“لو تريدون المصالحة أخبروني”.. هل يرغب الجيش في المصالحة مع الإخوان والسيسي يرفض؟

- ‎فيتقارير

أثار توجيه السيسي أمس سؤاله المفاجئ للقادة العسكريين في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة حول المصالحة مع الإخوان تساؤلات حول سبب توجيه هذا السؤال لقادة الجيش برغم ان موقف السيسي معروف وكرره أكثر من مرة برفض المصالحة.
السيسي قال لقادة الجيش: "لو تريدون المصالحة أخبروني، لكن أنا لن أستطيع المصالحة مع من يريد هدم بلدي"، فهل يعطي هذا إشارة إلى أن هناك توجها داخل المؤسسة العسكرية يميل إلى المصالحة مع الإخوان في ظل الاعتراف بأنهم القوة الكبرى في الشارع ويصعب تجاهلهم، وهل يعني هذا أن هذا التوجه من جانب المؤسسة العسكري يقلق السيسي؟

وخلال فعاليات الندوة التثقيفية الـ 32 للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى الـ 47 لانتصارات أكتوبر، عاود عبد الفتاح السيسي تأكيده رفض المصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين، واستمر في مزاعم ربط حكمه واستقرار نظامه بـ"سقوط الدولة"، وهاجم كعادته ثورة يناير معتبرا أنها "تخريب"، وأبدي قلقه من معارضة الخارج وإعلامها.
السيسي قال: "أنا ما أقدرش أتصالح، لأني ما أقدرش أتصالح مع اللي بيهد بلادي ويزعزع استقرارها، لو كان الاختلاف على أد الاختلاف أهلا وسهلا”، وزعم: “أصالحك إزاي إذا كنت أنا هنت عليك وشعب مصر هان عليك". وقال إنه "لا يمكن المصالحة مع من أراد تشريد شعب مصر"، زاعما أن "تلك الأجيال تحاول صناعة الرأي العام كأداة تدمير للدولة"، من خلال إعادة تصدير تلك الحروب في أشكال جيدة، ويمكننا تجاوزها عن طريق معرفتها جيدًا!

وحاول السيسي تشويه حكم الرئيس الشهيد محمد مرسي زاعما: "والله قعدت مع الناس سنة ونص قبل ما يتولوا الحكم (في إشارة لجماعة الإخوان) وسألتهم هتعملوا ايه في الصحة والإسكان والتعليم ملقتش إجابة، أنت عايز تتصدى لدولة وأنت مش عارف إزاي هتحل المشكلة".
ولكنه اعترف أن "منظومة الصحة والتعليم تراجعت (بعد انقلابه) طبعًا لأن المطلوب غير موجود، لكننا نقاتل ونبذل أقصى جهد في إطار المتاح"، بحسب زعمه.

وكعادته استمر السيسي في التحذير من معارضة وإعلام المعارضة في الخارج رغم تواضع ما يتم إنفاقه عليه، حيث قال إن فكرة العبث والحديث في الإعلام المضاد للدولة عن هدم مصر لن ينجح، و"سأحاجي (يقصد أحاجج وهو ما أثار سخرية مواقع التواصل منه لأن "أحاجي" يعني لغز وفزورة) الكل يوم القيامة قدام ربنا على اللي بنعمله في بلادنا"!!.
وقبل حديث السيسي أكد الدكتور إبراهيم منير القائم بأعمال المرشد الان انه لا مصالحة مع نظام السيسي الدموي.

تاريخ الحديث عن المصالحة
برغم مزاعم إعلام وسلطة السيسي أنه تم القضاء على جماعة الإخوان وأن "الإخوان انتهت"، تطرق السيسي للمصالحة مع الإخوان في خطبه عدة مرات، ما يؤكد قلقه من قوة ونفوذ الجماعة رغم المجازر والمذابح بسياسة الصدمة والترويع، والاعتقالات وأحكام الاعدام ومصادرة الاموال والممتلكات.
وكانت آخر مرة تطرق فيها السيسي للمصالحة في إبريل 2020 حيث تجددت أحاديث المصالحة بين جماعة الإخوان المسلمين ونظام السيسي مرة أخرى بعد أن أشار عبد الفتاح السيسي إلى "استحالة الاستجابة للكثير من الدعوات والمناشدات التي نادت بالإفراج عن المعتقلين السياسيين"، وفسر سياسيون وباحثون مصريون كلمة السيسي بأنه أغلق تماما باب المصالحة.
وكان السيسي قد قال –صراحة وأكثر من مرة- إن المواجهة ستظل مستمرة ولن تنتهي مع من وصفهم بـ"العناصر والفصيل الشرير"، في اشارة إلى الإخوان، مؤكدا أنه يريد مصر خالية ممن وصفهم بـ"الأشرار"، على حد قوله.
وكان واضحا من خطاب السيسي أنه يخشى عودة الإخوان للساحة لو أوقف قتلهم واعتقالهم وحظرهم؛ حيث شدد ضمنا على أنه "لو تصالح معهم سيعودون للسيطرة على الساحة السياسية بعد 5 سنوات ويستعيدون قوتهم".

