حضر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الجمعة، أولى الصلوات في آيا صوفيا منذ إعادته إلى مسجد، متوجا حملته الطويلة لوضع الإسلام في صميم الحياة العامة لجمهورية كانت موغلة في العلمانية.
على مدى 17 عاما في السلطة، غيّر أردوغان وحزبه العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية وجه تركيا الحديثة، ونزع أقفال الحظر على الحجاب في الأماكن العامة، ورفع لواء الدفاع عن التعليم الديني وبنى آلاف المساجد في جميع أنحاء البلاد.
وبينما استبقى فيه الدستور العلماني، الذي صاغه مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، يبدل أردوغان شكل الحياة في البلد الذي كان يقوده أتاتورك قبل نحو قرن من الزمان.
المعلم بيومي
بينما أراد مرشح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية، جو بايدن، النفاذ عبر وعي المسلمين فكان له ما أراد في الداخل عبر الناخب المسلم الأمريكي، إلا أن مخطط المرور تعرقل عن دولة بحجم تركيا ووعي ساستها وحكومتها بل وحتى المعارضة، فانكشف أن بايدن يلعب دور "المعلم بيومي" في الفيلم الشهير "رصيف نمرة ٥".
وداعب بايدن مشاعر السذج المسلمين من أجل دعمه ضد ترامب، مُستدعيًا حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم : "من رأى منكم مُنكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، وفق ما نقله موقع "سي ان ان بالعربية".
وتداولت وسائل إعلام، تصريحات لفضيلة الشيخ "بايدن" أدلى بها في ديسمبر، دعا فيها إلى التعاون مع المعارضة التركية "لإسقاط" الرئيس رجب طيب أردوغان، وسبق لبايدن أن قدم اعتذارا للرئيس أردوغان، عقب تصريحات عام 2014 اتهم فيها تركيا بالتعاون مع تنظيم "داعش" الإرهابي، عندما كان نائبا للرئيس السابق باراك أوباما.
من جهته قال الرئيس ترامب إن بايدن "غير كفء عقلياً" في عالم يعتبر فيه القادة الأجانب مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "لاعبين عالميين في الشطرنج".
وذكرت صحيفة "قرار" التركية، أن خسارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمام منافسه جو بايدن، في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ليست في صالح أنقرة.
وأضافت أن منافس ترامب، الديمقراطي جو بايدن، أصبح يتصدر استطلاعات الرأي في الوقت الحالي، مستدركة بالوقت ذاته أنه لا يمكن الاستناد عليها، وخاصة مع المتغيرات التي قد تحدث في الشهور الأربعة المقبلة.
ولفتت إلى أنه على افتراض بأن بايدن قد فاز بالانتخابات الأمريكية، فيمكن القول أن تركيا ينتظرها أيام صعبة مع الولايات المتحدة، وأشارت إلى أنه إذا أصبح بايدن رئيسا للولايات المتحدة، فمن المرجح أن يواصل سياساته المناهضة لتركيا، ومن المعلوم أن البنتاغون ووزارة الخارجية الأمريكية، على مسافة متباعدة مع أنقرة في السنوات الماضية.
أطماع أمريكية
وجدد أردوغان، تأكيده أن العالم أكبر من الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن، مشيرا إلى أن عمر النظام العالمي الذي يترك مصير شعوب العالم الإسلامي في يد تلك الدول، قد عفا عليه الزمن. وقال: “لقد انتهى عمر ذلك النظام الذي يترك مصير العالم الإسلامي الذي يبلغ تعداد سكانه 1.7 مليار نسمة لمزاج 5 دول دائمة العضوية بمجلس الأمن الدولي”.
وتابع: “كلما حاولوا إسكاتنا، نقول: فلسطين، وأراكان، وليبيا، والصومال، وسوريا، وكلما ضغطوا علينا أكثر نقول بصوتٍ أعلى: العالم أكبر من خمسة (في إشارة للدول دائمة العضوية بمجلس الأمن)”.
إسكات تركيا
وتطرق أردوغان كذلك إلى الحديث عن المؤامرات التي تحاك ضد بلاده قائلا: “لقد جربوا كافة الطرق من افتراءات، وانقلابات، وإرهاب اقتصادي لإسكات تركيا وخفض صوتها، لكننا لم نذعن لأي منها”.
