لأول مرة يشاهد أهالي مدينة رفح المصرية في أواخر أكتوبر الماضي "2020م" وفدا عسكريا صهيونيا بزيه الرسمي يتجول برفقة قيادات عسكرية مصرية في المنطقة العازلة على الحدود مع قطاع غزة، وهي المنطقة التي أقامها جيش الطاغية عبدالفتاح السيسي لفرض المزيد من الحصار على المقاومة الفلسطينية حتى تذعن للاحتلال ورعاته في الولايات المتحدة الأمريكية.
الوفد الصهيوني وفقا لشهود عيان كان لا يقل عن عشرة ضباط تفقدوا منطقة العمليات التي يسيطر عليها الجيش في حربه ضد مسلحي تنظيم "ولاية سيناء"، وهي المنطقة التي شهدت تدمير كل الأنفاق بين غزة والمدن المصرية في شمال سيناء وإقامة منطقة عازلة وجرى تهجير أهاليها وتدمير منازلهم لمسافة تصل إلى 500م. ثم إقامة سورين أحدهما حديدي والثاني خرساني لمنع عمليات التهريب للقطاع. وجرت الزيارة وسط حراسات مشددة من قبل قوات الجيش وإغلاق للمنطقة المحيطة، فيما تعرضت المنطقة التي تجوّل فيها الوفد العسكري الصهيوني لقصف جوي من الطيران الحربي الذي لم يتم التأكد من هويته إن كان مصريًا أو صهيونيًا".
وتخشى دوائر شعبية من أهالي سيناء وقطاع غزة من أن يكون تواجد الوفد الصهيوني بداية لمرحلة جديدة من التنسيق الأمني الميداني والمباشر بين حكومة الاحتلال وأجهزة الانقلاب الأمنية، وهو ما يمثل تطويرا لهذا التنسيق الذي لم يتوقف لكنه كان يتركز على القصف الجوي وتبادل المعلومات الاستخباراتية في سياق الحرب ضد ما يسمى بالإرهاب ضد تنظيم "ولاية سيناء".
ويرى مراقبون أن قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي أقدم على هدم جميع الأنفاق بين غزة وشمال سيناء في أعقاب اغتصابه للسلطة بانقلاب عسكري في يوليو 2013م؛ بهدف تشديد الخناق على المقاومة الفلسطينية وتركيعها أمام الكيان الصهيوني الذي وجد نفسه في ورطة كبيرة بسبب تنامي المقاومة في غزة؛ حيث شن الصهاينة ثلاثة حروب كبيرة للقضاء على المقاومة في 2008 و2012م وأخيرا في 2014م؛ لكنه فشل في تركيع المقاومة.
ويسعى السيسي إلى الفوز برضا الحليف الصهيوني على الدوام والذي يحظى بنفوذ طاغ على كل الإدارات الأمريكية، حيث كانت الأنفاق تمثل رئة للقطاع المحاصر منذ 2007م من جانب الصهاينة والحكم العسكري في مصر. وكانت هذه الأنفاق تستخدم في تهريب المواد الغذائية والدواء والوقود لمليوني فلسطيني يعيشون في غزة، في الفترة بين عامي 2008 وحتى 2013، عندما اغتصب السيسي الحكم، وأعطى التعليمات لقوات الجيش بهدم الأنفاق، وإنهاء وجودها بالكامل، بذريعة منع تهريب السلاح والمال للمقاومة الفلسطينية في غزة، وبتنسيق أمني علني مع الاحتلال الصهيوني. وهذا ما أكدته التصريحات الصهيونية في كثير من المواقف على مدار السنوات الماضية. بينما ترابط الزوارق الحربية الصهيونية على الحدود المائية بين قطاع غزة وسيناء، لمراقبة الحدود ومنع أي عملية تهريب تتم من خلال البحر، وذلك بتنسيق ميداني مع قوات البحرية السيسية.
ويحظى زعيم الانقلاب بتقدير واسع في الأوساط الصهيونية ويعتبره كثيرون منقذا للكيان الصهيوني؛ فقد قضى على الثورة المصرية ويعمل على استئصال أعداء الكيان الصهيوني في مصر وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في مصر والعالم؛ وتمكن من تغيير العقيدة القتالية للجيش المصري حيث بات الكيان الصهيوني حليفا وصديقا بينما جرى توجيه سلاح الجيش إلى صدور المصريين لحماية أمن الكيان الصهيوني وضمان بقائه وتكريس تفوقه ونفوذه.
