تشهد مصر أزمة متصاعدة في التعليم الطبي، تتشابك فيها تصريحات نقباء الأطباء، ونتائج كارثية لمخرجات الثانوية العامة، وأزمات كليات طب جديدة غير معتمدة، لتكشف جميعها عن خلل بنيوي عميق سببه الرئيسي قرار الدولة بزيادة أعداد المقبولين في كليات الطب دون أي استعداد حقيقي. هذه الأزمة لم تعد مجرد نقاش أكاديمي، بل تحولت إلى تهديد مباشر لمستقبل مهنة الطب في مصر، ولصحة المواطنين خلال السنوات المقبلة.
وعند جمع هذه الخيوط الثلاثة —تحذيرات النقابة، نتائج الرسوب الجماعي، وأزمات الكليات الجديدة— يتضح أن السبب الجذري واحد: قرار سياسي بزيادة أعداد طلاب الطب دون بنية تحتية أو مستشفيات أو أساتذة أو اعتماد دولي.
كارثة بكل المقاييس
وتتكشف الأزمة بوضوح مع تصريحات الدكتور أسامة عبد الحي، النقيب الحالي الذي أكد أن قبول طلاب جدد في كليات طب لا تمتلك مستشفى جامعيًا مؤهلًا هو خطأ جسيم. وقال بوضوح إن ربط أعداد المقبولين بالقدرة الاستيعابية الحقيقية لكل كلية من حيث القاعات الدراسية، والأسِرّة، وأعضاء هيئة التدريس، والإمكانات المتوافرة، هو شرط أساسي للحفاظ على جودة التعليم الطبي. هذا التصريح يعكس إدراكًا داخل الوسط الطبي بأن التوسع العشوائي في إنشاء كليات الطب أصبح يهدد جوهر المهنة نفسها.
لكن التحذير الأكبر جاء من الدكتور خيري عبد الدايم، نقيب الأطباء السابق وأستاذ القلب، الذي وصف ما حدث بأنه "كارثة حقيقية بكل المقاييس". وأوضح أن الدولة قررت في عام 2025 زيادة أعداد المقبولين في كليات الطب من 15 ألفًا إلى 29 ألف طالب، أي الضعف تقريبًا، بزعم حل أزمة نقص الأطباء. غير أن هذا القرار تم دون أي تجهيزات أو معامل أو مستشفيات جامعية، ودون كوادر تدريسية كافية، حيث اعتمدت الكليات الجديدة على الندب من الجامعات القديمة.
وأشار عبد الدايم إلى أن الحد الأدنى للقبول في الطب، الذي كان يفوق 100%، انخفض إلى 74% فقط في بعض الكليات الأهلية التابعة للدولة، وهو ما يعني أن طلابًا غير مؤهلين أصبحوا داخل كليات غير مؤهلة. وحذّر من أنه بعد ست سنوات فقط ستواجه مصر "طوفانًا ممن يحملون شهادة طبيب لكنهم غير صالحين معرفيًا ومهاريًا"، ما سيؤدي إلى انهيار سمعة الطبيب المصري محليًا ودوليًا.
كما أكد أن خريجي هذه الكليات الجديدة لن يتمكنوا من دخول امتحانات الترخيص الدولية مثل USMLE أو التسجيل في GMC البريطاني أو التقدم لهيئة التخصصات الصحية السعودية، لأن كلياتهم غير معتمدة من الاتحاد العالمي للتعليم الطبي WFME. وبذلك، سيهاجر أفضل خريجي الكليات القديمة، بينما يبقى في الداخل خريجون غير مؤهلين، وهو ما وصفه بأنه "جريمة في حق صحة الشعب المصري".
https://www.facebook.com/photo/?fbid=27412396085024016&set=a.1143865405637109
مخرجات الثانوية والغش المنظّم
في الوقت الذي تتوسع فيه الدولة في إنشاء كليات طب جديدة، انفجرت أزمة أخرى في نتائج طلاب الطب بالصعيد، كشفت عن خلل عميق في مخرجات الثانوية العامة. فقد أعلنت كلية الطب بجامعة جنوب الوادي في قنا أن أكثر من 70% من طلاب الفرقة الأولى رسبوا، حيث نجح فقط 146 من أصل 512 طالبًا. وفي جامعة أسيوط، رسب 720 طالبًا من أصل 1207، بنسبة تتجاوز 60%. أما جامعة سوهاج، فرسب فيها 454 طالبًا من أصل 965، بنسبة تقارب 47%.
وهذه الأرقام ليست مجرد "دفعة ضعيفة"، بل انهيار كامل في مستوى الطلاب المقبولين. وقد صرّح عميد كلية طب قنا بأن 90 إلى 95% من الراسبين جاءوا من خمس أو ست مدارس فقط في مركزين بالمحافظة، وأن المشكلة ليست في الكلية، بل في الطلاب الذين حصلوا على درجات مرتفعة بطرق "غير مشروعة" في الثانوية العامة. بمعنى آخر، الغش المنظّم أنتج طلابًا حصلوا على 98% دون امتلاك الحد الأدنى من الكفاءة، وعندما دخلوا كلية الطب، انهاروا أمام أول اختبار حقيقي.
وأكد العميد أن نسب النجاح في السنوات السابقة كانت تتجاوز 90%، وأن المتغير الوحيد هو مستوى الطلاب، وليس نظام الدراسة. هذا يعني أن أزمة الغش في الثانوية العامة لم تعد مجرد مشكلة أخلاقية، بل أصبحت تهدد مستقبل مهنة الطب، لأن الطلاب الذين يدخلون الكليات اليوم هم أطباء الغد.
كليات طب غير معتمدة
وفي موازاة هذه الأزمات، تتفاقم أزمة أخرى في كليات الطب الجديدة غير المعتمدة، مثل كلية طب فاقوس، التي أصبحت نموذجًا حيًا للفوضى التعليمية. فقد نشر طلاب الكلية وأولياء أمورهم استغاثات متكررة، مؤكدين أن الكلية تقع في مبنى ريفي غير مؤهل، وأن المستشفى الجامعي غير موجود فعليًا، وأن التدريب الإكلينيكي يتم عبر بروتوكولات مع مستشفى فاقوس العام، وهو ما لا يرقى إلى مستوى التدريب المطلوب.
وأشار أولياء الأمور إلى غياب رؤية واضحة بشأن مستقبل التكليف والنيابات، وعدم وضوح فرص الاعتماد الأكاديمي أو إمكانية التقديم للمعادلات الدولية. وأكدوا أن أبناءهم يدرسون نفس مناهج كلية طب الزقازيق ويمتحنون نفس الامتحانات، لكن مستقبلهم المهني مجهول، لأن الكلية غير معتمدة، والمستشفى الجامعي غير جاهز، والموقع غير مناسب، والبيئة التعليمية لا تليق بكلية طب.
وجاء في استغاثاتهم أن الكلية مجرد مبنى خالٍ في قرية ريفية، وأن تجهيز المستشفى الجامعي يحتاج ملايين الجنيهات، وأن مستقبل الطلاب في التكليف والنيابات غير واضح. وطالبوا بتدخل عاجل من وزارة التعليم العالي ورئاسة الجمهورية لإنقاذ مستقبل الطلاب، وضمان تكافؤ الفرص مع باقي كليات الطب في مصر.