وأضاف: “علينا أن نبحث عن الخطأ في أنفسنا أولا، إذ هناك جزء كبير من المسلمين ما يزالون يصارعون الجوع ونقص الموارد والفقر والجهل على الرغم من كل الإمكانيات والنفط والموارد الطبيعية التي وهبنا الله إياها”. وتابع: “أعتقد أننا سنقود التغيير إذا طبقنا القرارات التي نتخذها”، وأشار إلى أن تركيا تتأثر بالأحداث التي تقع في منطقتها، مشيرا إلى أنها تستضيف 3 ملايين و700 ألف من السوريين علاوة على مئات الآلاف من العراق وحتى أفغانستان.
وأضاف: “كافحنا من أجل حماية كرامة القدس وفلسطين في وجه تحرشات الإدارة الإسرائيلية التي لا تعترف بالقانون الدولي، ورددنا على الظلم من تركستان وحتى أراكان واليمن وليبيا وسوريا”. وأوضح أن الأرقام في العالم الإسلامي دون الإمكانيات الحقيقية في كافة المجالات بدءا من السياسة الخارجية حتى الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا.
وأشار إلى أن حصة العالم الإسلامي من الاقتصاد العالمي تمثل أقل من 10 في المئة، وقال إن الفرق في الدخل بين أغنى بلد إسلامي وأفقره يتجاوز 200 ضعف. وأضاف: “تمتلك البلدان الإسلامية 59 في المئة من احتياطات النفط و58 في المئة من احتياطات الغاز الطبيعي ومع ذلك يصارع 350 مليون من إخواننا للبقاء على قيد الحياة في ظروف الفقر المدقع”.
ولفت إلى أن المسلمين يشكلون 94 في المائة من قتلى الصراعات الحالية في العالم، وثلث الأسلحة المباعة في العالم تتجه إلى الشرق الأوسط، وبيّن أنه بينما يتقاتل المسلمون فيما بينهم لأتفه الأسباب في معظم الأحيان وينفقون مواردهم على التسلح عوضا عن التعليم والصحة والبحث والتطوير، يزداد تجار السلاح الغربيون ثراءً.
وشدد على ضرورة عدم الوقوع في اليأس والإحباط، مضيفا: “إذا اتحدنا وركزنا على المستقبل عوضا عن الماضي فإن أبواب الرحمة ستفتح أمامنا بإذن الله”.
وتابع: “عوضا عن الحديث عن مشاكلنا باستمرار ينبغي علينا أن نركز على مقترحات الحلول لها. ويتوجب علينا استنفار إمكانياتنا ومنح الأولوية للمشاريع التي نستكمل عبرها نواقصنا”. وأشار إلى وجود الكثير من الخطوات الواجب الإقدام عليها بدءا من التجارة بالعملات الوطنية وحتى الاستثمارات وإحياء مؤسسة الزكاة والحيلولة دون الإسراف والبيئة والصحة والتعليم والسياحة.
ورفعت تركيا الحظر على ارتداء الحجاب في مؤسسات الدولة في عام 2013، وهو قيد قديم ظل مؤيدوه يعتبرونه رمزا مهما للفصل بين الدولة والدين.
وقال أردوغان الذي كان رئيسا للوزراء آنذاك إن "تشريعا يستاء منه كثير من الشباب ويتسبب في معاناة شديدة لآبائهم، سُنَّ في حقبة ظلام، يقترب من نهايته".
التعليم الديني
أعاد أردوغان، الذي قال إن من بين أهدافه صنع جيل من الأتراك "الأتقياء" الروح إلى مدارس الأئمة والخطباء التي تمثل دروس التربية الدينية فيها ما بين ربع وثلث مناهجها الدراسية.
وجرى التوسع في تمويلها، مع بناء عشرات المدارس الجديدة وتخصيص مئات ملايين الدولارات لها، حسبما أظهر تحقيق أجرته رويترز.
