هل تصل سيناء إلى مصير “تيران وصنافير” على يد قائد الانقلاب؟

- ‎فيتقارير

يكاد يجمع المراقبون والخبراء على أن ما يجري في سيناء تمهيد لأمر ما. فعلى الرغم من إنفاق أكثر من 2 مليار جنيه على العملية الشاملة بسيناء، إلا أنها لم تسفر عن أية نتيجة، سوى عدة بيانات كاذبة من المتحدث العسكري، بمجموعة صور يعتقد البعض بأنها ملفقة ومركبة، لإيهام المصريين بالنصر الحاسم على الإرهاب.

وبعد سنوات من العملية الشاملة التي ذاق مرارتها وخسائرها أهالي سيناء، من تهجير وقتل وتخريب زراعاتهم، يواصل الإرهاب الذي يبدو أنه مدعوم صهيونيا، ضرباته للجيش المصري، وكان آخرها الثلاثاء الماضي في معسكر رابعة ببئر العبد، والذي راح ضحيته عدد من العسكريين بين شهيد وجريح.

ثم تلى ذلك غارات عسكرية، قال عنها المتحدث العسكري إنها قتلت 18 مسلحا، إعلان تنظيم "ولاية سيناء" أنه أعدم ضابطا بالجيش المصري بعد أن اختطفه من كمين للتنظيم بمدينة بئر العبد بمحافظة شمال سيناء.

كمائن على الطريق

وقالت المصادر القبلية إن التنظيم المسلح أقام كمائن مساء الخميس، على الطريق الدولي بين العريش والقنطرة ودقق في هويات المواطنين إلى أن تعرف على ضابط بالجيش كان يركب في سيارة أجرة.

وأشار إلى أن الكمين الذي نصبه عناصر التنظيم كان بالقرب من قرية رابعة التي شهدت هجوماً دموياً الثلاثاء الماضي.. وبعد أن اختطف التنظيم الضابط، التقط له بعض الصور قبل أن يطلق النار عليه بشكل مباشر، ما أدى لمقتله على الفور، بحسب ما نقله شهود عيان وناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصادف مرور أمين شرطة يدعى عبد الرحمن سعيد عبد الرحمن الصياد؛ ٣٨ عاما من المنوفية، حيث قامت عناصر مسلحة بإيقافه و إعدامه ميدانياً.

وفي سياق متصل، أعلن "اتحاد قبائل سيناء" مقتل أحد أبنائه، على يد تنظيم الدولة جنوب مدينة الشيخ زويد. وقال الاتحاد في بيان نشر عبر صفحته على فيسبوك إن "المقاتل الهيثم محمد عايد عياد من قبيلة الارميلات قتل أثناء اقتحام معاقل الإرهابيين بمنطقة المقاطعة جنوب الشيخ زويد".

٣/ عناصر من تنظيم الدولة اقامت اليوم كمين أمني يبعد حوالي ١٠٠٠ متر عن معسكر الجيش الذي تعرض للهجوم اول أمس في رابعة دون أن يتعرض لهم أحد.
تصادف مرور أمين شرطة / عبد الرحمن سعيد عبد الرحمن الصياد؛ ٣٨ عام من المنوفية ؛ حيث قامت عناصر داعش بإيقافه و إعدامه ميدانياً. pic.twitter.com/c3Yxto3JGN

— Ahmed Salem (@AhmedSalem83) July 23, 2020

 

لماذا بئر العبد؟

بحسب تقديرات استراتيجية، كثيرا ما تبرز منطقة "بئر العبد" بوصفها أكثر البؤر التهابا في شبه جزيرة سيناء؛ حيث يعاني الجيش من اختلال السيطرة عليها، وكثيرا ما تكبد خسائر فادحة على أراضيها.

وتكمن أهمية "بئر العبد" في كونه محطة تمر بها خطوط الغاز الرئيسية الممتدة إلى الحدود الشرقية لسيناء مع دولة الاحتلال الصهيوني، وهو ما جعل منه باستمرار هدفا للعمليات التخريبية.

