في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من ازمة طاقة حادة نتيجة الحرب الامريكية الإسرائيلية على إيران، حيث توقفت بعض امدادات الغاز الطبيعي اللازمة لإنتاج الكهرباء، تسعي حكومة الانقلاب الي بيع محطة توليد كهرباء الرياح الوحيدة المملوكة للدولة، للإمارات الوكيل الاقتصادى للكيان الصهيونى فى المنطقة ، مقابل 420 مليار دولار لسد عجز الموازنة تنفيذا لتعليمات صندوق النقد الدولي.
وواجهت الصفقة اعتراضات شديدة من الدول المناحة على صفقة البيع بعد عام من المفاوضات التي وصلت لمراحلها النهائية آخر فبراير الماضي، وبحسب مصدر رفيع المستوي في هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة فقد اعترضت مؤسسات تمويل دولية على نهج حكومة الانقلاب في اجراء البيع دون الرجوع الي الجهات الممولة المنفذة للمشروع.
وأضاف مصدر مطلع على المفاوضات أن الصفقة، التي تستهدف بيع المحطة بقدرة 530 ميجاوات إلى مستثمر إماراتي، توقفت فعلياً منذ نهاية فبراير الماضي، بعد اعتراض جهات تمويل رئيسية، على رأسها تحالف صناعي ومالي تقوده شركة سيمنز الألمانية، إلى جانب" " بنك التنمية الألمانيKfW، الذي شارك في تمويل المشروع عبر قروض ميسرة مدعومة من الحكومة الألمانية.
وتركز اعتراض الشركاء على " تغير طبيعة الأصل" حيث جري تمويل المحطة كمشروع تنموي منخفض العائد وبفائدة منخفضة لا تتجاوز 1% وليس كاستثمار تجاري قابل للبيع للقطاع الخاص.
وكان العمل بمشروع محطة طاقة الرياح بجبل الزيت قد بدأ بين عامي 2015 و2019 بتمويل من تحالف من مؤسسات دولية عبر قروض طويلة الاجل بأسعار فائدة متدنية جدا شملت بنك الاستثمار الأوربي وهيئة التعاون اليابانية في إطار دعم الحكومة المصرية لتطوير انتاج الكهرباء من مصادر متجددة منخفضة التكلفة.
وأشار مصدر مطلع في مشروعات الطاقة المتجددة ان اتفاقية التمويل تضمنت بنودا غير معلنة تعطي الممول حق الاعتراض على نقل الملكية او تغير هيكل المشروع خاصة في حال تحويله الي أصل ربحي لصالح مستثمر خاص مما جعل الحكومة غير قادرة على إتمام الصفقة مع الامارات، مضيفا ان المؤسسات الدولية المانحة تري ان القروض الميسرة لا ينبغي ان تتحول الي أداه لجني أرباح لمستثمرين خارج النطاق الحكومي، مؤكدا ان الاعتراض جمد الصفقة واعادها الي نقطة التفاوض، مضيفا أن هذه الثغرة الفنية وضعت الحكومة امام خيارين الأول استمرار ملكية الدولة للمشروع والثاني تعديل شروط التمويل وتحويله الي قرض تجاري ما يعني تقليص فترة السداد الي ما بين خمس وسبع سنوات بدلا من 30 سنة ورفع الفائدة الي مستويات السوق التي قد تصل الي 8% لليورو.
محطة جبل الزيت من الأصول الاستراتيجية النادرة
وتعد محطة جبل الزيت من الأصول النادرة القادرة على جذب المستثمرين الأجانب، حيث تتميز بتكلفة تشغيلية منخفضة وتحقق تدفقات نقدية مستمرة.
وقدرت وزارة الكهرباء تكلفة مشروع محطة توليد طاقة الرياح بجبل الزيت الأصلية بنحو 1.6 إلى 1.8 مليار دولار، بينما دارت قيمة الصفقة حول 420 مليون دولار.
ويرى وائل النشار، خبير الطاقة ورئيس شركة للطاقة المتجددة، ان هذه الفجوة السعرية تعكس" بيعا تحت ضغط" في ظل تراجع قيمة الجنيه المصري امام العملات الأجنبية، مضيفا ان الجهات المانحة ضمنت لمصر قرضا بقيمة 300 مليون دولار يسدد على 30 سنة بفائدة اقل من واحد % وفترة سماح مدتها سبع سنوات.
واكد مصدر بهيئة الطاقة المتجددة ان جزءا من ديون المشروع لا تزال قائمة ما يعني استمرار التزامات الدولة حتى بعد البيع وهو ما يحول أصل منخفض التكلفة الي عبء دولاري طويل الاجل، ما يزيد الضغط على قطاع الكهرباء الذي تبلغ التزاماته حوالي 35 مليار دولار.
ودفعت التوترات الاقليمية وصعوبة الاستيراد دوائر حكومية الي إعادة تقييم الصفقة من زاويتين الاولي تدعو لإعادة التقييم المالي وفق تطورات السوق والثانية إيقاف البيع ولو مؤقتا في ظل الحاجة لتعزيز انتاج الطاقة من مصادر بديلة، حيث ارتفعت أسعار الغاز المسال الي ما بين 130 و140 % منذ اندلاع الحرب.
وشدد خبراء على ان محطة جبل الزيت تمثل أداة استراتيجية لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد من الخارج الذي يضغط بشدة على الموازنة العامة للدولة.
وأوضح المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن الإنتاجية للشبكة القومية تنتج 60 الف ميجاوات في مقابل 40 ألف ميجاوات استهلاكا ما يعني ان هناك 20 % فاقد وهو اعلي من المعدلات العالمية نتيجة لضعف التخطيط والاعتماد المفرط على الغاز الطبيعي حيث يستحوذ على 84 % من انتاج الكهرباء.
وادي اعتراض الممولين الدوليين الي وقف بيع شركة استراتيجية نادرة ذات تكلفة تشغيلية محدودة وتدفقات مالية دائمة، في وقت تلتزم فيه مصر ببرنامج اقتصادي مع صندوق النقد الدولي يشمل توسيع دور القطاع الخاص وبيع الأصول الحكومية.
ويري خبراء ان الصفقة قد تعود بصيغة معدلة ولكنها تظل مثالا على ان" ليس كل أصل حكومي قابلا للبيع" وان البيع توقف لأنه في هذه الحالة وجد من يحاسب ويدقق في الأرقام والظروف المحيطية وفق قواعد حسابات الربح والخسارة، نظرا لوجود ممول أجنبي رفض ان تضيع ثمرة قروضه أو ان يستفيد منها من لا يستحق، مضيفين كم شركة خسرتها مصر في صفقات البيع المنفردة المفتقدة للشفافية ومراعاة مصلحة المواطن مالك هذه الشركات في الأساس.