشف عن سبب اعتراضه زاعما: "المادة تجعل بعض المتطرفين يصنف مصر أنها دولة إسلامية بالقطع والأولوية فيها للمسلمين؛ ونحن نتحدث هنا عن حقوق الإنسان والمواطنة وأن الجميع متساوون في الحقوق والواجبات، المواطنة لا تمييز فيها على الإطلاق "، متجاهلا أن الشريعة في الأساس تركت لأصحاب الديانات الأخرى حق الاحتكام إلى كتبهم وشرائعهم في المسائل الشخصية، وأن أحكام الشريعة لا تسرى عليهم مطلقا إلا في المسائل التي لا نص عندهم فيها.
وياتي ما قاله عصفور متصادما مع ما نادت به الشريعة من احترام جميع فئات المجتمع، كما أن كلام عصفور في غير محله بالمرة ولا يتعلق بما جاء بالدستور أو الشريعة، وفق الخبراء والمراقبين.. وأضاف: "هذا معناه أن تميز بين المواطنين على أساس الدين؛ أنا مصري ولا يجب أن أقول أنا مصري مسلم أو مصري مسيحي".
وردا على تصريحات جابر عصفور بشأن المادة الثانية من الدستور، قال الداعية الإسلامي عبد الله رشدي، إمام وخطيب مسجد السيدة نفسية سابقا، إن هوية الدولة هي أمر لا يمكن العبث والمساس به، موضحا أن مصر دولة إسلامية منذ خمسة عشر قرنا من الزمان. وأضاف رشدي، عبر صفحته على موقع فيس بوك، إن الإسلام ليس دينا قمعيا، بل هو نظام عدل راقٍ يعطي غير المسلمين المقيمين في دارِه الحقَّ في التعبد والاحتكام لشرائعهم، بل ويحرم الاعتداء عليهم ويحفظ لهم دُور عبادتِهم ويمنع من انتهاك مقدساتهم. وأوضح أن الاختلاف الديني أو العرقي أو النوعي ليس عنصرية ولا تمييزا، بل هو واقع إنساني أوجده الله في الكون فقال:"ولا يزالون مختلفين" فالمهم ألا يحصل اعتداء على الآخرين بسبب الاختلاف ماداموا مسالمين.
وقبل أسابيع قليلة كانت المادة الثانية من الدستور أيضا محل خلاف وجدال، بعدما اقترح أحد نواب مجلس شيوخ العسكر حذف كلمة الشريعة الإسلامية من البند الخامس بالمادة 46 من لائحة مجلس شيوخ العسكر، إلا أن المجلس رفض هذا المقترح. وكان محمود سامي، عضو مجلس شيوخ العسكر عن الحزب المصري الديمقراطي، قد اقترح حذف البند الخامس من المادة 46 من لائحة مجلس الشيوخ، والذي ينص على اقتراح تعديل القوانين بما يتفق مع مباديء الشريعة الإسلامية وأحكام الدستور.
وطالب النائب بحذف كلمة الشريعة الإسلامية من اللائحة، وتعديل البند الخامس من المادة 46 لتكون "اقتراح تعديل القوانين بما يتفق مع نصوص وأحكام الدستور". فيما تنص المادة 46 على أن تختص لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية باقتراح تعديل القوانين بما يتفق مع مباديء الشريعة الإسلامية وأحكام الدستور.
موجة اعتراض
وآثار مقترح حذف كلمة الشريعة الإسلامية من لائحة مجلس العسكر، موجة من الاعتراضات أثناء مناقشة اللائحة، الأحد الماضي، حيث حذر بعض النواب من أنه في حالة حذف كلمة الشريعة الإسلامية قد يكون هناك رد فعل غير مرغوب، وقد يحدث لغط في الشارع المصري. وهو ما يعني أن النظام حريص على وجود مادة الشريعة الإسلامية لاعتبارات سياسية تتعلق بالمخاوف من ردود أفعال الجماهير المسلمة وليس إيمانا بأهمية احترام هوية البلاد والمجتمع.
وبرر محمود سامي، صاحب اقتراح حذف كلمة الشر يعة الإسلامية من اللائحة الداخلية لمجلس شيوخ العسكر، سبب تقدمه بهذا المقترح، بأن النص الخاص بتعديل القوانين بما يتفق مع مباديء الشريعة الإسلامية وأحكام الدستور قد يتعارض مع التشريعات الخاصة بالمسيحيين. يشار إلى أن الحزب الذي يمثله سامي بمجلس الشيوخ يموله وأنشأه رجل الاعمال القبطي نجيب ساويرس. وأوضح النائب، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية عزة مصطفى ببرنامج" صالة التحرير" على قناة "صدى البلد"، أن كلمة الشريعة الإسلامية في البند الخامس من المادة 46 لا يضيف جديدا، ويعتبر تكرارا لما ورد في الدستور، لافتا إلى أنه لا يمكن أن يصدر تشريع في هذه الحالة على أساس مباديء الشريعة الإسلامية لاختلاف الأديان.
يشار إلى أن المادة 3 من الدستور نصت على مباديء شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية وشؤونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية.
توقيت الجدل وأهدافه
ويمكن تفسير حالة الجدال والسجالات التي برزت خلال الأيام القليلة الماضية، باعتباره رغبة من نظام السيسي لخلق هذه الحالة وإثارة عصافير الإلهاء لإبعاد المصريين عن قضاياهم الجوهرية ومشكلاتهم الأساسية، كما تابع المصريون خلال الأيام الماضية من قضايا فرعية كزواج التجربة وفتيات التيك توك، و..غيرها من الملهيات، التي جاءت في وقت تتزايد فيه آلام الشعب مع انهيار الخدمات الصحية والتعليمية وارتفاع الأسعار، وتهديدات سد النهضة للوجود المصري، وفشل السيسي في علاج أزمة بناء سد النهضة التي تسبب بها.
من جانب آخر، فإن نظام العسكر في مصر يتعرض لهجوم واسع من جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان وتردي الممارسات الأمنية القامعة لعموم المصريين، وهو ما ترجمته القرارات الأمريكية والأوربية الأخيرة، المطالبة باحترام حقوق الإنسان في مصر، وتشكيل جبهة حقوقية برلمانية بالكونجرس الأمريكي لمتابعة سجل مصر الحقوقي الدامي، وتعليق إدارة الرئيس جو بايدن الحصانة الدبلوماسية لحازم الببلاوي على خلفية قضية اتهامه بتعذيب الناشط الحقوقي محمد سلطان، ومطالبة البرلمان الأوروبي مصر باحترام حقوق الإنسان والتعاون الفعلي مع الجانب الإيطالي لمحاكمة قتلة الباحث جوليو ريجيني.
كل هذه المعطيات تعكس حالة الورطة التي يجد فيها نظام الانقلاب نفسه، ويسعى رئيس الانقلاب إلى الهروب منها أو التغطية عليها عبر سياسات وتحركات على الأرض، منها إثارة المخاوف على المسيحيين من المسلمين في مصر، وهو ما قد يبطئ المطالبات والانتقادات الغربية لنظام السيسي، خاصة وأن للغرب مواقف استباقية وحساسية مفرطة إزاء الإسلام والمسيحيين في مصر، وهي ورقة يبدو أن السيسي ونظامه سوف يوظفها خلال الفترة المقبلة لشراء تعاطف أوساط غربية وأمريكيةن أو دفعها نحو الصمت والتواطؤ، ووقف مسلسل الانتقادات لنظام العسكر بمصر.