وكان مقال للكاتب عماد الدين حسين رئيس تحرير جريدة الشروق المصرية، نهاية الشهر الماضي، بعنوان "الفرصة الذهبية التي ضيعها الإخوان"، قد أثار جدلا في الأوساط السياسية جاء فيه –على خلفية أزمة كورونا-: "إن الإخوان أضاعوا فرصة ذهبية كان يمكن أن تُسهم في ترميم صورة الجماعة، وكانت فرصة لا تُعوض لإنهاء أو تأجيل كل الخلافات والصراعات، قاصدا بذلك أنها لم تلعب دورا في مكافحة كورونا، وهو ما رد عليه نشطاء متسائلين عن كيفية قيامهم بهذا الدور وهل ستسمح لهم السلطة وكيف وهم ما بين معتقل ومقتول ومضيق عليه ومصادرة أموالهم!!.

ورد الدكتور حلمى الجزار القيادي بجماعة الإخوان المسلمين بجريدة العربي الجديد على "حسين"، مؤكدا ضرورة "تأجيل الكثير من القضايا والصراعات لحين النجاح في مقاومة كورونا كأمر حتمي"، وأن "أزمة الوباء لن تكون لتصفية حسابات سياسية، ولا لتنفيذ عقوبات جماعية، ولا لصناعة أمجاد شخصية، ولا لإدارة مناكفات حزبية".
وقال الجزار إن موقف الإخوان الرسمي الواضح هو توجيه كل أعضائهم ومحبيهم في مصر للالتزام بتعليمات الدولة بشأن الإجراءات الوقائية من الفيروس"، منوها إلى أن "الإخوان ستكون مُقبلة، وبقلوب مفتوحة، وأياد ممدودة، لتضع يدها في يد كل مخلص عاقل حريص -بصدق- على مصلحة هذا الوطن وهذا الشعب.

وبعد ثلاثة أيام من مقال "الجزار"، عقدت جماعة الإخوان مؤتمرا صحفيا بعنوان "التعاون والمشاركة فريضة" لتؤكد رسميا ما جاء بمقال القيادي البارز بها.
وأعلنت للمرة الأولى منذ الانقلاب دعم مبادرة للأزهر، وتأجيل خلافاتها مع نظام السيسي للتكاتف ضد فيروس كورونا، وشدّدت الجماعة على أنه لا مجال للخلافات السياسية والفكرية، مُعلنة تشكيل لجنة متخصصة للإسهام مع الشعب المصري في مواجهة كورونا، ومؤكدة أن أيديها ستظل ممدودة للجميع بالخير لأجل مصر وشعبها.

وجاء رد السيسي –في مؤتمره الصحفي بحضور قادة الجيش ورموز نظامه- قاطعا وواضحا بأنه لن تكون هناك مصالحة وطنية، بل ستستمر المواجهة مع من يصفهم دائما بالأشرار، ومواصلا استخدام مصطلحاته العدائية والإقصائية.
أيضا ألغي السيسي وزارة العدالة الانتقالية والإصلاح التشريعي المفترض انها مكلفه بالمصالحة التي وردت في خارطة طريق السيسي التي اعلنها في يوليو 2013 ثم تنكر لها، وأحل بدلا منها وزارة "الشؤون القانونية" ما طرح تساؤلات حول مصير ملف العدالة الانتقالية، وإعداد القوانين المتعلقة بالمصالحة الوطنية، وحقوق الإنسان، فضلًا عن دورها في الإشراف على عمل لجنة الإصلاح التشريعي.

ويلزم الدستور، في مادته رقم 241، مجلس النواب بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة والمحاسبة واقتراح أطر المصالحة الوطنية وتعويض الضحايا في أول دور انعقاد له، وقد انتهي دور الانعقاد الأول للبرلمان في 6 سبتمبر 2017 ثم انتهي دور البرلمان كليا في سبتمبر 2020 ويجري الاعداد لانتخابات جديدة دون إصدار القانون.

