دلالات اقتحام “مدى مصر” بعد يوم من اعتقال محرره

- ‎فيتقارير

على طريقة الطغاة والمستبدين الذين لا يجدون طريقًا للرد على انتقادهم أو نشر أخبار عنهم سوى القمع والاعتقال والاقتحام والترهيب، بل واستخدام الرصاص في مواجهة الكلمة، اقتحمت قوات الأمن الانقلابية مقر موقع مدى مصر، بعد يوم من اعتقال الصحفي المحرر بالموقع شادي زلط، على خلفية نشر تقرير عن استبعاد نجل السيسي، محمود، في مهمة عمل طويلة إلى روسيا؛ خوفًا من تأثيراته السلبية في إدارة المخابرات على السيسي.

ونشر موقع “مدى مصر” تغريدة على “تويتر”، اليوم الأحد، قال فيها إن قوات أمن بزي مدني اقتحمت مكتبهم في القاهرة. وأضاف “فريق العمل محتجز داخل المكتب وهواتفهم مغلقة”.

وكان الموقع قد أفاد بأنَّ السلطات المصرية (الانقلابية) اعتقلت في الساعات الأولى من صباح السبت الصحفي، شادي زلط المحرر الإخباري في “مدى مصر”.

وقالت إدارة الموقع، في بيان لها، “قُبض على زميلنا شادي زلط من منزله يوم السبت 23 نوفمبر الجاري في الساعات اﻷولى من الفجر.. إذ طرق أربعة ضباط أمن في ملابس مدنية باب منزل شادي، حيث يعيش مع زوجته وابنته، وقال الضباط إنهم حضروا من أجله دون أن يفصحوا عن هوياتهم أو يظهروا أمر ضبط وإحضار، بينما بقي عدد آخر من عناصر اﻷمن المسلحة خارج المنزل”.

وأضاف أن الشرطة صادرت جهازي كمبيوتر شادي وزوجته، مشيرا إلى أن قوات الأمن عادت بعد دقائق وطلبوا هاتفه وصادروه.

وبيّن موقع “مدى مصر” أن قوات الأمن أخبرت زوجته أنه في طريقه إلى مديرية أمن الجيزة، مؤكدين أنهم لا يعلمون مكان احتجازه حتى الآن.

رسائل الاقتحام

واليوم الأحد، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرًا، قالت فيه إن اعتقال نظام السيسي محررًا صحفيًّا بموقع ”مدى مصر” يمثل ذروة قمع حرية التعبير في ظل حكم عبد الفتاح السيسي. وينقل التقرير عن موقع “مدى مصر”، اليوم السبت، قوله إن السلطات المصرية رحّلت أيضا قبل أسابيع محررًا بارزًا يعمل في الموقع ويحمل الجنسية الأمريكية.

وتشير الصحيفة إلى أن الموقع المعروف بتحقيقاته الرائدة باللغتين العربية والإنجليزية بقي مصدر المعلومات المهم للناشطين والمثقفين داخل مصر، وكذلك صناع السياسة والباحثين حول العالم، فمنذ عام 2013 سيطرت الدولة وبشكل فعلي على المنظمات الإخبارية في البلاد كلها.

ويلفت التقرير إلى أن الموقع نشر تحقيقًا صحفيًّا، يوم الأربعاء، جاء فيه أن السيسي قام بهدوء بإبعاد ابنه محمود من منصبه البارز في المخابرات، وأرسله بمهمة مفتوحة إلى السفارة المصرية في موسكو.

وتذكر الصحيفة أن الموقع بنى تقريره على مصادر لم يسمها، قالت إن المسئولين البارزين عبروا عن قلقهم من إدارة محمود السيسي السيئة لوسائل الإعلام، بالإضافة إلى المهام الأخرى التي يتولاها، وأثّر هذا كله على صورة والده، لافتة إلى أن التقرير أشار إلى أن المسئولين يتذكرون ما فعله حسني مبارك من ترفيع ابنه جمال وتهيئته لخلافته، ما أدى إلى اندلاع الثورة في عام 2011.

ونوه التقرير إلى أن الوسائل الإعلامية المؤيدة للنظام لم تتناول التقرير على “مدى مصر” وتجاهلته تماما، فيما من غير المعلوم بالضبط إن كان التقرير عن ابن السيسي أدى دورا في اعتقال الصحفي يوم السبت. وتنقل الصحيفة عن مديرة تحرير الموقع، لينا عطا الله، قولها إن قوات الأمن تقوم بالتحقيق منذ أسابيع مع المحرر الذي اعتقل، “ومنذ أن كانت لدينا مسودة التقرير”.

وأورد التقرير نقلا عن وكيل نقابة الصحفيين السابق خالد البلشي، قوله إن الاعتقال يمثل “رسالة خطيرة.. (مدى مصر) هو واحد من أصوات قليلة تكافح لتقديم رأي مختلف.. الرسالة على ما يبدو هي: لا يمكن تقبل هذا بعد اليوم”.

وأفادت الصحيفة بأن التواصل مع خدمة الإعلام التابعة للدولة لم يتم للتعليق على هذه القصة، مشيرة إلى أن اعتقال صحفي “مدى مصر” أثار مخاوف الباحثين الذين يعتمدون على الموقع في التعرف على أوضاع مصر.

ويورد التقرير عن نائبة مدير مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، آمي هوثورن، قولها: “يعد مدى (مصر) واحدا من كنوز الشرق الأوسط.. هو أهم موقع إخباري لمراقبي الشأن المصري والخبراء في مصر الذين أعرفهم”.

وأضاف الموقع أن محررا أمريكيا اسمه دانيال أوكونيل (28 عاما) يعمل في القاهرة، قد أوقف في مطار القاهرة الدولي، وتم التحقيق معه وتم ترحيله، ومنع من العودة إلى مصر مرة ثانية.

جزء من القمع

وتقول الصحيفة، إن الضغط على “مدى مصر” ربما كان جزءا من القمع على المعارضة منذ سبتمبر، فحكومة السيسي لم تتسامح مع المعارضة أو التجمع العام، لكن البلاد شهدت في ذلك الشهر فورة من التظاهرات المحدودة، وردت السلطات باعتقال أكثر من 4 آلاف شخص، بحسب منظمات حقوق الإنسان، مشيرة إلى أن هذه أكبر حملة قمع منذ وصول السيسي إلى الرئاسة (بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب) عام 2014، وقد شملت الاعتقالات عددا من الصحفيين والأكاديميين.

وتختم “نيويورك تايمز” تقريرها بالإشارة إلى أن الحكومة استهدفت عددا من الوسائل الإعلامية الخارجة عن سيطرة الدولة، وحجبت موقع “بي بي سي” وقناة الحرة الأمريكية، لافتة إلى أن موقع “مدى مصر” كان أول من نشر خبر منع الموقعين.

ومنذ الانقلاب العسكري داهمت قوات الأمن مئات المواقع والصحف، واعتقلت المئات من الصحفيين بتهم نشر أخبار كاذبة، وحجبت أكثر من 500 موقع إخباري بنفس الاتهامات، التي ترصدها المنظمات الحقوقية، وسط محاولات لمسح الحقائق والسيطرة على الإعلام الذي يشكل التحدي الأكبر للسيسي.