وتذهب تحليلات رصينة إلى أن الحرب التي يشنها السيسي في سيناء ضد ما يسمى بتنظيم "ولاية سيناء" هي مجرد غطاء للأهداف الحقيقية منها؛ وهي فرض المزيد من الحصار على المقاومة الفلسطينية بهدم الأنفاق وإقامة منطقة عازلة، وإضعاف خطوط إمداد المقاومة من خلال سيناء؛ حيث جرى إحباط عشرات المحاولات لتهريب الأسلحة والأموال سواء عبر الخطوط البرية أو البحرية؛ الأمر الذي يحرم المقاومة من التزود بالسلاح استعدادا لاعتداءات الصهاينة التي لا تتوقف.
يعزز هذا التحليل ما نشره موقع "واللا" العبري العام الماضي والذي يؤكد أن التعاون الأمني بين جيش السيسي وجيش الاحتلال الصهيوني في سيناء، يستهدف بشكل أساسي إلى إحباط تهريب السلاح لحركة "حماس" في قطاع غزة، وليس لضرب تنظيم "داعش". ولفت التقرير إلى أن الكيان الصهيوني استغل سماح نظام السيسي له بالعمل في سيناء، وعمل بشكل مكثف على إحباط إرساليات السلاح التي تهرّب عبر الصحراء إلى "كتائب عز الدين القسام"، الجناح العسكري لـ"حماس".
بالونات استخباراتية
وتأتي زيارة الوفد الصهيوني لمدينة رفح المصرية بالتنسيق مع أجهزة السيسي العسكرية والأمنية متزامنة مع تقارير صهيونية تكشف عن إطلاق مخابرات السيسي قبل سنة بالونات إلكترونية لجمع المعلومات عن التحركات العسكرية في شمال سيناء وخصوصا مدن رفح والشيخ زويد والعريش.
وبحسب التقرير الذي نشره موقع ناتسيف نت المتخصص بالشئون الأمنية فإن منطاد المراقبة المصري الذي يمكنه البقاء في الهواء لفترة طويلة، ويغطي إلكترونيًا مناطق أكبر، مما سيسمح بمعلومات آنية عن التحركات المسلحة العاملة في شمال سيناء، لاسيما وضع العبوات الناسفة بدائية الصنع التي يزرعها المسلحون في كثير من الأحيان على طرق المرور في المنطقة، ويصيبون باستمرار قوات الجيش المصري العاملة هناك". لكن الموقع الصهيوني يؤكد أنه بعد سنة من وضع هذه البالونات الإلكترونية لجمع المعلومات فشلت في أداء مهامها والبرهان على ذلك زيادة وتيرة الأعمال المسلحة التي أوقعت كثيرا من ضباط وجنود الجيش المصري.
صفقة سلاح أمريكية للسيسي
وأضاف الموقع العبري أن "المتابعة الصهيونية لم تقتصر على البالونات الأمنية المصرية، بل إن الأمر يتعلق بتوريد 50 صاروخ كروز فرنسيا من طراز SCALP-EG لطائرة رافائيل المملوكة للقوات الجوية المصرية، مما يسمح لها بمد ذراع الهجوم عن بُعد بشكل كبير، ولديها القدرة على تدمير أهداف محصنة بشكل خاص، من مسافات تزيد عن 200 كم، دون الاقتراب من الحدود".
ولفت إلى أن واشنطن "وافقت على صفقة عسكرية محتملة لمصر لمنظومة بحرية ومعدات أخرى، بما فيها 12 طائرة بدون طيار بقيمة 417 مليون دولار، وأخرى متوسطة المدى توفر قدرات الاستخبارات والاستطلاع والتتبع، وإمداد مصر بـ3 وسائل جوية هي بالونات المراقبة المجهزة بأجهزة استشعار كهروضوئية، وأجهزة استشعار بالأشعة تحت الحمراء، والرادار، يمكن استخدامها ضد تنظيمات سيناء، وتأمين حدود مصر". وهو ما يمثل حماية في ذات الوقت لأمن الكيان الصهيوني.