على خطى هيئة كبار علماء السعودية التي تخضع بشكل مباشر لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، عرَّاب التطبيع مع الكيان الصهيوني في المنطقة، نشرت صحيفة «الوطن» التي تتبع جهاز المخابرات العامة فتوى جديدة مثيرة للجدل صادرة عن مركز تابع للأزهر تحرم الانضمام لجماعة الإخوان المسلمين!
الفتوى الجديدة أصدرها ما يسمى بمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، الذي يرأسه الدكتور نصر فريد واصل، مفتي الجمهورية الأسبق؛ ردا على سؤال توجهت به الصحيفة حول موقف الأزهر لما أسماه السؤال بــ"الجماعات الإرهابية"، وهو ما تم الرد عليه بأن الانضمام إلى الجماعات الإرهابية محرم شرعا.
موقع "الوطن"، الذي نشر خبره تحت عنوان (لأول مرة.. "الأزهر" يفتي بحرمة الانضمام للإخوان: مفسدون يغرسون الفتنة)؛ نقلت عشرات الصحف والمواقع المصرية والعربية عنه تلك الفتوى معتبرة أنها الفتوى الأولى من الأزهر الشريف بحق جماعة الإخوان المسلمين، وأنها أول موقف واضح ومباشر ولا لبس فيه من قبل مشيخة الأزهر. وبمجرد نشر خبر الفتوى انهالت الفتاوى المؤيدة لها من قبل وزير الأوقاف مختار جمعة، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ومجمع البحوث الإسلامية، مثمنين خطوة مركز فتاوى الأزهر بتحريم الانضمام لجماعة الإخوان المسلمين.
فتوى مشبوهة
فتوى الأزهر الأخيرة صدرت عن لجنة الفتوى التي شكلها الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، في نوفمبر 2020م، وبحسب رئيسها نصر فريد واصل فإن ما يسمى بمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية يتبع مشيخة الأزهر بشكل مباشر، والقائمون على المركز يعملون من داخل المشيخة. ويؤكد واصل أن هذه الفتوى "المشبوهة" صحيحة وصادرة عن الأزهر وتمثل شيخه وإلا كان أعلن عن رأي مخالف لما ورد في مضمونها ومحتواها. ويعلق واصل على الفتوى المشبوهة مضيفا «صحيح أن الفتوى لم تذكر اسم جماعة الإخوان المسلمين نصا في هذا الإطار ولكن الحديث ينطبق عليهم»!. ويوضح واصل أن المركز لا تصدر عنه فتوى واحدة إلا بعد مراجعتها وموافقة كبار العلماء بالمشيخة عليها، وأن المركز يحت إشراف مباشر من جميع الجهات بالأزهر، ويعتبر ذا أهمية كبيرة لدى المشيخة لأنه لا يخاطب المصريين فقط بل يخاطب العالم كله.
فتوى الأزهر الأخيرة والمشبوهة تأتي في أعقاب ضغوط كبيرة مورست على المشيخة من عدة جهات على رأسها أجهزة السيسي الأمنية، من أجل إصدر بيان تأييد لمحتوى بيان ما تسمى بهيئة كبار العلماء السعودية الصادر في 10 نوفمبر 2020م، ومجلس الإمارات للإفتاء في 24 نوفمبر، والذي اعتبر الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا وأعضاؤه خوارج لا يمتون للإسلام بصلة! ولما فشلت أجهزة السيسي في إقناع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، الذي يخشى من توريط الأزهر في الضلال السياسي؛ تدخل محمد بن زايد، الشهير بشيطان العرب، من أجل توظيف المكانة التي يتمتع بها الأزهر في الحرب على جماعة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في مصر والعالم والتي ترفع لواء وجوب العمل من أجل تحرير البلاد العربية من الظلم والاستبداد وتفعيل قيم الشوري والحرية والعدالة وضرورة أن تتمتع الشعوب بحق اختيار الحكام وعزلهم إن أساءوا وفقا لأدوات دستورية مستقرة توافق قيم الإسلام وقواعده وأحكامه. ويبدو أن الضغوط التي مورست من جانب حكام أبو ظبي قد أتت أكلها ورضخ الأزهر تحت أقدام السلطة والنظم العربية المستبدة وأصدر هذه الفتوى السياسية المشبوهة.
