عطاءات الدين تكشف أزمة ثقة.. “المال الساخن” يرفض الارتداد وقبول الفائدة المنخفضة

- ‎فيتقارير

 

يبدو المشهد الأخير في سوق الدين المصري أنه لم يكن مجرد نتيجة ضعيفة لعطاء صكوك سيادية، بل كان تعبيرًا واضحًا عن تغيّر مزاج المستثمرين تجاه المخاطر في الاقتصاد المصري. فحين يطرح البنك المركزي صكوكًا بقيمة 5 مليارات جنيه ولا يجد سوى 100 مليون جنيه فقط من المشترين، فهذا يعني أن السوق لم يعد يقبل بالعائد المعروض، وأن المستثمرين يطالبون بعائد أعلى يعكس مستوى المخاطرة المتزايد.

 

وقفز متوسط العائد المطلوب إلى أكثر من 21%، وهو ارتفاع ملحوظ مقارنة بالعطاء السابق، هذا الارتفاع ليس مجرد رقم، بل هو إعلان من المستثمرين بأن المخاطر الاقتصادية ارتفعت، وأن تكلفة الاقتراض يجب أن ترتفع معها، فالسوق لا يمنح الثقة مجانًا، بل يحدد سعرها وفقًا لتقييمه للوضع المالي والاقتصادي.

 

الأخطر بحسب خبراء من ضعف الإقبال على الصكوك هو رفض البنك المركزي بيع سندات خزانة لآجال 3 و5 سنوات بسبب العائد المرتفع الذي طلبه المستثمرون، هذا الرفض المتكرر يعني أن الحكومة غير مستعدة لدفع التكلفة التي يطلبها السوق، وأن المستثمرين غير مستعدين لقبول عائد أقل، النتيجة هي توقف مؤقت في قدرة الدولة على الاقتراض المحلي بشروط معقولة.

ويرى هشام إبراهيم – أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة أن ضعف الإقبال على الصكوك ورفض المستثمرين شراء السندات بعائد منخفض يعكس ارتفاعًا حقيقيًا في درجة المخاطر التي يراها السوق في الاقتصاد المصري، ويؤكد أن المستثمرين المحليين هم الأكثر قدرة على قراءة الوضع، وأن مطالبتهم بعوائد أعلى تعني أن تكلفة الاقتراض سترتفع بشكل قد يضغط على الموازنة العامة، ويعتبر أن ما يحدث هو “تصويت اقتصادي” على ضرورة إصلاحات أعمق في إدارة الدين.

ويعتبر محمد أبو باشا – رئيس وحدة الاقتصاد الكلي في هيرميس في تصريحات صحفية أن ما حدث في سوق الدين هو تعبير مباشر عن أزمة ثقة، وأن المستثمرين يطلبون عائدًا أعلى لتعويض المخاطر المتزايدة، ويشير إلى أن رفض بيع سندات 3 و5 سنوات للمرة الثانية يعكس قلقًا من قدرة الدولة على السداد على المدى المتوسط، خاصة مع ارتفاع الدين المحلي، ويرى أن استمرار هذا الوضع قد يدفع الحكومة إلى “إعادة هيكلة استراتيجية الاقتراض بالكامل”.

 

مخاطر اقتصادية

تزامن هذا التوتر في سوق الدين مع عوامل أخرى تزيد من حساسية المستثمرين، مثل خروج جزء من الأموال الساخنة، وارتفاع المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، واستمرار الضغط على الجنيه المصري. هذه العوامل مجتمعة تجعل المستثمرين أكثر حذرًا، وتدفعهم للمطالبة بعوائد أعلى تعويضًا عن المخاطر.

وحين يرفض المستثمرون شراء أدوات الدين إلا بعائد مرتفع، تصبح قدرة الحكومة على تمويل العجز أكثر صعوبة، فالدولة تعتمد بشكل كبير على الاقتراض المحلي لتمويل الإنفاق، ومع ارتفاع تكلفة الاقتراض أو تعذر الحصول عليه، تصبح الخيارات المتاحة محدودة وأكثر كلفة، سواء عبر رفع الفائدة، أو زيادة الاقتراض الخارجي، أو بيع أصول إضافية.

