يواجه الاقتصاد المصري العديد من الأزمات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة؛ بسبب ما أسماه السيسي "برنامج الإصلاح الاقتصادي" الذي يقوم في الأساس على مبدأ الخضوع لإملاءات صندوق النقد والبنك الدولي مقابل الحصول على قروض أجنبية أغرقت مصر في مستنقع الديون الخارجية التي ستصل بنهاية العام الجاري إلى نحو 130 مليار دولار.
وتعاني مصر في ظل برامج صندوق النقد الدولي من تزايد معدلات الفقر والبطالة وتراجع الدخول وانخفاض الصادرات وتراجع عائدات العاملين في الخارج والسياحة وقناة السويس، وساهمت كورونا في تفاقم آثار تلك الأزمات؛ نتيجة عشوائية الإجراءات الوقائية والاحترازية التي اتخذتها حكومة الانقلاب بزعم مكافحة الفيروس وهو ما وضع الاقتصاد المصري على حافة الانهيار. وفقا لتأكيدات خبراء.
وضع مأساوي
هالة السعيد، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية بحكومة الانقلاب اعترفت بالوضع الصعب الذي يواجه الاقتصاد المصري، لافتة إلى أن نمو الاقتصاد تراجع خلال الربع الأول من العام المالي 2020 / 2021 إلى 7, % متأثرا بتباطؤ العديد من الأنشطة إثر جائحة فيروس كورونا مثل السياحة والصناعة وغيرهما مقارنة بالربع الأول من العام المالى 19/20.
وأكدت "السعيد"، في تصريحات صحفية، أن قطاع السياحة من أكثر القطاعات المتضررة من الأزمة؛ حيث انكمش بنحو 66%، نتيجة فيروس كورونا، مشيرة إلى انكماش بعض الأنشطة مثل الصناعات التحويلية الأخرى والغاز وقناة السويس، بسبب انخفاض الطلب على العديد من السلع والخدمات، وتطبيق الإجراءات الاحترازية، ووقف حركة الطيران العالمية.
انهيار متوقع
في المقابل حذرت مؤسسة "مبادرة الإصلاح العربي" من حقيقة الاستقرار الذي يبدو عليه الاقتصاد المصري حاليا، وأكدت أنه ليس سوى قشرة تخفي وراءها حافة انهيار متوقع على المدى المتوسط إذا لما يقم نظام الانقلاب بإصلاحات عميقة.
وأكدت ورقة بحثية لـ"نديم حوري"، المدير التنفيذي للمبادرة، بمشاركة إسحاق ديوان أستاذ الاقتصاد بجامعة باريس للعلوم والآداب، ويزيد صايغ الباحث الرئيسي بمركز "كارنيجي للشرق الأوسط" أن تداعيات جائحة فيروس كورونا كشفت أن بناء استقرار الأمن والاقتصاد الكلي في مصر تم على أسس هشة، إلى حد عودة البلاد إلى ذات النقطة التي كانت عليها قبل ثورة يناير 2011.
وأوضحت الورقة أن نذير الانهيار المحتمل للاقتصاد المصري مرتبط بـ"مشكلات بنيويّة عميقة ومظالِم اجتماعيّة محتدمة، مع استنفاد كل ما يمكن أن يخفّف من حدتها"، في ظل إصرار نظام العسكر على مقاومة الانفتاح في عالم السياسة والأسواق.
وأشارت إلى أن نظام عبدالفتاح السيسي اعتمد على المؤسسة العسكرية والقطاع العام ليكونا محركا النمو الاقتصادي في البلاد، ولم يكن قادرا أو راغبا في الحصول على استجابة من القطاع الخاص في هذا الشأن، وهو ما لم ينعكس أثره على أرقام الاقتصاد الكلي قبل جائحة كورونا في ظل الاعتماد على موارد جديدة، بينها تصدير الطاقة، إذ صارت البلاد من مصدري الغاز الطبيعي منذ أواخر عام 2018.
