حرب السيسي العبثية على سيناء.. لماذا يتواصل نزيف الدم المصري؟

- ‎فيتقارير

لا تزال الدماء المصرية تنزف بغزارة على أرض الفيروز في حرب عبثية يريد لها طاغية الانقلاب عبدالفتاح السيسي أن تبقى وتستمر وتتواصل من أجل توظيفها سياسيا وماليا لتكريس نظامه الدكتاتوري من جهة، والتسول من الخليج والغرب بدعوى مواصلة الحرب على ما يسمى بالإرهاب من جهة أخرى.

آخر التفاصيل ما ذكره بيان الجيش الأحد 30 أغسطس 2020م حول مقتل 77 من أهالي سيناء بدعوى أنهم تكفيريون في الفترة من 22 يوليو حتى 30 أغسطس. واعترف بيان الجيش بمقتل 7 من عناصره بينهم 3 ضباط و4 جنود إثر انفجار عبوة ناسفة بمنطقة بئر العبد في محافظة شمال سيناء، والضباط هم: الرائدان سعيد حمدي، وأحمد الجمل، والملازم أول محمد معتمد. فلماذا يستمر نزيف الدم المصري سواء من الأهالي أو الضباط والجنود أو حتى المسلحين؟ لماذا يقتل المصري أخاه ويسمح بطاغية أرعن ثبت أنه عميل للصهاينة أن يبث كل هذه الفتن بين المصريين؟

ومع تواصل هجمات تنظيم "ولاية سيناء" ، يطرح الكثير من الأسئلة والألغاز حول عدم قدرة الجيش المصنف التاسع عالميا في القضاء على عدة مئات من المسلحين وفق تقديرات الأجهزة الأمنية التابعة للنظام وخبراء عسكريين؛ فلماذا يستمر الفشل؟ ولماذا لم تحقق الاستراتيجية القائمة على استخدام «القوة الغاشمة» أهدافها؟ وكيف تمكن عدة مئات من المسلحين في إلحاق كل هذه الخسائر بأقوى تاسع جيش عالميا؟ ولماذا فشلت العملية الشاملة وقبلها 6 عمليات عسكرية موسعة في القضاء على التمرد المسلح في سيناء؟

حرب عبثية
مضى على تعهد قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي في نوفمبر 2017م بالقضاء على «الإرهاب» في سيناء في غضون ثلاثة اشهر فقط، نحو ثلاث سنوات، عندما كلف اللواء محمود فريد، رئيس أركان الجيش وقتها، وزير الداخلية وقتها اللواء مجدي عبدالغفار، باستخدام "القوة الغاشمة" في مواجهة المتطرفين بعد جريمة مسجد الروضة التي راح ضحيتها أكثر من 300 مصل خلال صلاة الجمعة، وهي الجريمة التي تدور حولها شبهات كبرى حول تورط الكيان الصهيوني وأجنحة داخل نظام العسكر في ارتكابها فلم تعلن حتى اليوم أي جهة عن تبنيها لهذه الجريمة المروعة؛ وبعد انتهاء المدة المحددة؛ لم يعلن السيسي القضاء على الإرهاب كما تعهد بل أطلق في 9 فبراير2018م «العملية الشاملة» التي توصف بكبرى العمليات المسلحة ضد المسلحين في سيناء كلها؛ والتي امتدت حتى اليوم دون أن تحرز أي تقدم ملموس فضلا عن النصر الحاسم الذي وعد به السيسي، وكما روجت وسائل إعلام النظام مرارا وتكرارا منذ انطلاقها.