سياسية عسكرية بامتياز
يشار إلى أن الدكتور نصر فريد واصل، كان المشرف العام ورئيس الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح التي أسسها نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين المهندس خيرت الشاطر سنة 2012م، والمعتقل حاليا في سجون العسكر منذ انقلاب 3 يوليو 2013م، بتهم سياسية ملفقة.
من جانبه، اعتبر الشيخ سلامة عبدالقوى، الداعية الإسلامي الشهير والمتحدث باسم وزارة الأوقاف في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي، الفتوى سياسية عسكرية بامتياز، وصيغت بعبارات سياسية لا علاقة لها بمصطلحات الشرع والفقه. مضيفا أن الناس فقدت الثقة في الأوقاف والإفتاء، والنظام العسكري أراد لهذه الفتوى المشبوهة أن تكون ممهورة بختم الأزهر لما يتمتع به بشيء من المصداقية.
ويرى أن الفتوى لم تخرج ممهورة باسم شيخ الأزهر ؛ وفسر ذلك برفض الطيب لمحتواها شكلا ومضمونا، وأن الأزهر وافق على صدور هذه الفتوى بناء على قاعدة أخف الضررين، وبالتالي جرى إخراج الفتوى باسم المركز التابع للأزهر من حيث الشكل. كما أنها تأتي في أعقاب بيانين عن كبار علماء السعودية وإفتاء الإمارات وتمضي على ذات المنوال الداعم لمواقف السلطة والنظم المستبدة. مرجحا أن تكون الفتوى قد صيغت من جانب الأجهزة الأمنية وجرى فرضها على الأزهر فرضا.
أما من حيث المضمون فيرى "عبدالقوي"، أنه عند مناقشة الفتوى علميا فإنها خالية من أي ذكر عن جماعة الإخوان المسلمين إلا ما ورد في السياق فقط. موضحا أن "الأصل في أي سؤال يطلب الفتوى حول الانضمام لجماعة معينة أن يأتي الرد مؤصلا لعدة أمور أولها خطورة هذه الجماعة، ثم سرد بعض العقائد أو الاعتقادات أو الأدبيات أو الوقائع كدليل على ما نصل إليه بالفتوى". وأشار إلى أنه "يجب أن يقال إن جماعة الإخوان المسلمين تحمل فكرا يخالف العقيدة الإسلامية كما ورد في كتابهم كذا وصفحة كذا مثلا، أو أنها تنكر أصلا معلوما من الدين بالضرورة كما جاء في كتاب قائدهم فلان أو خطاب زعيمهم فلان، أي أنه لا بد ذكر الوقائع".
وتساءل الشيخ عبد القوي: "الأزهر الآن يقول إن الانضمام لجماعة الإخوان المسلمين حرام؛ فما السبب؟ وهو سؤال يطرحه المسلم العادي، والشباب الذين يحذرهم من الانضمام للجماعة". وأضاف: "هل هذه الجماعة في فكرها ومعتقدها تخالف الكتاب والسنة؟ الإجابة لا؛ وإلا فلماذا كنت تعمل معهم يا دكتور واصل؟ ولماذا كنت تعمل معهم يا دكتور أحمد الطيب؟".
وواصل الشيخ تساؤلاته: "هل هذا الفكر يخالف الكتاب والسنة؟ بالطبع لا، ولكنه يخالف العسكر، الإجابة: نعم، إذن هنا الفتوى خرجت عن سياقها العلمي والشرعي إلى سياق عسكري سياسي". وتمنى عبدالقوى لو أصدرت هذه المؤسسات كالأزهر وكبار علماء السعودية وإفتاء الإمارات رأيها في التطبيع مع العدو الصهيوني ودعمه والانحياز له على حساب المسلمين في فلسطين ولبنان وغيرها.
وقلل عبدالقوي من شأن فتوى الأزهر الأخيرة؛ لافتا إلى أن الدكتاتور جمال عبدالناصر أجبر شيخ الأزهر الأسبق الشيخ عبدالرحمن تاج على إصدار فتوى تحرم الانضمام للإخوان وتصفهم بالخوارج. في إشارة إلى أن مثل هذه الفتاوى المسيسة ليس لها قيمة على المستوى العلمي والفقهي وحتى الاجتماعي، لكن الحكام المستبدين يأبون إلا توظيف الدين والمؤسسات الدينية لخدمة أجندتهم وتكريس نظمهم الظالمة التي تقمع الشعوب وتواطئ الأعداء.