وعلق محمد عنان @3nan_ma "هروب 3 مليار دولار أجانب من البورصة، وانهيار الجنيه 11%، وديون 18 مليار في الشهر ده  لازم تتسدد، دي مش أزمة عالمية زي ما يكذبوا، دي خيانة أمانة وإدارة فاشلة بامتياز، اللي خربها بالديون والقصور، مستحيل يعمرها بالكراتين والدروشة ".
 

وقال الاقتصادي د. مدحت نافع @DrMnafei "الأزمة غير محصورة في خروج الأموال الساخنة، حتى الأموال "الباردة" مهددة، كل ما هو ريع وتحويلات وتدفقات استثمار مباشر مهدد بالتراجع".

 

https://x.com/DrMnafei/status/2030581893079429420

وأضافت سحر الحسيني  @SaharHoussaini "من أمس اختلفت وتيرة الحرب و شكل اللي شفناه قبل كده كان مجرد بدايات و استنزاف

ضغط كبير على الجنيه النهارده و كسره لل 52 ج ، هنقابل ربكة في الأسواق الفترة القادمة، أبسط مثال سوق السيارات اللي وقف بيع هو و سوق الأجهزة الكهربائية".

https://x.com/SaharHoussaini/status/2030614761767919928

وعن الإقراض المعتاد علقت @hyexiooppgard1 "سؤال مهم لكل أصحاب الشهادات بالبنوك، هل الناس مدركة أن فايدة الشهادات البنوك عندما انخفضت بنسب العائد ٢٪- ٤٪  ،  طبقوها على الشهادات أساساً  السارية قبل تاريخ انتهائها، يعني أنت فتحت شهادة بفايدة ٢٢٪ودخلك منها ١٣٠٠ ج مثلا.. أصبح١١٠٠ ج " ، ورأت أن هذا عقدا، المفروض يطبق على الشهادة الجديدة، مش القديمة".

ليس حدثا عابرا

ورأت سحر الزيني – خبيرة أسواق الدين أن ضعف الإقبال على الصكوك السيادية ليس حدثًا عابرًا، بل مؤشرا على أن المستثمرين أصبحوا أكثر تحفظًا تجاه أدوات الدين الحكومية، وتقول: إن "السوق المحلي كان دائمًا هو الملاذ الأساسي لتمويل العجز، لكن إذا بدأ هذا السوق في التراجع، فإن الحكومة ستواجه تحديًا غير مسبوق. وتشدد على أن السوق لا يكذب، والمستثمر لا يغامر بأمواله إلا إذا رأى عائدًا يوازي المخاطرة".

وأكد هاني جنينة – الخبير الاقتصادي والمحاضر بالجامعة الأميركية أن ارتفاع العائد المطلوب من المستثمرين يعكس توقعات بزيادة الضغوط على الجنيه، وأن المستثمرين المحليين يحمّلون الحكومة تكلفة المخاطر المستقبلية. ويرى أن رفض العطاءات هو “جرس إنذار” بأن سياسة الاقتراض الداخلي وصلت إلى مرحلة تحتاج إلى إعادة تقييم، وأن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في تكلفة خدمة الدين.

واعتبرت رضوى السويفي – كبيرة الاقتصاديين في بنك الاستثمار الأهلي فاروس أن السوق أصبح أكثر حساسية تجاه أي مؤشرات تخص الجنيه أو الدين العام، وإن ارتفاع العائد المطلوب إلى أكثر من 21% يعكس توقعات بتراجع العملة أو زيادة التضخم، وتشير إلى أن رفض العطاءات المتكرر يعني أن الحكومة أمام خيارين: إما رفع الفائدة أو البحث عن مصادر تمويل بديلة، وكلاهما يحمل تكلفة اقتصادية كبيرة، وتؤكد أن “السوق يرسل رسالة واضحة: المخاطر ارتفعت”.

 

ويطرح المشهد سؤالًا جوهريًا حول قدرة الحكومة على الاستمرار في تمويل احتياجاتها إذا استمر السوق في رفض العطاءات أو المطالبة بعوائد مرتفعة. الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت الدولة ستتجه لرفع الفائدة، أو ستبحث عن حلول بديلة، أو ستواجه ضغوطًا مالية أكبر.