وتعد مدينة "بئر العبد" آخر مدن شمال سيناء من الناحية الغربية يليها مباشرة الحدود الإدارية لمحافظة الإسماعيلية وقناة السويس، ما يمنح موقعها قيمة استراتيجية مضافة.

وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، برزت المدينة كنقطة صراع بين الجيش المصري، وتنظيمات مسلحة، وقد شهدت الخميس الماضي، هجوما بعبوة ناسفة، أسفر عن مقتل 10 عسكريين مصريين، بينهم ضابطان.

وفي فبراير الماضي، قتل العميد "مصطفى عبيدو"، قائد اللواء 134 مشاة ميكانيكا التابع للفرقة 18 بالجيش الثاني الميداني، ومرافقه، في تفجير استهدف سيارته بمنطقة التلول شرق مدينة بئر العبد.

وفي الشهر ذاته، استهدف مسلحون أحد أنابيب خط الغاز الرابط بين مصر و(إسرائيل) في المنطقة ذاتها (التلول) بعدة عبوات ناسفة، في هجوم تبنا تنظيم الدولة..

وفي سبتمبر 2019، كان كمين "تفاحة" العسكري جنوب مدينة بئر العبد، هدفا لهجوم عنيف، راح ضحيته ضابط و9 جنود، وفق المتحدث العسكري ، لكن تنظيم "ولاية سيناء" أعلن في بيان بثه عبر وكالة "أعماق" التابعة له، عن مقتل 15 فردًا من قوة الكمين المستهدف.

ويحتضن مركز "بئر العبد" أيضا قرية الروضة التي كانت مسرحا لمجزرة دموية، قتل خلالها 305 مواطنين، وأصيب 128 آخرين، في هجوم على مسجد أثناء صلاة الجمعة، عُرف إعلاميا بـ"مجزرة المصلين"، في نوفمبر 2017.

وفي يوليو 2019، عادت القرية ذاتها، لتكون هدفا لهجوم استهدف مكتبا للبريد، واستولى خلاله المهاجمون تحت تهديد الأسلحة على مبالغ مالية قُدرت بنحو 80 ألف جنيه.

ويعد تاريخ 11 سبتمبر 2017 يوما دمويا لا ينسى في الذاكرة المصرية، حيث شهد وقوع هجوم عنيف لتنظيم "الدولة الإسلامية" استهدف قافلة أمنية أثناء مرورها في منطقة بئر العبد قرب العريش، ما أسفر عن مصرع  18 من رجال الشرطة، وإصابة آخرين.

وشكل الهجوم وقتها ضربة مؤلمة للأمن المصري، الذي وقع في كمين، بمنطقة "ملاحات سبيكة" التابعة لمدينة بئر العبد، حيث جرى تدمير 3 مركبات مدرعة وسيارة تشويش، وأعقب ذلك اشتباكات بين قوات الشرطة والمهاجمين.

وقبل نهاية العام ذاته، أسفر هجوم مسلح، عن مقتل الحاكم العسكري لمنطقة بئر العبد، العقيد أركان حرب "أحمد الكفراوي"، و6 آخرين من أفراد الجيش..

ووفق مراقبين، يحمل هذا الكم المكثف من الهجمات المسلحة التي استهدفت "بئر العبد" خلال السنوات الأخيرة، عدة مؤشرات ودلالات، أبرزها أن المدينة يبدو أنها تقع فعليا خارج سيطرة الجيش المصري، الذي يشن للعام الثالث على التوالي عمليته العسكرية الموسعة "سيناء 2018"، لكن دون أن ينجح في فرض سيطرته على المنطقة.

تخبرنا العمليات الكثيفة في هذه المنطقة أيضا أن تنظيم "ولاية سيناء" ربما يحاول تركيز عملياته غربي سيناء، على مقربة من الطريق الدولي (القنطرة – العريش)، وحدود محافظة الإسماعيلية وقناة السويس، ما يعني أن التنظيم يبحث عن صدى إعلامي مؤثر عبر شن عمليات بالقرب من الممر المائي الدولي المهم.