ووقت استحداث وزارة العدالة الانتقالية والمصالحية الوطنية، أسند رئيس الوزراء حازم الببلاوي حقيبتها للمستشار محمد أمين المهدي، القاضي بالمحكمة الجنائية الدولية، وعقب سريان دستور 2014، أصدر الببلاوي القرار رقم 82 لسنة 2014، بتحديد اختصاصات الوزارة في "ضمان العبور الآمن للمرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد بأقل تكلفة وأكثر عائد على نحو يدعم الوحدة الوطنية، ويحقق المصالحة الوطنية الشاملة وتحديد المسائل والموضوعات التي تؤثر في وحدة نسيج المجتمع المصري ووضع حلول جذرية لها وآليات تنفيذها"، إلى جانب الإشراف على دمج مجلسي الشعب والشوري في مجلس النواب، وظلت الوزارة تمارس هذا الاختصاصات حتى بعد رحيل المهدي عنها في منتصف يونيو 2014، وإسنادها للمستشار إبراهيم الهنيدي، بعد إضافة الإشراف على لجنة الإصلاح التشريعي إلى اختصاصاتها.

ومع تولي شريف إسماعيل رئاسة الوزراء، أسند الوزارة إلى المستشار مجدي العجاتي، النائب السابق لرئيس مجلس الدولة، مع تغيير مسمى الوزارة وصلاحياتها، لتصبح "وزارة الشئون القانونية ومجلس النواب" والتي أوكل لها إسماعيل، إلى جانب الإشراف على مجلس النواب وملفي العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان، مهمة دراسة ومراجعة ما يحال إليها من مشروعات القوانين واللوائح التنفيذية الواردة للعرض على مجلس الوزراء قبل عرضها على اللجان الوزارية المختصة، والاشتراك فى إعداد مشروعات القوانين المُقَدَّمَة من الحكومة، وإجراء الدراسات والبحوث القانونية فى المشكلات التى يحددها مجلس الوزراء، وتقديم اقتراحات وتوصيات بوسائل معالجتها ومتابعة المنازعات الدولية المهمة التى تكون الحكومة المصرية طرفًا فيها، والتى تحال إليها من مجلس الوزراء أو رئيس المجلس.

3 بنود من 10 لا تزال معطلة
وأعلن وزير الدفاع حينذاك الفريق أول عبد الفتاح السيسي يوم 3 يوليو 2013، عشرة بنود وصفتها صحف مصرية بأنها "خارطة الطريق" تضمنت 3 بنود معطلة حتى الان هي:

– تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى جميع النخب الوطنية وتمثل مختلف التوجهات.
– وضع ميثاق شرف إعلامي يكفل حرية الإعلام ويحقق القواعد المهنية والمصداقية والحيدة وإعلاء المصلحة العليا للوطن.
– اتخاذ الإجراءات التنفيذية لتمكين ودمج الشباب في مؤسسات الدولة ليكون شريكًا في القرار كمساعدين للوزراء والمحافظين ومواقع السلطة التنفيذية المختلفة.

حيث تحول بند كفالة "حرية الاعلام" الي اعتقال لعشرات الصحفيين واقتحام نقابة الصحفيين نفسها ومحاكمة ثلث أعضاء مجلس النقابة بما فيهم نقيب الصحفيين بتهمة إيواء صحفيين هاربين مطلوبين للنيابة، وغابت "المصالحة"، وباتت مرفوضة. وتم اعتقال وحبس مئات الشباب وطلاب في الجامعات وطلاب ثانوي ومطاردة الشرطة لهم وضربهم ونقلهم لمعسكرات الامن.

وعقب الانقلاب قال عبد الفتاح السيسي إن "جماعة الإخوان المسلمين جزء من الشعب المصري، وإن الشعب هو من يقرر طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه الجماعة في المستقبل"، ولكنه عاد لاحقا ليقرر رفضه أي مصالحه معها واعتقل وقتل أعضاءها.

بدورها قالت جماعة الإخوان المسلمين عدة مرات إنه لا تنازل عن الشرعية ولا تفريط في "حق الشهداء والجرحى"، ردا على ما تداولته بعض وسائل الإعلام عن رغبة الجماعة في المصالحة مع نظام السيسي.
وقالت: لا مصالحة مع القتلة، ولا تنازل عن الشرعية، ولا تنازل عن حقوق الشهداء والجرحى والمعتقلين.