كما تغيرت المناهج في المدارس العادية. وأعلنت الحكومة قبل ثلاث سنوات أن المدارس الثانوية ستتوقف عن تدريس نظرية داروين للنشوء والارتقاء والتطور، باعتبارها مثيرة للجدل وصعبة الفهم.
وبنت تركيا 13 ألف مسجد منذ تولي أردوغان السلطة، حسبما تظهر بيانات مديرية الشئون الدينية، ليصل الإجمالي إلى 89259 في العام الماضي.
ومن بين هذه المساجد جامع تشامليجا الأكبر في تركيا والذي تم افتتاحه رسميا في العام الماضي على غرار التصاميم الكلاسيكية للمهندس العثماني الشهير سنان. ويطل المسجد على مضيق البوسفور من قمة تل على الجانب الآسيوي من إسطنبول.
وتٌوضع اللمسات الأخيرة على مسجد آخر كبير في ساحة تقسيم بوسط إسطنبول، فيما يضفي صبغة دينية أشد وضوحا على حي يقف فيه نصب تذكاري لأتاتورك.
الجيش
كان الجيش هو المعقل والحصن المدافع عن قيم أتاتورك العلمانية، وتدخل أربع مرات في أربعة عقود بداء من عام 1960 لإسقاط حكومات تركية. وفي تدخل عام 1997، الذي أطلق عليه "انقلاب ما بعد الحداثة"، ساعد الجيش في إرغام رئيس الوزراء الإسلامي في ذلك الوقت نجم الدين أربكان على التنحي.
وخلال حكم أردوغان، دخل مئات كبار ضباط الجيش أروقة المحاكم بتهمة محاولة الإطاحة بحكومته. وبعد أن نجا من محاولة انقلاب عسكري في عام 2016، جرت عملية تطهير شملت الإطاحة بالآلاف من الجيش ومؤسسات الدولة الأخرى.
ولم يُخف أردوغان، وهو المسلم المتدين، أنه لا يشرب الكحول في تناقض شديد الوضوح مع أتاتورك الذي كان يظهر في صوره الفوتوغرافية في غالب الأحيان وفي يده الكأس.
وفرضت حكومة أردوغان ضرائب عالية على المشروبات الكحولية، ووضعت قيودا في بعض المناطق على الشرب في الأماكن العامة، وضيقت الخناق على الإعلانات عنها.
السياسة الخارجية
سعى أردوغان إلى وضع بلاده، العضو في حلف شمال الأطلسي، في موضع القوة الإقليمية المناصرة لقضايا المسلمين السنة، وندد مرارا بالكيان الصهيوني بسبب معاملتها للفلسطينيين واحتلالها للضفة الغربية.
وأفضت التدخلات العسكرية التركية في الوقت الراهن في سوريا والعراق وليبيا إلى اتهامات من خصومه بأنه ينتهج سياسة "عثمانية جديدة" لإحياء نفوذ الإمبراطورية الإسلامية في الأراضي التي كانت تابعة لها في الشرق الأوسط.
وصور أردوغان تغيير وضع آيا صوفيا على أنه إشارة على "عودة الحرية" للمسجد الأقصى في القدس التي يحتلها الصهاينة.
وقال أردوغان إن المساواة بين الجنسين شيء يتنافى مع الطبيعة، حيث إن الطبيعة "الحساسة" للمرأة تعني أنه من المستحيل وضعها على قدم المساواة مع الرجل. وأضاف أنه يجب المساواة بين المرأة والرجل أمام القانون لكن يتعين الاعتراف بأن دورهما مختلف في المجتمع.
واتهمه معارضوه بالتدخل في الحياة الخاصة، من نصيحته للنساء بشأن عدد الأطفال الذين يجب إنجابهم، إلى الهجوم على عمليات الإجهاض والولادات القيصرية التي يعتبرها مؤامرات خفية لعرقلة نمو تركيا.
وتقمع السلطات على نحو متزايد مناسبات الشواذ في تركيا، التي لا يجرم القانون فيها المثلية الجنسية رغم الرفض والعداء لها على نطاق واسع. وقال أحد كبار مساعدي أردوغان إن ما أسماها دعاية المثليين تشكل تهديدا خطيرا لحرية التعبير.