جائحة كورونا
وأوضحت الورقة ان جائحة كورونا أسفرت عن صدمة ضربت جميع مصادر النقد الأجنبي في مصر؛ بدءا من السياحة إلى التحويلات الخارجية والاستثمار الأجنبي المباشر، وحتى صادرات الغاز وتدفقات رؤوس الأموال الدولية، ولذا فإن الاقتصاد الذي يبدو مرِنا على السطح، يعاني من الهشاشة من الداخل. وأكدت أن مصر مصنفة حاليا من قِبَل العديد من المحللين الدول الخمس الأكثر خطورة في الأسواق الصاعدة حول العالم مشيرة إلى أنه سيتحتم على نظام الانقلاب إجراء عملية خفض لقيمة الجنيه مجددا، من أجل تقليص نسبة الواردات ورفع سعر الفائدة المحلية لاحتواء هروب رأس المال، وهو إجراء من شأنه توجيه ضربة أخرى لمستوى المعيشة بالنسبة للطبقة الوسطى والفقراء.
وأوضحت الورقة أنه في هذا الإطار، يتوقع صندوق النقد الدولي تراجع معدل نمو الاقتصاد المصري من 5.5% إلى 2% عام 2020، وارتفاع نسبة البطالة لتصل إلى 12% على الأقل.
وارجعت الانهيار الاقتصادى إلى أسباب رئيسية هي: عسكرة الاقتصاد وضعف المكون المدني في الاقتصاد وغياب مساحة الضغط السياسي اللازمة لاستيعاب الظروف الاجتماعية المتدهورة واحتواء مستويات السخط الشعبي وتوفير مساحة تمكن الداعين للإصلاح من التعبير عن مطالبهم.
على حساب المواطن المصري
وفى نفس السياق نشر مركز «ستراتفور» الأمريكي تقريرا رصَد فيه ان نمو الاقتصاد المصري جاء على حساب المواطن المصري، الذي بدلا من أن يشعر بهذا النمو تكبد مزيدا من المعاناة الاقتصادية، والتكاليف المعيشية، والتي تزامنت مع تفشي فيروس كورونا. مؤكدا صحة المؤشرات التي تفيد بأن أداء مصر في مضمار الاقتصاد الكلي في ظل تفشي جائحة كورونا وجذبها للمستثمرين الأجانب لا يضع حدا لمعضلة تزايد مستويات الفقر الكؤود، والتي ستصبح في نهاية الأمر عبئا سياسيا لأنها ستؤدي إلى تأجيج المشاعر المناهضة لحكومة الانقلاب.
وأشار التقرير إلى أن اهتمام المستثمرين سيمكن الانقلاب من طرح السندات ذات السعر العائم على نحو مستمر، وسيمنحه فرصة الحصول على قروض لتمويل ميزانيته، وهو ما يزيد من احتياجات مصر للتمويل الخارجي، ويؤدي إلى مضاعفة ددينِها العام. متوقعا فى غضون الـ12 شهرا المقبلة، أن يصل إجمالي احتياجات مصر من التمويل لسداد ديونها الخارجية إلى 9.2٪ من ناتجها المحلي الإجمالي.
معدلات الفقر
وأوضح ان وضع خزائن حكومة الانقلاب الآمن لا يعني تحسين مستوى معيشة المصريين ، الذين يواصلون تكبد المعاناة في خضم ارتفاع مستويات البطالة ووصول انخفاض نشاط قطاع السياحة المهم في البلاد إلى مستويات قياسية بسبب تفشي جائحة كورونا. ويتناقض نجاح مصر الاقتصادي المعلن عنه تماما مع واقع أن 32.5٪ من الشعب المصري يعيش حاليا تحت خط الفقر، وهو ما يهدد استقرار البلاد على المدى البعيد. وبالإضافة إلى ذلك يتعرض الوضع الاقتصادي الخارجي لمصر لضغوط متزايدة، لا سيما إذا شهدت تحويلات المصريين في الخارج تدنيا في المدى القريب.
ونقل التقرير عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن معدل البطالة في مصر ارتفع خلال الأشهر الستة الماضية من 7,7٪ إلى 9,6٪ محذرا من أن عدم سعي نظام الانقلاب لاتخاذ تدابير تضع حدا لمستويات الفقر المتزايدة قد يسفر عن نتائج عكسية عن طريق زيادة مخاطر الاضطرابات الاجتماعية التي تعيق الاستثمار الأجنبي في نهاية المطاف.
وأضاف: "تخفيض الدعم وزيادة الضرائب والرسوم يجذب المستثمرين والمؤسسات الأجنبية ويجعل النمو الاقتصادي ممكنا، لكنه يزيد من المعاناة الاجتماعية في أوساط المصريين. وبالفعل أدت هذه السياسات إلى زيادة معدلات الفقر وعرضت بعض البرامج الاجتماعية للخطر؛ وهو ما أدى بدوره إلى تأجيج مشاعر الاستياء العام.