ومع توالي نصب الأكمنة في منطقة "التلول" تحديدا، و"سبيكة" و"السبيل" وغيرها، يبدو أن ثمة قصور في المنظومة الأمنية، يتعلق أولا بالرصد وجمع المعلومات، وإجهاض الهجمات قبل وقوعها، وثانيا العجز عن تأمين ممرات آمنة لدوريات الجيش والشرطة، وتوفير غطاء جوي لها، في مواجهة عدو على دراية كافية بجغرافية المكان.

وبالنظر إلى تكرار الهجمات في بئر العبد وقدرتها على إصابة أهدافها في كل مرة تقريبا، فإن هناك مخاوف جدية حول وجود "معلومات مسربة" عن تحركات الأمن المصري، وخط سير الدوريات في المنطقة.

مخاوف مشروعة

ويعزز تلك المخاوف، تمتع التنظيمات المسلحة في سيناء بقدرات تقنية متطورة، ووسائل تجسس، تمكنها من التنصت على أجهزة الإرسال اللاسلكية، التى يتم توجيه سير العمليات والتحركات الأمنية من خلالها، ومن ثم إعداد كمائن استباقية للدوريات العسكرية.

وأخيرا، من الأهمية بمكان النظر إلى متوسطات أعمار ضحايا الهجمات المتتالية في بئر العبد والتي تتراوح غالبا حول 20 عاما، وهو رقم يخبرنا أن الجيش يدفع بالمجندين الجدد إلى تلك البؤر القتالية الخطيرة، دون خبرة أو تدريب كافيين، ما يسهل استهدافهم، في حين أن هناك علامات استفهام كبرى حول غياب وحدات القوات الخاصة وفرق مكافحة الإرهاب المدربة عن المواجهات في المنطقة.

في مقابل تلك الثغرات في أداء الجيش المصري، هناك تطور في استراتيجية وتكتيكات تنظيم "ولاية سيناء" الذي يعتمد على تكتيكات الحرب غير النظامية من أجل إيقاع المزيد من الضحايا بين صفوف الجيش.

ويتجنب التنظيم المواجهات العسكرية المباشرة، والتحرك في المناطق المكشوفة التي يمكن استهدافها من قبل الطيران، وفي المقابل، فإنه يعتمد على تكتيكات مثل تفجير العبوات الناسفة عن بعد، وقنص الجنود، واصطياد دوريات متحركة لا تحظى بغطاء من سلاح الجو.

ووفق استراتيجية التنظيم التي تستخدم في أوقات "عدم التمكين"، ينفذ عناصر "ولاية سيناء" هجمات على أهداف ضعيفة نسبيا يتم رصدها بعناية، يمكن من خلالها إظهار  القوة والتفوق بتكاليف منخفضة.

فراغ أمني

وفي ظل هذه الاستراتيجية، يوفر الفراغ الأمني في بئر العيد فرصة ثمينة لعناصر التنظيم لزرع العبوات الناسفة، التي باتت تمثل كابوسا جديدا للجيش المصري (عمليتان نوعيتان في غضون 3 شهور).

بخلاف ذلك، فإن هذا التركيز الجغرافي لولاية سيناء على بئر العبد أن التنظيم بدأ يفقد قوته في مناطق نفوذه التقليدية في رفح والشيخ زويد، ولذا فإنه قرر نقل مركز عملياته غربا إلى المنطقة الحيوية التي باتت أشبه ببئر لا ينضب من الدماء.

وهكذا تسير سيناء نحو الخروج عن السيطرة، تمهيدا لتدخل صهيوني بشكل سري أو علني لدعم الجيش المصري، وليس  أدل على ذلك من التقارير الدولية التي ترصد انسحاب دور الجيش وتراجعه في سيناء وإسناد مهام مكافحة الارهاب للقائل، وتسليحهم، وهو ما قد يحولها لمليشيات أخرى تحارب الدولة في لحظات الاختلاف.. وهو ما يطيح بسيناء بعيدا عن يد الدولة المصرية المترهلة وعندها سيكون التنازل عليها لصالح مشاريع صفقة القرن أسهل.