أسباب الفشل

يمكن عزو أسباب الفشل في حسم الصراع الدائر في سيناء، رغم قلة عدد المسلحين إلى عدة تفسيرات؛ أولها الاعتماد كليا على الحل العسكري و"القوة الغاشمة" مع التهميش المستمر والمتواصل لسيناء وأهلها منذ اتفاق كامب ديفيد المشئوم سنة 1979م، إلى جانب الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها قوات السيسي بحق الأهالي من قتل واعتقال وتدمير المنازل والمزارع والتهجير القسري لعشرات الآلاف ما أوجد حاضنة شعبية كبيرة للمسلحين الذين منحتهم جرائم السيسي وقواته أعدادا إضافية من الغاضبين والمتمردين الذين يريدون الثأر والانتقام من الجيش الشرطة ردا على هذه الجرائم الوحشية بحقهم وبحق نسائهم وأطفالهم وأموالهم. وبذلك بات المسلحون فريقين: الأول هم المؤمنون بأفكار تنظيم "داعش" والذين يمارسون العمليات المسلحة بناء على أفكار ومعتقدات يؤمنون بها. والفريق الثاني، هم الغاضبون الثائرون من البدو والأهالي ضد قوات السيسي التي قتلت شبابهم وأطفالهم وسبت نساءهم ودمرت حياتهم بوحشية مفرطة انعدمت فيها أي لمحة من إنسانية أو أخلاق. وزاد من حجم الغضب الإفلات المستمر للضباط المتورطين في جرائم ضد أهالي سيناء من أي عقاب أو حساب من جانب النظام الذي يبدو من توجهاته وتجاهله للجرائم ضد الأهالي أنه يعزز هذه الانتهاكات ويدعمها لأهداف خفية وغير معلنة.

السبب الثاني، هو تراجع الكفاءة القتالية للجيش المصري رغم تقدم ترتيبه عالميا إلى التاسع بين أقوى الجيوش في آخر تصنيف، فبراير 2020م. فالاهتمام الأكبر لقادة الجيش هو احتكار السلطة السياسية والبحث عن السلطة النفوذ والمناصب الحساسة في النظام؛ إضافة إلى مشروعات البيزنس في قطاع المعمار عبر شركات الجيش التي احتكرت كل شيء في مصر، بخلاف السمسرة الواسعة في صفقات السلاح وجمع الإتاوات والجباية من الطرق الكبرى في البلاد التي فرض الجيش هيمنته عليها وفرض على المارين فيها رسوما كبيرة تدر عليه مليارات الجنيهات سنويا. وعمليا لا يواجه مقاتلو سيناء المحترفون على حروب العصابات سوى مجموعات من صغار الضباط والجنود غير المدربين على مثل هذه النوعية من الحروب غير النظامية التي تقوم على الكر والفر والتخفي؛ فيشنون الغارات الخاطفة ويختفون في الأحراش كالأشباح؛ فإذا جاءت الطائرات والدبابات والجنود لم تجد شيئا. فانشغال الجيش عموما بالبيزنس والمشروعات الاستثمارية أبعده عن دوره الحقيقي في حماية الحدود؛ وما الفشل في حسم هذا التمرد الذي يمتد إلى سنوات رغم قلة إمكانات المسلحين إلا انعكاس لحالة التردي والتدهور الحاد في القدرات القتالية للجيش وتراجع الكفاءة القتالية لعناصره.

ووفقا للمعايير العسكرية المجردة؛ فإن تنظيم "ولاية سيناء" والجهة التي تقف وراءه؛ تمكنت بالفعل من جر الجيش المصري إلى عملية استنزاف واسعة لقدراته خلال السنوات الماضية، حيث خسر الجيش كثيرا من قادته وضباطه وعناصره ومعداته؛ ما أفقده السمعة والمكانة؛ وجاءت الانتهاكات الواسعة التي مارستها القوات النظامية بحق الأهالي وعمليات التهجير القسري لتمنح المسلحين حاضنة شعبية لا يستهان بها فما فعلته قوات السيسي بأهالي سيناء خلال السنوات الماضية يفوق بآلاف المرات ما فعلته قوات الاحتلال الصهيوني بهم خلال 15 سنة من الاحتلال، في الفترة ما بين هزيمة 1967م واستعادة جزء منها في حرب 1973م والباقي في المفاوضات التالية حتى 25 أبريل سنة 1982م. حيث انسحبت قوات الاحتلال من سيناء باستثناء طابا وبالطبع أم الرشراش التي تجاهلها نظام العسكر حتى اليوم.