كشفت إحدى الرسائل الإلكترونية لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هيلاري كلينتون، عن بعض ملامح الصراع الخفي الذي كان يدور بين الرئيس الشهيد محمد مرسي عقب فوزه بالرئاسة في يونيو 2012م وجماعة الإخوان المسلمين من جهة والمجلس العسكري الذي تولى إدارة شئون البلاد بعد الإطاحة بمبارك في أعقاب ثورة 25 يناير 2011م من جهة ثانية. فبينما كان الإخوان ومرسي يشهدون خلافات بينية مع المجلس العسكري، تتركز على طبيعة الحكم، والتعامل مع القوى السياسية المختلفة، كان المجلس العسكري يركز صراعاته مع مرسي حول ضمان امتيازاته خارج رقابة البرلمان، في مقابل الحد من تدخلهم في جهود الإخوان المسلمين لإعادة هيكلة المجتمع المدني تحت المبادئ الإسلامية.
رسالة كلينتون تكشف أن القادة العسكريين كانوا مهمومين بأمرين اثنين: الأول هو ضمان استمرار امتيازاتهم المالية والاقتصادية والسياسية وتحديد ذلك بوضوح بما يمنع من وجود أي رقابة شعبية جادة على الجيش وميزانتيه وهيكلته التنظيمية. والثاني، هو الإمساك بمفاصل السلطة بما يحد من صلاحيات الرئيس المنتخب وحكومته الجديدة. وإغراء الإخوان بأن الجيش لن يتدخل في جهودهم نحو أسلمة المجتمع المصري على أسس ومبادئ إسلامية.
لم يقبل الإخوان بهذه المعادلة، ورفضوا الوصاية العسكرية على المجتمع المصري، مؤكدين أنه في النهاية يجب أن يخضع الجيش للرقابة الشعبية. لكنهم كانوا يصرون على ضرورة تسليم المجلس العسكري السلطة كاملة إلى الحكومة الجديدة التي يجب أن تتمتع بكامل الصلاحيات.وقد جاءت دعوة مرسي لإعادة انعقاد البرلمان كمفاجأة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، ما أدى لانزعاجهم الشديد، بحسب مصادر الرسالة.
وعلى عكس ما كانت تروج الدوائر الإعلامية التابعة لرجال أعمال نظام مبارك والأحزاب والقوى العلمانية بأن مرسي والإخوان عقدوا صفقة مع المجلس العسكري من أجل توزيع مغانم السلطة ، وأن مكتب الإرشاد هو من يحكم البلاد من مقره في منطقة المقطم بالقاهرة؛ تؤكد الرسالة الموجهة بتاريخ 14 يوليو 2012 من هيلاري كلينتون إلى جاكوب سوليفان، نائب كبير موظفيها في ذلك الوقت، أن مرسى تمتع باستقلالية حقيقية عن جماعة الإخوان ومكتب الإرشاد وأن مرسي والجماعة كانوا يديرون نقاشا محتدما في الكواليس الخلفية حول طبيعة نظام الحكم في مصر ودور المؤسسة العسكرية فيه.
3 نقاط خلافية
وبحسب الرسالة فإن معلومات منسوبة لمصادر غاية في الحساسية تؤكد انعقاد لقاءات جمعت بين قيادة جماعة الإخوان وقيادة المجلس العسكري، بعد الإعلان عن فوز مرسي بمنصب الرئاسة. وأن هذه الاجتماعات اتسمت بالتوتر الشديد وتمحورت الخلافات حول ثلاث نقاط:
الأولى، هي رغبة المجلس العسكري بالحفاظ على امتيازاته، بينما رفض الإخوان ذلك مؤكدين أن الوضع النهائي يجب أن يضمن وضع الجيش تحت رقابة الشعب (البرلمان) مع احترام مكانته.
والثانية، أن الإخوان يريدون التأكد من حصول البرلمان والرئيس المنتخب على سلطاتهم كاملة، فيما كان المجلس العسكري يناور من خلال السعي لحل البرلمان وتعطيل أعماله.
والثالثة، هي رغبة الجيش بمنع "هيكلة المجتمع تحت مبادئ إسلامية"، فيما توصل الإخوان إلى تسوية مع المجلس على أن الحكومة ستكون إسلامية، ولكن منفتحة على العالم، و"قادرة على مواصلة الاضطلاع بدورها كعضو في المجتمع الدولي".
الرهان على عامل الوقت
وبحسب الرسالة يبدو أن الإخوان في صراعهم مع المجلس العسكري كانوا يراهنون على عامل الوقت، فالاجتماعات المشتركة كانت في غاية التوتر، لكن ذلك لم يمنع الجانبين من الإقرار بأنه من غير الممكن تجنب قيام أعضاء البرلمان بتوجيه خطابات ناقدة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، ولكن لن يتم اتخاذ أي إجراءات جادة للحد من مكانة الجيش. إضافة إلى ذلك فإن أحد المصادر الذين نسبت لهم الرسالة معلوماتها، فإن الإخوان المسلمين وقتها على الأرجح لن يقبلوا بقيود طويلة المدى على السلطات التي فازوا بها في الانتخابات.
وفي الحوارات غير العلنية، يقول بديع وقادة الإخوان المسلمين إنهم في النهاية يعتقدون بأن الجيش ملك للشعب، وأنهم مقتنعون الشعب سوف يطلب في مستقبل الأيام الإشراف على الجيش. وفي تلك النقطة سوف يتطور الخلاف الحقيقي بين الإخوان المسلمين والمجلس الأعلى للقوات المسلحة.
اللافت في رسالة كلينتون المشار إليها، أن المصدر شديد السرية الذي صاغ الرسالة توقع تأجيل الصدام بين الجماعة والمجلس العسكري، وأن الهدوء الذي أعقب فوز مرسي بعد الاحتجاجات التي رفضت تزوير الانتخابات لحساب الفريق أحمد شفيق ومحاولة الإخوان المسلمين إظهار الرغبة في إشراك الآخرين وقبول المجلس الأعلى للقوات المسلحة لن يدوم إلى الأبد. وتوقع أن يستخدم الإخوان هذه الفترة من الهدوء لبناء شرعيتهم بوصفهم الحزب الحاكم المقبل في مصر، ويستأنفون سعيهم لكسب المزيد من السلطات عندما تهدأ الأوضاع.
أما المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومختلف الأطراف المعارضة لحكم الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة وحزب النور، فإنهم سوف يتمسكون بقناعتهم بأنه رغم سيطرة الإسلاميين على أكثر من 75 بالمئة من البرلمان، فإن مرسي فاز بالرئاسة بهامش ضئيل جدا ضد الجنرال السابق الذي يحمل سمعة مثيرة للجدل حتى مع طنطاوي وقادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
هذا المصدر المطلع على المجلس الأعلى للقوات المسلحة والإخوان المسلمين يعتقد بأن (حكومة يقودها الإخوان يمكن أن تطور بنية إدارية ديمقراطية وفعالة، لكنهم يعملون ضد جدول زمني تمليه توترات سياسية خارجة عن سيطرتهم).
وقاد الجيش في 3 يوليو 2013م، انقلابا على الرئيس محمد مرسي بعد عام واحد فقط من فوزه بالرئاسة في الانتخابات الرئاسية الوحيدة التي يمكن وصفها بالنزيهة في تاريخ مصر كله. وتولى الجيش الحكم من جديد مع توسيع نفوذه وحماية إمبراطوريته الاقتصادية منزها عن أي رقابة شعبية.